في بلاد المهانين

29qpt998زكريا تامر: القدس العربي

ما هذا بشراً!

كان قائداً لرجال أكثر عدداً من أسماك البحار، يتنافسون على إطاعته الطاعة العمياء، يأمرهم بهدم بيت واحد، فيهدمون آلاف البيوت، ويأمرهم بقتل رجل أو رجلين تأديباً لأهل مدينة يحكمها، فيبيدون كل ما هو حي في المدينة، فلا يغضب القائد من عصيانهم أوامره، ويبتسم بتسامح، ويغفر لهم مدركاً أن المخلوق البشري ضعيف ما إن يبدأ بالقتل والاغتصاب والتهديم حتى يفقد صوابه ويعجز عن التوقف، ولا يتوقف إلا حين يحوّل كل ما على سطح الأرض التي يمشي فوقها مجرد أنقاض ومقبرة كبرى لجثث الرجال والنساء والأطفال والقطط والشجر. 

واكتشف رجل من رجال القائد مصادفة أمراً مثيراً للدهشة، فهو مصاب بصداع حيّر الأطباء، وعجزت كل الأدوية المعروفة عن شفائه، وقد حظي الرجل ذات يوم بتقبيل يدي قائده، فبوغت بأن صداعه فارقه نهائياً بغير عودة، فلم يخف ما جرى له، وكلّم الناس عنه، فتزاحم المرضى على تقبيل يدي القائد كلما أتيح لهم، فإذا المصابون بالأمراض المستعصية يشفون ويتزوجون نساء أصغر من بناتهم.

ولما كان القائد لا يملك سوى يدين فقط، وليستا بقادرتين على تلبية كل ما مطلوب منهما، فقد جرب بعض الناس تقبيل قدميه، فإذا أمراضهم تزول فوراً، ولم يعد الأطباء يجدون عملاً، واضطروا إلى مداواة الجياد والأبقار والحمير والكلاب والقطط، وأقفلت صيدليات كثيرة أبوابها، ولم يتضايق القائد من إقبال الناس على تقبيل يديه وقدميه، فهو راعيهم وحاميهم ومُطعمهم، ولكنه كان محباً للنظام كارهاً للفوضى، فخصص للناس يومين في كل أسبوع يوماً لتقبيل اليدين ويوماً لتقبيل القدمين، أما تقبيل اليدين والقدمين في آن واحد، فلا يظفر به إلا من ولد محظوظاً وعاش محظوظاً وسيموت محظوظاً، ولكن القائد فاجأ رعيته بموته، وأعلن الأطباء أن موته لا سبب له سوى إصابته بآلاف العلل، فتحدث الشيوخ في المساجد بإجلال وخشوع عن القائد الذي اختار الاستيلاء على أمراض مواطنيه مضحياً بحياته من أجل شفائهم وإسعادهم، ولكن أبناءه الذين حلوا محله لم يكونوا كأبـيهم، وآثرت أيديهم وأقدامهم ارتداء القفازات المعقمة والأحذية الطويلة العنق، ولم يتصفوا بتلك القدرة الغامضة على شفاء الناس من أمراضهم، ولكن عادة تقبيل أيديهم وأقدامهم لا يزال الأصحاء والمرضى يحرصون على التشبث بها.

العصابة
كنا ثلاثة أصدقاء عبد الفتاح ومصطفى ونعمان، وكنت الثالث.

وفي ليلة حافلة بالضجر والثرثرة، اقترح مصطفى أن نتزوج، ففوجئنا باقتراحه لأننا كنا نحن الثلاثة فقراء ولا نملك أي مهر، حتى شفيقة البقة لن تقبل بالزواج منا.

قال مصطفى : ولكننا نملك ما هو أعظم من المهر، نملك الأخلاق الحسنة والسمعة الطيبة.

فأطلقت ضحكة هازئة بينما سارع مصطفى إلى تطوير ما كان قد اقترحه قائلاً : سنتزوج نحن الثلاثة إمرأة واحدة، وستكفينا.

فقلت لعبد الفتاح ومصطفى : ما دمنا لم نستنكر هذا الاقتراح، فعدم استنكارنا يكشف مدى صداقتنا، وعلينا أن نستثمرها، علينا أن نفكر ونبحث عن أحسن الطرق لاستثمارها.

فقال عبد الفتاح متسائلاً: هل نسرق بنكاً؟

وغرق الأصدقاء الثلاثة في نقاش طويل حول محاسن سرقة البنوك ومساوئها، ولكن مصطفى قال فجأة متسائلاً: لماذا لا نغتال المسؤول عن فقرنا وبؤسنا وفقر الناس وبؤسهم؟

أعجبني اقتراح مصطفى، وسألته: من تقترح؟

قال مصطفى: هيا نفكر معاً نحن الثلاثة.

وفكرنا معاً ثم تناقشنا مطولاً لنتفق على رجل واحد كان هو وحده المرشح الصالح للاغتيال، ولكن رجاله المتنكرين في ثياب رجال دين نجحوا في اغتيال عبد الفتاح ومصطفى في أثناء خروجهما من المسجد إثر صلاة الفجر، وبقي الواشي مجهولاً، وبقيت وحيداً بلا أصدقاء. 

النيام
كانت تلك البلاد شبيهة برسوم الأطفال، حقولها خضر وسماؤها زرقاء وأنهارها كثيرة وأهلها يتصفون بالوداعة وإطاعة أوامر أولي أمرهم، وكانت آخر أوامرهم تطالبهم بالاهتمام بالنوم والإكثار منه لأن بلادهم محتاجة إلى رجال أقوياء ونساء قويات، والنوم كفيل بتحقيق الغاية المنشودة، فنام الرجال والنساء والأطفال في الليل وفي النهار، وعندما اجتاح البلاد جيش من الغرباء الشرسين المسلحين بأحدث الأسلحة، صدرت أوامر عاجلة تطالب النيام بالاستيقاظ فوراً والمشاركة في الدفاع عن بلادهم، فلم يكترث النيام للأمر، واستمروا في النوم، فغضب مصدرو الأوامر، وأمروا حراسهم باستخدام أشرس ما لديهم من قوة لإرغام النيام على نبذ نومهم، فسارع الحراس إلى تنفيذ الأمر، وبوغتوا بأن النيام كانوا موتى وليسوا نياماً.

شاهد أيضاً

غازي دحمان: تقسيم سورية خطة بديلة دائمة

غازي دحمان – الحياة أن تعلن روسيا، التي باتت تملك اليد العليا في سورية، أنها …

اترك تعليقاً