رشا عمران: عن داعش السوريّة والثورة والنظام

4رشا عمران: العربي الجديد

يميل سوريون عديدون، منخرطون في حدث الثورة السورية، ومساندون لها عديدون من الأشقاء العرب، إلى ربط (داعش)، والكتائب الجهادية الأخرى المشابهة لها إيديولوجياً، بالنظام السوري وحلفائه، لا سيما إيران وحزب الله. ولعل جذور هذا الميل تصدر عن رفض الإقرار بالمسؤولية عمّا آلت إليه حال الثورة، وتالياً حال البلد كلها، فثمّة الفوضى العارمة وفوضى التسليح والقصف العشوائي المتبادل وتهديم المدن، بما فيها الأماكن التاريخية والأثرية، والتقسيم الحاصل لوجستياً، وإن لم يتم الاعتراف به رسمياً بعد، والتحزّب الطائفي وطغيان الأسلمة السياسية الجهادية، والفساد الذي باع الثورة، مثلما باع سورية، والارتهان للخارج، وفشل المعارضة السياسية، بكل مجالسها وهيئاتها، في إدارة شؤون الثورة، والحرب بين الكتائب المسلحة على اختلافها، وثم صعود (داعش)، التنظيم الأكثر تطرفاً، إلى المشهد السوري، ومبايعة كتائب عديدة له، والمشاهد والصور والأخبار التي باتت الميديا المتعلقة بسورية الثورة، والتي تظهر الرؤوس المقطعة، والجثث الممثل بها والجَلْد والرجم والتفجيرات الانتحارية، وفتاوى الظلام التي جعلت سورية تبدو وكأنها بلد يعيش في مجاهل التاريخ البشري. وترافق هذا كله مع استمرار النظام السوري في حربه القذرة ضد المدنيين والآمنين، متذرّعاً بمحاربة الإرهاب، بينما كل مقرات (داعش)، الظاهرة للعيان، تتجنبها براميله وقذائفه وطائراته، ما يعطي دليلاً ملموساً لكل رافضي (داعش) ورافضي الاعتراف بأخطاء الثورة، بشأن ارتباط هذا التنظيم بنظام الأسد والاستخبارات الإيرانية. 

ويثبت ذلك كله، بشكل ما، الفشل الحالي الذي لحق بثورة السوريين، بعدما كثر أعداؤها في الخارج والداخل. وهو فشل يتحمل المشاركون بالثورة، في سورية وخارجها، جزءاً من المسؤولية عن حدوثه، وهو الدافع الأول لإلقاء التهمة على النظام وحلفائه في خلق (داعش) ونشرها في الأراضي الخارجة عن سيطرة النظام. على أن مراجعةً سريعة لنشأة التنظيمات الجهادية، ولا سيما (داعش)، تدحض نظرية تبعيته للنظام للسوري، وتكشف عن تشابك كبير بعلاقته مع القاعدة، وارتباط نشأة القاعدة بجهاز الاستخبارات الأميركية، يجعل من العدل القول إن هذه التنظيمات المالكة منظومة سلاح فائقة الحداثة، والمعتبرة من أغنى تنظيمات العالم، والقادرة على استقطاب هذا العدد من التعاطف والتأييد والانخراط في صفوفها، وتحظى، كما يقال، بإحدى أهم المنظومات الاستخباراتية، لا يمكنها أن تحظى بهذا كله من دون دعم استخباراتي دولي، ما يجعل منها أداةً يمكن استخدامها في مواقيت معينة، وفي أماكن محددة، حينما يكون اتفاق دولي، على ذلك، وبما يخدم مشاريع هذه التنظيمات وأهدافها. 

وعلى الرغم من أن عديدين من أمراء (داعش) هم ممّن كانوا معتقلين في سجون الأسد، وأفرج عنهم في مراسيم العفو بعد الثورة (في المقابل، تم الاحتفاظ بالناشطين السلميين قيد الاعتقال، ولا أحد يعلم إن كانوا ما زالوا أحياء)، وعلى الرغم من تاريخ النظام السوري في “تصنيع” الجهاديين وإرسالهم إلى أفغانستان والعراق، إلا أن القول إن (داعش) صنيعة النظام لا يقترب كثيراً من الواقع، فللتنظيم المذكور مشاريعه وأحلامه الكبيرة في بناء دولة الخلافة، وأرض الشام لطالما كانت المرتجى للحالمين بهذه الدولة. وشكلت الفوضى التي فرضها عنف النظام وعشوائية التسليح، وخروج بعض المناطق عن سيطرة النظام، والحدود الطويلة المفتوحة مع تركيا والعراق، وتغاضي تركيا عن تدفق الجهاديين عبر مطاراتها للدخول إلى سورية، وسماح نظام نوري المالكي في العراق لمئات الجهاديين بالهروب من سجون العراق، والالتحاق بعناصر التنظيم في سورية، والمال السياسي المتدفق لشراء الولاءات، والخذلان واليأس الذي شعر به السوريون، المتروكون لمصيرهم وحدهم، في مقابل أفظع آلة قتل في العصر الحديث، شكل هذا مساحةً مناسبةً جداً لتنظيم (داعش) لاحتلال الرقة، ثم دير الزور، والسيطرة على الموصل، ومحاولات السيطرة على الحسكة، وإعلان دولة الخلافة المرجوّة، وتعيين الخليفة، في مشهدٍ استعراضيّ يذكّر بالدراما التلفزيونية التاريخية في المستوى السطحي للاستعراض، إلا أن (داعش)، في العمق، تشكل الخطر الأكبر على الوجود السوري برمته، بعدما دقّ هذا التنظيم آخر مسمار في نعش الثورة، على الأقل على مستوى التعاطف والتأييد، والتغطية الاعلامية العالمية. فمع التغاضي الإقليمي والعالمي عن كل ما تفعله (داعش)، ومع إعلان أوروبا عن استعدادها لاستقبال المسيحيين المهجرين من مناطق سيطرة هذا التنظيم، ومع قيامه بغزوات عديدة، وارتكابه مجازر مروعة بحق جنود النظامين السوري والعراقي، وبحق مدنيين آمنين، ومع تقاطع مصالحه مع مصالح النظام السوري الذي اكتسب مشروعية جديدة تكفل بقاءه بذريعة محاربة الإرهاب والتكفيريين، سيكون العقد المقبل عقد (داعش) بامتياز، ولن ينفع معه لا الندم، ولا التطهُّر من مسؤولية الثورة عن وجوده، بإلقائها على النظام وحده.

فمسؤولية الثورة عن ذلك بدأت مع استبدال كلمة ثائر بكلمة مجاهد، وبدأت مع أول تسميةٍ ذات بعد ديني ماضوي لأيام الجُمَع، ومع إطلاق لحى المسلحين، وتغيير أسمائهم الشخصية إلى أخرى ذات مدلولات دينية طائفية، ومع اعتراف بالتنظيم جزءاً أساسياً من الثورة، من اليساريين والعلمانيين، من أعضاء المجلس الوطني والائتلاف، ومع التغاضي عن كل أخطاء الثورة، وتخوين مَن يتحدث عنها، وبدأت، أولاً، مع فرض ذهنية الإسلام السياسي والإخوان المسلمين على كل مناحي الثورة! وهذه الذهنية الاستبدادية المشابهة لاستبداد النظام سيذكر التاريخ، يوماً، أنها شريكته الأولى في القضاء على ما كان يسمى سورية.

شاهد أيضاً

غازي دحمان: تقسيم سورية خطة بديلة دائمة

غازي دحمان – الحياة أن تعلن روسيا، التي باتت تملك اليد العليا في سورية، أنها …

اترك تعليقاً