كوميديا حرب الشعارات

عارف حمزة- مجلة بناة المستقبل ع10/تموز 2014

كوميديا

هناك حرب أساسيّة كانت تحصل في بدايات الثورة السوريّة، ثمّ تحوّلت إلى حرب جانبيّة، مع بروز الاقتتال العسكريّ؛ فقد كانت الساحات والجدران والصدور والأيدي والكلمات هي أدوات تلك الحرب، التي أنهكت قوّات الأمن في وقفها. والمضحك في الأمر هو اكتشاف أنّ الحرب العسكريّة، بالنسبة للأنظمة الديكتاتوريّة، هي الأسهل بكثير من “الحرب السلميّة”، إذا جاز التعبير. إذ من السهل عندها اعتقال الشخص أو تعذيبه أو فصله من الوظيفة أو تهجيره أو قتله في النهاية. ولكن ذلك لا يمكن تطبيقه على الجدران والساحات والألوان إذا لم يتمّ القبض على الخطّاط أو البخّاخ. رغم أنه تمّ تطبيقه بالفعل في الأشهر القليلة الماضية؛ من خلال دكّ المدن المنكوبة بالصواريخ والبراميل المتفجّرة، التي أصبحت فخر الصناعة الوطنيّة!!.

“البخّاخ” هو الشخص الذي يكتب الشعارات المطالبة برحيل النظام وكذلك الشعارات التي تسخر منه، ويمتاز ذلك الشخص بسرعة الكتابة مع الاحتفاظ بجمال الخط، وفوق ذلك يمتاز بسرعة مغادرة المكان والانتقال لأمكنة أخرى. وكان البخاخ لفترة طويلة هو المطلوب رقم واحد. وتمّ مكافأة الكثير من المخبرين لأنّهم ساعدوا فروع الأمن في إلقاء القبض على الكثير من البخّاخين.

كان في كلّ مدينة ثائرة بخّاخ خاص بها، مع مجموعة تعمل وتتنقّل معه. وبذلك كانت تُسلم الراية اللونيّة لمن يخلفه بمجرّد وقوعه في قبضة الأمن، كي يُكمل المهمّة من جهة، وكي يُوهم الأمن بأنّ الذي تمّ إلقاء القبض عليه لم يكن هو الشخص المطلوب من قبلهم، فكان هناك بخّاخ حمص وبخّاخ إدلب وبخّاخ درعا وبخّاخ دير الزور… الخ.

وكانت مهمّة ذلك البخّاخ ليس كتابة العبارات المؤيّدة للثورة، والسخرية من النظام وتعرية ديكتاتوريّته فحسب؛ بل كان سبباً آخر لقتل الخوف المتوغّل في نفوس السورييّن منذ عشرات السنين، والخروج مع الثوّار ضد ديكتاتوريّة النظام، لعلانية ما كانوا يقومون به وشجاعته.

كانت تلك العبارات، التي كان يفيق الناس لمشاهدتها مكتوبة على جدران بيوتهم ومدارسهم وساحاتهم، مثيرة لروح السورييّن الغريبة في عدم الخضوع والخنوع والصمت الأبديّ في وجه الإذلال. وكانت تبدو تحدّياً مستمرّاً من قبل الشبّان رغم الإرهاب الذي طالهم وطال عائلاتهم.

يوماً بعد آخر، وجداراً بعد آخر، تحوّل الأمر إلى حرب متبادلة في الكتابة من طرف والمحو من طرف آخر. لدرجة أنّها صارت تثير الفكاهة والضحك فيما بعد. وصارت، من جانب ردّة فعل الأمن، تشبه نقّ النسوان!!.

ليس الشطب بالدهان الأسود هو ردّ الفعل المناسب الوحيد من قبل رجال الأمن، وهو صار عملهم الأبديّ خلال فترة لا بأس بها؛ وإنّما كانوا يُبقون على ما هو مكتوب ضد النظام ولكن بإضافة كلمة من عندهم تقلب الأمر لصالح النظام؛ كما في حالة أن يكتب الثوّار كلمة “ارحل”، فيذهب رجال الأمن ويحوّلونها إلى عبارة “لن أرحل” بإضافة حرف “لن” قبلها، ويصبح الأمر هنا وكأنّ “بشّار الأسد” ترك دمشق، في أقصى الجنوب الشرقيّ، فجأة وذهب إلى عامودا، في أقصى الشمال الشرقيّ، كي يقول “لن أرحل” على جدران مدرسة متهالكة… وهكذا تمّ تحويل جملة مثل “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى الشعب لا يريد إسقاط النظام. وإذا لم يكن هناك فراغ لكتابة “لا” بين الشعب ويريد، فإنّهم يسحبون سهماً بينهما للأعلى ويضعون “لا”. ثمّ يوقّعون تحتها بعبارات مثل : شبّيحة للأبد، أو رجال الموت، أو الأسد للأبد!!. دون أن يشعروا بهالة العار التي كانت تكلّلهم.

من كثرة الكتابة على الجدران، ومن كثرة ردّة الفعل في محوها، نبعت في الجدران أنهار من الدهان الأسود والأزرق والأحمر، بحسب ما يتوافر منها في الأسواق، امتدّ بعضها لعشرات الأمتار، كما كان يحصل لجدران المدارس أو المؤسّسات الحكوميّة. فأصبح الشغل الشاغل لمدراء تلك الهيئات شراء الدهانات من السوق، وتحميل مبالغ شرائها للميزانيّة العامّة كمجهود حربيّ ربّما، وعلينا أن نتصوّر كمّية الاختلاسات التي حصلت، وردم الشعارات المعارضة بالدهانات المؤيّدة للنظام.

لم يكن المحو فقط مهمّة الطرف الآخر؛ فرجال الأمن استعملوا أيضاً ميزة الكتابة على الجدران وذلك لإحراج بعض المعروفين في خط المعارضة الذين لم ينزحوا من البلاد بعد حملة الاعتقالات اليوميّة والمتزايدة؛ كما حدث لأحد الصيادلة عندما شاهد عبارة “الأسد أو نحرق البلد” مكتوبة على جدران صيدليّته الخارجيّة. ولكنّه كان شجاعاً فمحاها، رغم النصائح المخيفة من بعض جيرانه بعدم تحدّي مَن كتبها من خلال محوها. ولكنّه محاها فقام رجال الأمن بالانتقام منه، بتشويه سيّارته الحديثة، مما جعله في النهاية يضطر للخروج من البلد بعد تصاعد حرب الكتابات على جدران بيته وصيدليّته. وبسبب الاستدعاءات الأمنيّة المتكرّرة له، وسؤاله عن خيانته الكبرى بمحو اسم قداسته عن جدرانه التافهة والخائنة!!.

أحياء كثيرة صارت جدرانها مبنيّة بالبخّاخ الملوّن، والبخّاخ الملوّن المضاد!!. وبسبب منع المحلات من بيع البخّاخات نهائيّاً، والسماح ببيع الدهانات ولكن بشرط أخذ صورة عن هويّة المشتري وإرسالها، بأقصى سرعة، إلى فرع الأمن العسكريّ!!، كتب أحد البخّاخين على جدران مدينة دير الزور: ” ما ضل عنّا بخّاخات. ارحل يا ابن القحبة”. فصار المطلوب رقم واحد في دير الزور كلّها. وتمّ وضع مكافأة مالية كبيرة لمن يساعد الأمن في القبض عليه.

أكثر القصص التي أثارت الضحك في تلك الحرب، وغباء رجال الأمن، هو ما حصل في “السبينة”؛ فقد كتب أحد البخاخين على أحد جدران مدينة السبينة: “لا لبائع الجولان”. فجاءت دورية أمنيّة وشطبت حرف “لا” ووضعت بدلاً عنه حرف “نعم”!. وكأن المشكلة كلّها في نعم أو لا. ولذلك لم ينتبهوا إلى أنّ الجملة أصبحت: “نعم لبائع الجولان”!!، ثمّ غادرت المكان. ويبدو أنّ الدوريّة انتبهت لفداحة ما قامت به، الذي ينزل بمنزلة إفشاء أسرار دولة أو الخيانة العظمى، فرجعت بسرعة ومعها بلدوزر قام بهدم ذلك الجدار ومحوه عن الوجود مع العبارة المكتوبة عليه، كي لا يبق أيّ دليل يُعرّض أفراد الدوريّة للمحاكمة العسكريّة.

شاهد أيضاً

غازي دحمان: تقسيم سورية خطة بديلة دائمة

غازي دحمان – الحياة أن تعلن روسيا، التي باتت تملك اليد العليا في سورية، أنها …

اترك تعليقاً