رياض درار– في النظرية السياسية للإسلام

رياض درار– بناة المستقبل ع14 كانون الأول 2014

درار

نتابع الحديث في بعض العناصر الهامة التي تؤسس لرؤية توافقية بين الإسلام والعلمانية لتأسيس نظرية سياسية لبناء الدولة الإسلامية على قواعد جديدة معاصرة

5 ـ هذا ،وقد لحظ الإسلام مدى التنوع البشري ،ودعا إلى احترامه وجعله مصدر حيوية للعالم / ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا /سورةالحجرات …ومفهوم التعارف غاية في ذاته ، وهو نابع من التنوع / ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة /سورةالمائدة
لذلك حين يدعى إلى الفصل بين الدولة والدين فإن في ذلك حماية من تدخل الدولة وآلياتها في الدين ،وحماية للدين ذي الأصول الثابتة من الدولة كمتغير ..

الدعوة العلمانية هي لصيانة المتغير من الثابت ، ولصيانة الثابت من تعقيدات المتغير .
بهذا المنظور يمكن أن نرى أن تطور النهضة الإنسانية قاد إلى ثقافة تستمد مرجعيتها من العالم المحيط وضرورات التعايش معه وفيه ..هذه الضرورات أرست مفاهيم جديدة وأدت إلى تحديث المجتمع ..وتحديث المجتمع قاد إلى الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية ..وهو ما أدى إلى إعادة تنظيم المجتمع على أسس الحرية والمساواة والعدالة والعقلانية والحقوق المدنية ..وهي عملية لا تتوقف غلى جيل معين ،بل هي في صلب المستقبل الذي لا يتوقف ،وتجعل الإنسان من دون النظر إلى عرقه وجنسه أو دينه أو لونه نقطة ارتكاز في المجتمع ، وتقدم له الضمانات القانونية اللازمة لممارسة تلك الحقوق واستقلاليته

6ـ العلمانية لم تكن خياراً ايديولوجياً ، بل واقعاً تاريخياً وموضوعيا ، وهي حركة منفتحة أبداً على التحول والصيرورة بلا نهائيات ولاغائيات ، وتؤدي إلى الاستقلال النسبي للمجتمع الديني والمساواة الكاملة للمواطنين أمام القانون .إنها ليست مجرد فصل الدين عن الدولة ،بل صارت رؤية تحمل ملامح جوهرية لإنسانية الانسان ، وتعبر عن طموحه إلى السيطرة على المعوقات التي تقف في طريق تقدمه وسعادته .
من هنا أعتقد أنها ليست بصدد معاداة الدين ،وإنما هي وسيلة للتجديد الديني نفسه بما يتلاءم ومستجدات الحياة .ولعلها تكون من أساسيات الإصلاح الديني المرتجى الذي يبعدنا عن التطرف .
نحن هنا لانأتي بجديد خارج الإسلام ..بل هو من صلب سماحة الإسلام ..إننا فقط نحتاج إلى تجديد فكري ديني ،وفتح الأفق أمام الديمقراطية ،ونبذ الوصاية على الشعب ..وهذا يدفع كل مستلهم للحرية إلى أن يساهم بدوره في استبعاد الأحكام الفقهية القائمة على الأوامر والنواهي التي تضع العقبات في طريق تطور الانسان بإيقافه على حدود المدينة المنورة والصحراء العربية مكاناً وعلى وجود الصحابة زماناً ، وكأن الدنيا توقفت .
إننا نعول على إعادة النظر في معنى النص الديني وعلاقته بالناس ،وعلى تطوير الثقافة ،والتكيف مع العالم ،وإعادة الصلة بالمكتسبات التي صنعتها الشعوب ،وما حققته من نهضة تقوم على تأمين كرامة الانسان وحريته .

7ـ هناك نظرة أكثر جذرية للعلمانية تقوم على رؤية جديدة لا تقتضي الفصل بين الدين والدولة فحسب وإنما هي تطالب بالفصل بين الدولة والمجتمع المدني ، حيث الدولة الحديثة تتكفل بالشأن العام وبالمصالح العامة ، بينما المجتمع يستطيع أفراده نشدان مصالحهم الخاصة بملء الحرية، حيث يتكون مجتمع مدني تتبارى فيه القوى التي تتشكل باحثة عن حقوق المواطنة في الدولة التي تستجيب عبر تحقيق المصالح في دائرتها العامة .

ويكننا العودة لتوضيح هذه النظرة إلى كتاب جورج طرايشي الذي يلخص لنا رؤية (موريس باربييه في كتابه ـ العلمانية ـ إصدار باريس 1995)  ..

إن محور الكتاب يقوم على أن ( مفهوم حقوق الإنسان لا مكان له فعلياً في غياب المجتمع المدني ، وكذلك حقوق المواطنة ، وأن الانفصال بين الدولة والمجتمع المدني يشكل شرطا أساسياً للعلمانية ، التي هي بدورها انفصال بين الدولة والدين ، ومن ثم فإن الانفصال بين الدولة والمجتمع هو الشرط الضروري للحرية الدينية ).ص 211

(هرطقات ـ جورج طرابيشي ـ دار الساقي ـ ط/3)

 

8 ـ في المصدر السابق يؤكد الكاتب ( أن الدولة الحديثة تقوم بذاتها ولذاتها بدون أن تكون بحاجة إلى الدين وبدون أن تضعه في خدمتها ، إذن فهي بالضرورة علمانية . والدين بذاته حر في الدولة العلمانية وله حياة قائمة بذاتها ، وله ملء الحق في ألا تتدخل الدولة في شؤونه . والدولة التي هي مكلفة بالسهر على المصلحة العامة من واجبها أن تسهر على ممارسة المجتمع شتى الحريات وتكفل الحرية الدينية  . والعلمانية بما أنها مسألة سياسية في جوهرها  لا مسألة دينية ، فمعنى ذلك أنها مسألة تابعة للدولة لا للدين ، حيث الدين عنصر من عناصر المجتمع المدني ) .ص/211

 

9ـــ المشروع العلماني اليوم هو السعي إلى تجديد أمر الدين عبر استيعاب الحداثة  

إنّ كثيرًا من المؤمنين ذوو تصرّفٍ علمانيِّ الطابع، إذ يكنّون احترامًا كبيرًا للاختلاف الدينيّ أو المذهبيّ أو السياسيّ. بينما كثيرٌ من العلمانيّين يمارسون تعصّبًا أعمى تجاهَ الاختلاف في الرأي، أو العاداتِ ، أو الممارسات الدينيّة ، وهذا أساء إلى العلمانيّة لاختزاله إيّاها بالإلحاد ، وذلك في مجتمعٍ مسلمٍ له طقوسه وأخلاقيّاته المحافظة. كما أعطت ممارساتُ الحكومات “العلمانيّة” في المجتمعاتِ الإسلاميّة صورةً سلبيّةً عن الجذر السياسيِّ للعلمانيّة ـ وهو جذرٌ يمكن اختصارُه بحياد الدولة الإيجابيِّ تجاه جميع أبنائها، أي الوقوف على مسافةٍ واحدةٍ من الجميع: لا تَفرض عليهم عقيدةً، ولا تسمهم بغير طابع الانتماء الوطنيِّ الموحّد على أرضيّةِ المساواة واحترام الرأي الآخر.

10ــــ إنّ الدعوة إلى التجديد الدينيّ تهدف إلى الخروج من المأزق الذي جعل البلادَ الإسلاميّة خارج التاريخ. وهذا يتطلّب إصلاحَ الفكر، وتطوير الثقافة، وبناءِ التراكم المعرفيِّ، والتكيّفَ مع عالمٍ مضطرب. وبعد ذلك تنبغي صياغةٌ تدريجيّةٌ لمنظومةٍ فكريّةٍ ترتاح إليها الأغلبيّةُ الكبرى من أطرافِ المجتمع المتعدّدة ، أديانًا وقوميّات. وهذه الصيغة يجب ألّا تنحوَ إلى تقديم الإسلام كهويّةٍ قوميّة أحاديّة الجانب. فلكلِّ مجتمعٍ هويّة ، والإسلام عملَ على دعم هويّة كلِّ مجتمعٍ دخله وساهم في صنع حضارته ، ولم يسعَ إلى جمع الأمم في هويّةٍ قوميّةٍ واحدةٍ ، فالحقّ أنّ الهويّةَ البشريّة هويّة مركّبة فإلى جانب الدين هناك عواملُ أخرى، اجتماعيّة ومناطقيّة ومهنيّة واقتصاديّة وسياسيّة، ولا يمكن أن تُبنى هويّةٌ اجتماعيّةٌ على العامل الدينيّ وحده، وإلّا أُلغيَ التعدّدُ والتفرّدُ والتنوّعُ، وكلُّها من صفاتِ الفطرة وغايات الخلق، كما في قوله تعالى: “ولو شاء اللهُ لجعلكم أمّةً واحدة”.

ممّا سبق نرى أنّ التجديد الدينيّ الذي من شأنه أن يطول الدينَ في العمق، من حيث هو علاقةٌ بين الإنسان وربّه، وطريقةٌ روحيّةٌ في فهم العالم، يستوجب الدعوة إلى العَلمانيّة. والهدف من ذلك هنا ليس الحفاظَ على السياسة من تدخّل الدين (وهو مطلبُ اللادينيّين بنسبةٍ أكبرَ بكثيرٍ من مطلب الدينيّين)، وإنما لحفظ الدين وحفظِ جوهره ونقائه من الانحرافاتِ التي يفرضها العملُ السياسيُّ على مبادئ هذا الدين. ومن شأن علمانيّةٍ تمتثل إلى مقولة “حياد الدولة الإيجابيّ” تجاه معتقداتِ أبنائها أن تفسحَ المجال لنموِّ تجدّدٍ دينيٍّ حقّ: تجدّدٍ ينأى بالدين عن محاولات التطويع القسريّةِ لمفردات السياسة، ومحاولات ليِّ عنقه لاختزاله بنمط حكمٍ يليق بهذا المجتمع أو ذاك؛ تجدّدٍ يُطْلق الآفاق الرحبة للدين باعتباره شأنًا أخلاقيًّا أولًا، ومن ثم معرفيًّا، تنتج عنه رؤًى اجتماعيّةٌ خاصّةٌ بمريديها كمكوّنٍ إضافيٍّ في مجتمعٍ متنوّع.  

شاهد أيضاً

ما سر ولع وتعلق (النمر) بشابين صغيرين ضعيفي البنية؟

  يشكل المدخل للحديث عن “آل الطبل” مثار حيرة لمن يتتبع سيرة هذه العائلة.. أيبدأ …