كرم منصور : دمشق مظلمة وباردة وعطشى

كرم منصور -مجلة رؤية سورية ع 38-39/ كانون الثاني  2017م   

يخيّل إلى المتجول في شوارع دمشق هذه الأيام أن نهر بردى قد فاض وتفرع إلى فروع في شوارعها التي تحولت إلى مستنقعات من الماء والطين بعد تساقط الأمطار بغزارة في الأيام الماضية, يأتي هذا في الوقت الذي تنقطع فيه المياه عن دمشق منذ ما يقارب الأسبوع عن بعض المناطق, بعد الحملة العسكرية العنيفة التي بدأها النظام على قرى بردى, تبادل فيها النظام والمعارضة الاتهامات حول انقطاع المياه, حيث ادعى النظام أن قوى المعارضة قامت بتفخيخه وتغيير مجراه إلى نهر بردى لحرمان أهالي العاصمة من المياه, ورد ناشطون على ادعاءات النظام بإظهار صور تثبت قصف النظام لعين النبع بالبراميل المتفجرة محذرين من أن مياه النبع بدأت تغور في الأرض بشكل كبير وتتحول لنهر بردى, وقد لوحظ ارتفاع غير مسبوق في مستوى النهر في دمشق خلال الأيام الماضية.

هذه الأزمة ليست الأولى من نوعها حيث كانت مياه نبع الفيجة في العديد من المناسبات الضحية الأولى في صراعات النظام والمعارضة منذ عام 2012 وكانت آخر أزمة نهاية شهر تشرين الثاني, والتي انتهت بالاتفاق على تحييد النبع عن الصراعات القائمة, إلا أن هذا الاتفاق لم يستمر طويلاً ليعاني الدمشقيون من أزمة جديدة تضاف لسلسلة أزماتهم, حيث “بات الناس في الشوارع يبحثون عن أي مصدر للمياه” حسب تعبير “ماهر” وهو أحد سكان حي الميدان, ويضيف ماهر: “في الوقت الذي لا يعاني فيه حي كأبو رمانة من أي أزمة, نضطر نحن الفقراء لشراء الماء بأسعار باهظة, حيث وصل سعر لتر ماء الاستخدام إلى 150 ليرة, ولتر ماء الشرب إلى 500 ليرة نتيجة الاستغلال الذي يمارسه تجار الأزمة في هكذا أوضاع”, متسائلاً: “من أين يستطيع المواطن السوري بعد الآن تحمل هذه التكاليف التي لا تتناسب مع دخله المحدود”.

وكانت حكومة النظام قد وعدت الناس بحلول, حيث قام مدير مؤسسة المياه في دمشق و ريفها  بدعوة المواطنين لـ “ترشيد استهلاك المياه و استخدامها للأمور الضرورية”, واصفاً وضع الماء في دمشق بـ “المقبول” ومؤكداً أن المياه ستصل إلى الجميع حيث أن الحكومة سوف تستخدم جميع الآبار الاحتياطية والموارد المتاحة”, في حين صرح مسؤول آخر في “مؤسسة مياه دمشق” أن “احتياطي الماء في دمشق انتهى قبل يومين، وبدأنا باستخدام الآبار الارتوازية، ولكن من المستحيل أن تغطي حاجات 7 ملايين نسمة” حسب تعبيره, وكان مدير مؤسسة المياه قد عزا عدم وصول المياه إلى بعض الأحياء كالمهاجرين “لوجود عطل فني”, فيما يرى “أيهم” وهو موظف في مؤسسة المياه أن السبب يعود “لارتفاع هذه المنطقة وقدم المضخات وعدم قدرتها على العمل بكفاءة” متسائلاً: “لماذا لا تقوم الحكومة بصيانة هذه المضخات وتنقية مياه نهر بردى لإيصالها للمواطنين كمياه للاستخدام على الأقل”.

أزمة الوقود والمعاناة الإنسانية

مع استمرار القوات النظامية بمعركتها الطاحنة في حلب طيلة الشهرين المنصرمين, عانت البلاد كما كل عام منذ بداية الحرب من أزمة في توافر مادة المازوت, ولكن اتخذت هذه الأزمة هذا العام شكلاً أشد قساوة في ظل انعدام توافر هذه المادة تقريباً حتى في السوق السوداء, وحتى المخصصات التي تحصل عليها الأسرة السورية من حكومة النظام, والتي تم تخفيضها من 400 لتر إلى 200 لتر منذ عامين لم تصل لأغلب المواطنين هذا العام, يقول قاسم 45 عاماً وهو أحد سكان ضاحية قدسيا: “جاء دوري بالمازوت العام الماضي في شهر نيسان ولم أحصل إلا على 100 لتر فقط من مخصصاتنا كأسرة, بعد أن عانينا شتاء قاسياً, وهذا السيناريو يتكرر هذا العام حيث لم نحصل على شيء حتى الآن, في حين أن البعض ممن لديهم بعض المعارف في سادكوب (الشركة السورية لتخزين وتوزيع المحروقات) قد حصلوا على مخصصاتهم كاملة, بتنا نقنن ونتقشف بالمئة لتر التي استلمناها في ربيع العام الماضي آملين ألا تنتهي, لدي أطفال في المدارس وهم على أبواب امتحانات ولا أدري ما أفعل, بات المواطن السوري يحتاج إلى واسطة لكي يبقي أطفاله دافئين”.

وفي ظل غياب مادة المازوت لجأ العديد من المواطنين إلى مدافئ الغاز, مما أدى إلى أزمة في هذه المادة مع بداية فصل الشتاء, مع استمرار المسؤولين في حكومة النظام بالتأكيد أنه لا توجد أزمة إنما ضغط على المادة, حيث قال مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك أحمد نجم “إن توزيع الغاز يتم عن طريق سيارات جوالة تابعة لـ سادكوب بإشراف دوريات حماية المستهلك، وعدد من الموظفين لتنظيم عملية البيع لجميع المواطنين مؤكداً أنه لا يوجد نقص في المادة إنما الطلب المتزايد خلال الشتاء أدى إلى زيادة الضغط على المادة”.

ولتستمر التناقضات في تصريحات مسؤولي النظام كشف مصدر في وزارة النفط والثروة المعدنية عن وجود نقص في المادة عازياً ذلك إلى خروج حقل الشاعر عن الخدمة مؤخراً بسبب إعادة السيطرة عليه من قبل ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش), مؤكداً وصول ناقلات من الغاز المسال لتعويض هذا النقص وتلبية الطلب المتزايد على المادة.

كل هذه الوعود والمبررات من حكومة النظام  لم تغير من الواقع شيئاً, حيث بات الناس يقفون في طوابير لا تنتهي من الساعة الخامسة صباحاً في ظل انخفاض درجات الحرارة وهطول الأمطار أملاً بالحصول على أسطوانة غاز تقيهم برد الشتاء في ظل استغلال تجار الأزمة كالعادة, يقول عاصم وهو أحد سكان مدينة جرمانا في ريف دمشق: “وصل سعر جرة الغاز في جرمانا إلى 5000 ليرة سورية في حين أن سعرها في الدولة هو 2650 ليرة هذا في حال تكرم عليك الموزع بواحدة بعد استجدائه واللجوء إلى معارفه, في ظل عدم توافر المازوت كان اعتمادنا على الغاز في التدفئة, أما الآن فلم نعد قادرين على ذلك وبتنا نقتصد بالغاز حتى عند الطهي لتكفينا أكبر وقت ممكن”.

لا وقود لا كهرباء

مع غياب الوقود تضاعفت ساعات التقنين الكهربائي في أحياء دمشق وريفها, وعزا النظام سبب هذا الانقطاع مجدداً إلى الاشتباكات التي تدور قرب حقل الشاعر بريف حمص الشرقي والذي يغذي محطات التوليد بدمشق  لتزيد من معاناة السوريين بالحصول على التدفئة, ذلك عدا عن تضرر أصحاب الأعمال والمحال التجارية حسب مازن الذي يملك صالون حلاقة ويقول إن “إيرادات محله هبطت لأقل من الربع منذ بداية الشتاء بسبب غياب الكهرباء وصعوبة الحصول على وقود للمولدة”.

من جهتها تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي تصريحاً لوزير الكهرباء زهير خربوطلي قائلاً فيه “إن التدفئة الكهربائية من قبل المواطنين هي ظاهرة غير مقبولة, فالكهرباء وجدت من أجل الإضاءة وليست للتدفئة”, مما أثار موجة غضب عارمة لدى السوريين متهكمين فيه على الوزير ومتسائلين في نفس الوقت عن الوسيلة التي من الممكن أن يتدفأ المواطن بها مع انقطاع كل شيء, ورغم نفي الوزير للتصريح مدعياً أنه تم اجتزاؤه وتحويره إلا أن ذلك لم يهدئ من حال الشارع السوري الذي ضاق ذرعاً من حياته وصعوبة معيشته, فهذا التصريح المزعوم لم يعط إلا سبباً آخراً للمواطن السوري للتنفيس عن غضبه, فحالة الغضب والتذمر سادت دمشق وضواحيها ليس فقط بسبب انقطاع الكهرباء وحسب وإنما “بسبب التوزيع غير العادل في ساعات التقنين بين أحياء المدينة الواحدة” حسب تعبير “عامر” وهو أحد سكان العاصمة, ويؤكد “عامر” أن “فترات انقطاع التيار الكهربائي في بعض أحياء دمشق بلغت 18 ساعة باليوم، في حين لا تتجاوز ساعات انقطاعها عن أجزاء من المالكي وأبو رمانة والمهاجرين الثلاث ساعات أو الساعتين في بعض الأحيان, أما مناطق ريف دمشق كـ قدسيا والهامة وجرمانا وصحنايا، فتزداد الساعات لتصل أحياناً إلى أكثر من 20 ساعة باليوم”.

الوسائل البديلة الممكنة للتدفئة

على قارعة أحد اطرق في دمشق يجلس مهدي ذو الثمانية أعوام جامعاً النفايات من حاويات القمامة لاستخدامها في تدفئة عائلته المهجرة من الغوطة الشرقية والتي تقطن في منزل على الهيكل في ضواحي دمشق, حيث يقول مهدي أن عائلته لا تمتلك حتى ثمن حطب للتدفئة وأنهم يستعينون بالقمامة وخصوصاً النفايات البلاستيكية والنايلون لأنها تعطي حرارة أقوى من باقي المواد”, يذكر أن الكثير من السوريين كانوا قد لجؤوا منذ بداية الحرب إلى استخدام مدافئ الحطب منذ عدة أعوام لأنها أقل تكلفة من المواد الأخرى, وحتى هذه المادة لم تنجُ من استغلال التجار حيث وصل سعر كيلو لحطب هذا العام إلى 80 ليرة سورية, ناهيك عما سببه هذا الأمر من أضرار للغابات في سورية حيث وصلت أعمال التحطيب لعام (2016) إلى ما يزيد عن (1000) هكتار في ريف اللاذقية, مع تعرض الكثير من الغابات والمحميات الحراجية في سورية لقطع جائر, منها محمية البلعاس في محافظة حماة التي تعرضت لقطع المئات من الأشجار المعمرة، إضافة إلى الغابات الممتدة من منطقة تلكلخ وصولاً إلى محافظة طرطوس وذلك حسب مصادر في حكومة النظام.

ماذا عن غوطة دمشق الشرقية؟

على غير ما جرت العادة تميز سكان الغوطة الشرقية هذا العام عن سكان العاصمة وضواحيها الخاضعة لسيطرة النظام بوجود خدمة إضافية وهي المولدات الضخمة واشتراك الأمبيرات, والذي ساعد بتأمين احتياجات الأسر من الكهرباء إلى حد ما, ولكن هذا الأمر اقتصر على العائلات ميسورة الحال التي تستطيع تحمل تكاليفها التي أصبحت باهظة مع استمرار الحصار المفروض على الغوطة الشرقية منذ شهر حزيران 2014 وما أنتجه من نقص في الكهرباء والمحروقات, وكان سكان الغوطة قد لجؤوا في الأعوام الماضية إلى الحطب أيضاً للتدفئة والطبخ والذي كان متوافراً, إلا أن الأمر اختلف هذا العام بعد سيطرة قوات الأسد وحلفائها على أجزاء واسعة من الأراضي الزراعية, فأصبحت هذه المادة نادرة وغالية الثمن حيث يقول أبو رائد وهو أحد سكان الغوطة إن “سعر كيلو الحطب الأخضر يتراوح بين 60 و75 ليرة سورية، بينما وصل سعر كيلو الحطب اليابس إلى 125 ليرة سورية، والسبب بارتفاع سعره يعود لخسارة الغوطة الشرقية للكثير من مناطق المرج التي كانت أهم مصادر الحطب قبل سيطرة قوات النظام عليها”, كل هذا جعل بعض الناس يلجؤون لحرق أثاث منازلهم للتدفئة,  فقاموا حسب أبو رائد “بحرق غرف نومهم وطاولات الطعام, وحتى أطقم الموزاييك التي كان الناس هناك يتفاخرون بها أمام بعضهم باعتبارها جزءاً من تقاليدهم”.

من جهتها بدأت العديد من الجهات الخيرية بتنفيذ حملات الشتاء في الغوطة الشرقية للتخفيف من معاناة الناس مع اشتداد البرد وقلة وسائل التدفئة الممكنة, حيث قامت هيئة التكفيل بالشام  بحملة البنيان المرصوص لتقديم سلات غذائية ومبالغ مالية وحطب للتدفئة وذلك للأسر الأشد حاجة, وحملة أصحاب القلوب الرحيمة بتقديم كسوة شتوية كاملة للأيتام.

يستمر نظام الأسد بحربه الشرسة على شعبه, وتستمر معها الأزمات المتلاحقة على الشعب السوري التي وصلت إلى أبسط احتياجاته وحقوقه اليومية, ويبقى السؤال إلى متى ستصمت أقدم عاصمة في التاريخ والتي تغنى الشعراء لآلاف السنين بمائها ونهرها عن النظام الذي أظمأها لأول مرة في تاريخها.

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …