رواد خليل : القواعد الأجنبية في سوريا.. مشروع شرق أوسط جديد أدواته داعش والأسد

رواد خليل -مجلة رؤية سورية ع 43/ أيار 2017م

كيف يمكن للسورين الغارقين بدمائهم الموازنة بين التركيز على طائرة في السماء تقتلهم ومهبط أخرى تهدد مستقبلهم ووجودهم في آنٍ واحد؟ وقد تسابقت طائرات العالم أجمع على إبادتهم مناوبة. سؤال لا يسع السوريون التفكير به في زحمة الأحداث والنكبات والمذبحة اليومية، وقد سعت القوى العظمى لإغراق هذا الوطن بالميليشياوية والفصائلية لتنفيذ مخططاتها المستقبلية بتقطيع أوصال سوريا تحت حكم “الأمر الواقع”. ولم يعد يكلف هذه القوى الراعية للمذبحة السورية في تأسيس قاعدة واحتلال أي جزء من الأراضي السورية، سوى رفع علمها من قبل ميليشيا أو فصيل تدعمه سياسياً أو عسكرياً بداعي الحماية ومن خلفها تسعى لموازنة الصراع على الأرض واستدامته.

في الشمال السوري، وبعد أن حسمت أمريكا موقفها ولو “مؤقتاً” كما يشير بعض المحللين العسكريين باختيار “قوات سورية الديمقراطية”، وقدمتها كرأس حربة لقتال داعش، ذهبت الولايات المتحدة بعيدا في إعادة تأهيل العديد من المواقع وتحويلها لقواعد عسكرية جوية في عدد من المناطق شمال شرق سوريا حيث تسيطر “الوحدات الكردية” الذراع العسكري السوري لـ”حزب الاتحاد الديموقراطي الكردستاني”. وكانت بداية الإعلان عن التواجد الفعلي الأمريكي مطلع عام 2016 شمال شرق سوريا، حيث بدأت بإعادة تأهيل مطار زراعي قديم في منطقة رميلان شمال شرق محافظة الحسكة. وجاء الإعلان عن ذلك من عدة مصادر، حيث عمل الأمريكيون على تجهيز قاعدة عسكرية في منطقة “أبو حجر” في جنوب رميلان بمشاركة فعالة من عشرات الخبراء الأمريكيين وعناصر من “الوحدات الكردية”. وقد تم إعداد هذه القاعدة لاستقبال مروحيات وطائرات شحن، ويبلغ طول مدرجاتها 2700 متر، بعد التوسعة، وما لبثت أن تحولت إلى مهبط لطائرات تنقل عتاد وذخائر ثقيلة وهذا ما حصل في الآونة الأخيرة.

انتقلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الخطوة اللاحقة، وباشرت خلال الشهرين الأخيرين بالعمل على إعداد قاعدة جديدة، تقع غربي مدينة الحسكة بنحو 35 كم في قرية “تل بيدر”، بعد أن كانت مركز تدريبي يتبع لـ(PYD)، حيث وصل عدد من الخبراء الامريكيين إليها، وبدأ العمل لتجهيز أكبر قاعدة لهم في المنطقة، وفق ما أكدت مصادر عدة، علاوة عن بعض القواعد الصغيرة الممتدة على طول الشريط الخاضع لسيطرة “الوحدات الكردية”، في قرية “مبروكة” (85كم غرب الحسكة)، مروراً بتل أبيض وعين العرب وعين عيسى حتى مدينة منبج غرب الفرات. واستمرت أمريكا بالتوسع جنوباً حيث جهزت قاعدة أخرى جنوب مدينة عين العرب بريف حلب الشرقي، وتمتد على مساحة 35 هكتاراً بالقرب من قرية “خراب عشك”، وباتت منطلقا لدعم العمليات التي تشهدها محافظة الرقة ضد تنظيم داعش.

مجدداً تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تأهيل مطار الطبقة العسكري، بعد أن طردت “قسد” تنظيم داعش بدعم من التحالف الدولي. يؤكد محللون عسكريون وسياسيون، أن هذه القواعد أسست بحجة محاربة داعش، وهو هدف استراتيجي على المدى القريب، إلا أنها تؤسس لأهداف بعيدة قد تنتهي بالتقسيم أو فرض شكل الحكم في سوريا على أقل تقدير.

“الأمريكيون يخططون لإقامة قاعدة كبيرة شرق دير الزور أيضاً”

يقول المحلل العسكري والضابط السوري السابق عبد الناصر العايد، مرجحا ً بأن هذه القاعدة ستكون جنوب البوكمال. وعن سبب وجود مثل هذه القاعدة وسواها، يؤكد “العايد” في حديثة لـ”مجلة رؤية سورية”، أنها ستكون مرتكز لضبط كامل منطقة وادي الفرات وشمال سورية، وقاعدة تتوسط مناطق الاستهداف، ويرى أن هذه القواعد ستكون “مؤقتة وثانوية”، وتنتهي بنهاية الصراع على النفوذ في المنطقة.

في الجانب الأخر، عملت روسيا في إطار دعمها لنظام بشار الأسد على تثبيت وجودها على هيئة احتلال عسكري، وبعد أن أعلنت عن تدخلها العسكري المباشر في سوريا، جعلت من طرطوس قاعدة لها في تقديم كافة أشكال الدعم العسكري للنظام، وما لبثت أن حولت مطار اللاذقية الى قاعدة ثانية وأوسع، كما حولت مطار “الباسل” في اللاذقية إلى قاعدة جوية ثالثة، وتعمل على توسيعها باستمرار. وقالت مصادر أمريكية لوسائل إعلام عالمية، إن القوات الروسية في قاعدة اللاذقية، تضم ألفي جندي، و32 مقاتلة، و16 مروحية، و9 دبابات، ومنظومتي دفاع صاروخي. وبات واضحا التحكم الفعلي من قبل الروس في مطار القامشلي الذي تحول لمركز للوجود الروسي الذي يمسك بزمام القرار في مناطق تواجد النظام.

وعن الانتشار العسكري الغربي، يقول المحلل السياسي “حمد شهاب الطلاع”: بلا شك أن الأمور جدا غامضة ومعقدة، فكل من روسيا وأمريكا يتحدثان عن وحدة الأراضي السورية، وهذا لا ينسجم مع توجهات الدولتين في السعي الحثيث لبناء قواعد عسكرية لهما في كل من الساحل وشرق وشمال شرق سورية”. ويضيف الطلاع بحديثه لـ”مجلة رؤية سورية”، أن روسيا وأميركا دولتان ندان لبعضهما لبعض ولا يستوي الأمر بأن تكون لهما قواعد عسكرية في دولة وفي آن واحد. ورغم الغموض في السياسة الأميركية فيما يخص الوضع في سورية، فإن الدلائل تشير إلى أنها (أي أمريكية) ماضية في مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، على حد قوله، ويؤكد، أن وجود القواعد الروسية في الساحل ووجود القواعد الأميركية في شمال شرق سورية وشروع بريطانيا في إيجاد موطئ قدم في بادية الشام، ما هو إلا لتأسيس مناطق نفوذ متفق عليها بين هذه البلدان لتقاسم السيطرة على الدول التي ستنشأ لاحقا، والتي سيكون المدخل إلى تأسيسها هو الفدراليات على أثر “الحروب الطائفية” الجارية الآن في المنطقة. “بمعنى آخر ربما تنشأ دولة كردية تكون السيطرة عليها للجانب الأمريكي، ولذلك أخذت أمريكيا تنشئ قواعدها في مناطق قريبة من أربيل التي أصبحت تحتضن أكبر سفارة أميركية في الشرق الأوسط”، يقول “الطلاع”، ويؤكد قد تكون السيطرة على الساحل السوري وما يتبعه من أراضي تلحق بدولة العلويين لروسيا، وربما تتبع أجزاء من جنوب سوريا وبادية الشام بالأردن الذي يعد “محمية بريطانية تاريخيا”. يرى مراقبون، أن تنظيم داعش توسع في مناطق معينة وكان محظور عليه التوسع خارج ما رسم له، وهذا ما تثبته الوقائع على الأرض، والتي تؤكد أن هذا التنظيم ما هو إلا أداة لتنفيذ هذه المشاريع بغية تفتيت سوريا مستقبلاً لدويلات أو فيدراليات في أقل تقدير. ويذهب هؤلاء إلى أبعد من ذلك، حيث يقول الصحفي السوري عدنان الحسين، إن داعش وليدة الأمس وأداة لتسريع تنفيذ المخططات الغربية المستقبلية في سوريا؛ فنظام الأسد الأب والأبن تعمّد بعمالته ومنذ تسلمه السلطة في سوريا مطلع سبعينيات القرن الماضي على تكريس التفرقة بين السوريين، من خلال تهميش مناطق بعينها والمفاصلة بين شريحة وأخرى، فيما بدا ترسيم لحدود دويلات بدت ملامحها تظهر الآن. الحسين يؤكد: “نشأة القواعد الغربية في سوريا، ما هي إلا نتيجة لنظام ولّاه الغرب نفسه، وصمت عن مجازره لعقود، ليربط ماضي سوريا ومستقبلها برأس هذه العصبة الحاكمة، وهو ما نراه حقيقة على أرض الواقع في يومنا هذا”، متسائلاً “ماذا يريد السوريون اليوم غير الإطاحة بهذه العصابة؟”، ويختم: “وظيفة هذه العصبة اكتملت أو شارفت على الانتهاء بتدمير سوريا، وقد أوصل السوريين للقبول بكل حل يبقي على حياتهم”. ويتوقع مراقبون، أن تمضي الدول الراعية للصراع في سوريا (روسيا وأمريكيا) في التوسع بقواعدها العسكرية مع إنحسار تنظيم داعش شرقاً (الرقة – الحسكة – دير الزور)، مع تتعالي الأصوات حول تدخل جديد (بريطاني – أردني) في الجنوب السوري (درعا والسويداء)،

عدا عن التدخل التركي في الشمال (غرب الفرات)، لتبقى بقية المناطق رهن ما ستسفر عنه المفاوضات السياسية في جنيف ومحادثات أستانة. والرهان الوحيد على الشعب السوري .

شاهد أيضاً

عادل درويش: برنارد لويس.. صراع الانطباعات مع المعرفة

عادل درويش- الشرق الأوسط رحيل الكاتب الأكاديمي اللندني المولد برنارد لويس في 19 مايو (أيار) …