بسام سفر: يوميات يهودي من دمشق بين السيرة الذاتية والسيرة الغيرية

 

 

بسام سفر -مجلة رؤية سورية ع 44/ حزيران 2017م

يتدخل السرد عن الذات في العديد من الأعمال الأدبية مابين السيرة الذاتية والسيرة الغيرية، ويستعمل مصطلح”السيرة الغيرية” للدلالة على الكتابة عن شخصية في الشخصيات المعروفة على مستوى الفن والأدب أو الاجتماع أو السياسة أو أي مجال من مجالات التفوق الإنساني.

ويتجلى ذلك في البحث عن الحقيقة في حياة إنسان فذ، والكشف عن مواهبه وأسرار عبقريته من ظروف حياته التي عاشها، والأحداث التي واجهها في محيطه، والأثر الذي خلفه في جيله.

أما السيرة الذاتية، فمتضمنة _ على الإجمال _ التعريف بهويتها، إذ الإسم الذي يطلقه الإنسان _ كما يقول الفلاسفة_ يخلع على الشيء هويته، غير أن هذا الإحساس بهوية السيرة الذاتية، وأنها بخلاف السيرة الغيرية لا يكفي ولا يشفي في بحث علمي، بل لابد من التحديد الدقيق لاستعمال المصطلح عند الباحثين والنقاد. لاسيما أن التعريف إلى السيرة الذاتية على متون/ أعمال السيرة الذاتية بحسب (المتون/ النصوص) حيث يعرفها الدكتور عز الدين إسماعيل في كتابه ( الأدب وفنونه) إذا قال:” ترجمة الحياة الشخصية وذلك عندما يكتب لنا الكاتب ترجمة حياته هو الخاصة، وهي عندئذ تسمى ترجمة ذاتية”، وتقدم الدكتورة رشيدة مهران تصورين عن السيرة الذاتية أحدهما فيه “الترجمة الذاتية تفاصيل حياة الشخصية يكتبها صاحبه بنفسه”. أما التصور الثاني تضيف إليه الامتداد الزمني، متقول:” الترجمة الذاتية هي أن يكتب إنسان تاريخ حياته مسجلاً حوادثها ووقائعها المؤثرة في مسيرة الحياة متتبعاً تطورها الطبيعي من الطفولة إلى الشباب ثم الكهولة”. أما الدكتور إبراهيم السامرائي يذكر في تعريفه على ثلاث قضايا أساسية، وهي: الاعتراف، والشمول، والامتداد الزمني، حين يضعها بأنها ترجمة الأديب/ الكاتب نفسه.

من خلال كل ما تقدم عن أدب السيرة الذاتية، بما فيها السيرة الغيرية نجدها في رواية إبراهيم الجبين”يوميات يهودي في دمشق”، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية في العام 2017.

السيرة الذايته:

أن الشخصية الرئيسية إبراهيم تكتب عن بيروت وبحرها، فتقول:” يظهر البحر في المنحنى الأرضي.. تراه في الأشرفية كما تراه من خلف النهر، تراه في فردان، وتراه في الرملة البيضاء، تراه في شارع الحمراء، تراه في دمشق أيضاً”.

ويتساءل:” ماذا يفعلون في بيروت؟ سالت أصحابي، لم أعثر على أحد يفعل شيئاً، جميعهم يعيشون باضطرار، ولكن في حياتهم اشتياق إلى الحرب، دون بنادق ولا قذائف ولا متاريس، حرب في الرقص والموسيقى وحرب في الفراش وفي الشراب، على البار القريب، كأس فودكا، تسير لوحدها على الخشب الرخامي، في اليمين إلى اليسار، صورة للحلاج، كان يحترق في يومها في بيته في الحمرا، صورة لزياد الرحباني، صورة لهيفا وهبي، وهراير، صورة لسامر أبو هواش، الفلسطيني الرقيق، الذي لا يتحدث عن الثورة، يفضل التحدث عن ابنه إسماعيل، أو عن ضياء، أو عن الترجمة، في المدى الذي لا تراه العين، أصلع بشاربين، وصوت ضاحك، عباس بيضون، يعرف أنني لن أنجح في رحلتي، ولكنه يتكلم وكأنني صرت على الحد الذي يفصل آخر مفرزة للسوريين عن الأرواح السجينة”. أن هذه التفاصيل العميقة في حياة الكاتب لا تعرفها أي شخصية أخرى خارج شخصية إبراهيم ذاته، وهذه الحميمية التي يقدم فيها تفاصيل حياة أصدقاءه “سامر أبو هواش” أو “عباس بيضون”، ويضيف إليهما “بسام حجار ويوسف بزي”، توضح منحى السيرة الذاتية التي يفتح عليها الكاتب الروائي إبراهيم الجبين مسيرة الشخصية إبراهيم حيث تتوضح في بيروت، بحي برج حمود، لكن التفصيل الدمشقي يلح علي الشخصية “ماذا أفعل؟!، هل أعود إلى دمشق؟، ستطاردني الأرواح السوداء”.

ويعشق الروائي السرد الذاتي باعترافات الشخصية في علاقتها ومحيطها وعائلتها حين يقول:” في جلستي أرى كل شيء، لم يكن أبي يشجعني على الاحتكاك بالحاخامات، كان يفضل أن أبقى هكذا دون ثياب سوداء. دون ضفيرتين تتدليان قرب أذني، وحين مات، كنت قد رأيت موته في إناء الليل، كنت أعرف أنه سيرحل، ولكنني فهمت الإشارة بشكل خاطئ، ظننت أن سفر إلى هناك سيكون موتاً، ولم أعرف أنه سيموت قبل أن يخطو خطوة واحدة خارج دمشق”.

فالبوح الذاتي لطبيعة العلاقة بالأدب تؤكد على أن الاعتراف بعدم القدرة على مواجهة الأب في قرار من قراراته، وهذا ما يطرح إشكالية علاقة السرد الذاتي بالمحيط العائلي في لحظة من لحظات مغادرة اليومي إلى الاستغراق في العائلة كفعل روائي سردي ذاتي يتداخل مع السرد الغيري في توضيح الظروف المتغيرة في المحيط السياسي الذي أفسح المجال ليهود سوريا مغادرة دمشق بعيداً عن رغباتهم الذاتية التي تؤكد على عدم الرغبة في مغادرة الشام لدى أفراد هذه العائلة.

ويعمق السيرة الذاتية ما بين الروائي والشخصية عندما يميز السيرة الذاتية باليوميات واستحضار الشرط الفني المثالي وتعميمه من أجل توصيف دقيق للسيرة الذاتية حيث يبوح أنه :” عندما يعرض يوسف شاهين فيلماً جديداً، أكون في مأزق كبير، كيف يمكن هؤلاء من إنجاز ذلك الحلم الواسع ولا أفعل أنا ؟ وعندما يعرض “المصير”، كدت أصاب باختناق في صالة العرض، إنها أفكاري، بالطبع لم يسرقها أحد، لكنها تذهب إلى الآخرين، تخيلت من قبل أنني سأكتب وأخرج فيلماً عن ابن رشد، وسأصوره في قلعة الحصن، وسآتي بمحمد منير ليغني فيه، لم أفكر في جلب نور الشريف لأداء الدور الرئيسي، من الممكن أن أعطيه لجمال سليمان، لم تكن ليلى علوي سيئة”.

ويوضح الروائي السيرة الذاتية لإبراهيم التقيت بخالد يوسف كاتب قصة وسيناريو الفيلم، وقت عرضه، وكدنا نصبح أصدقاء، لولا أنه كان مشغولاً بارتباطاته، وكنت مشغولاً باكتئابي وزواجي الذي كان ينهار يوماً إثر يوم”.

 يدخل الكاتب والروائي إبراهيم الجبين فن التشويق في كيفية التعاطي مع السيرة الذاتية السردية “إنها أفكاري بالطبع لم يسرقها أحد”، ويضيف” سأصوره في قلعة الحصن، وسآتي بمحمد منير ليغني فيه، لم أفكر في جلب نور الشريف لأداء الدور الرئيسي، من الممكن أن أعطيه لجمال سليمان”.

إن التداعي الحر والتفكير بصوت مرتفع عند الشخصية الأساسية التي تريد أن تعطي دور ابن رشد إلى جمال سليمان، هو نوع من أنواع التشويق في السيرة الذاتية لشخصية بحيث يلفت انتباه القارئ إلى ضرورة استمرارية قراءة الرواية لأنها ستقدم له ملعباً روائياً فسيحاً ذا أفق غير محدود.   

السيرة الغيرية:

وتظهر السيرة الغيرية (في الرواية) من خلال سرد الراوي لحياة مجموعة من الشخصيات (آخاد ليندا نور(محمد شوقي نيازي ) أبو محجن الثقفي) الذي هو من أهم شخصيات الرواية بعلاقته بشخصية (إبراهيم، الراوي)حيث يذكر علاقتهما اذ يقول: ( كان عناقهما كان عناق محمد شوقي نيازي لي، صدمة حقيقية للحاضرين في الجامع، فقد سمعت على الفور همهمات وهمسات (من هذا الذي يجلس قرب الشيخ؟)،(هل رأيت كيف عانقه؟)، (ربما كان من إخواننا في إحدى الجبهات).

ويعمق الراوي سرد السيرة الغيرية في شخصية محمد شوق عبر حواره مع الراوي(- ما هذا؟- أنت تجعلني أضحك، لماذا تندهش من رؤيتي هكذا؟، سألته، وكان جوابه الواثق والراسخ أقوى من سؤالي الساخر، لم يمض قرن على حياتنا المشتركة في تلك الغرفة في دمشق القديمة عند (أبو غازي)، كنت أشرب النبيذ ، بينما كان يقرأ في صحيح البخاري، وكنت ـأكتب بالحبر الصيني على جسد ليندا في الظلام ، وهو يصعد الدرجات الخشبية مرددا أدعية الدخول إلى المنزل ، وكان أقصى طموحاته أن يخصوه بمسجد صغير في إحدى القرى النائية كي يقوم بواجبه تجاه الدين والدنيا معا).

وتتجلى السيرة الغيرية أيضا في الخط السردي الخاص بـ ليندا ،فيصفها الروائي أن ليندا(كانت ترتدي بنطلون جينز بلون أزرق داكن)، وفي الأعلى ( بلوز ((أبيض خفيف يكشف كتفيها ورقبتها  وشريطا عاريا من بطنها البيضاء المشدودة بهندسة عالية كانت تحدثني عن تمارين رياضية قاسية تواظب عليها يوميا).

تغييرات في الشكل والطبعة الثانية:

الطبعة الأولى من الرواية كان غلافها الأول لوحة للفنان بشار العيسى، والغلاف الأخير صورة للروائي بالإضافة إلى نص من الرواية ، وهي لا تحتوي على عناوين و إنما أرقام في بداية المقاطع بينما، الطبعة الثانية غلافها الأول صورة للروائي أمام باب جيرون وجدار الجامع الأموي في دمشق القديمة ، أما الغلاف الأخير اختار له الروائي مقتطفات مما كتب عن الرواية في الصحف العالمية والعربية وتحمل الطبعة الثانية إضافة واضحة لاثني عشر عنوانا فرعيا لكل فصل من فصول الرواية التي كانت عناوينها الفرعية مجرد أرقام.

 

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …