غسان ناصر: “تطور المجتمع السوري (1831-2011)”

غسان ناصر -مجلة رؤية سورية ع 45/ تموز 2017م 

يعدّ كتاب “تطور المجتمع السوري (1831-2011)”، للكاتب المهندس نشوان الأتاسي، من الكتب القليلة التي تتناول تاريخ سورية الحديث بدءًا من أوائل القرن التاسع عشر وحتى العام 2011، بما في ذلك مرحلة حكم حزب البعث والرئيسين (الأسد الأب والابن)، التي حاول الكثير من الكتاب السوريين تجنبها، مؤرخًا بجرأة غير مسبوقة، لمرحلة حكم حافظ الأسد ودوره في تتطييف الجيش والأمن، وصراعه مع أشقائه على السلطة وتأهيله لأولاده لوراثة الحكم، مبرزًا أهم الاستراتيجيات التي أسست تناقضات وبؤر انفجار في المجتمع السوري بما فيها تشويه العلاقة بين المدينة والريف والخلافات المذهبية والطائفية والإشكاليات المناطقية دون إهمال هيمنة العنصر الاقتصادي والصراعات الطبقية.

ومن ثمّ تأثيره على الحرب الأهلية اللبنــانية، ومحاولات سيطرته على القرار الوطني الفلسطيني، وإلغاء دور منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها (الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني)، وكذلك عــلاقته مع إيران، والاتحــاد السوفييتي ومن بعده روسيا، ليعرّج على الخمس عشرة سنة من حكم بشار الأسد، ومن ثمّ إلى السنتين الأخيرتين من الثورة السورية.

  • فضح دولة حافظ الأسد الشمولية ..

يؤرخ الأتاسي (مواليد حمص 1948)، في كتابه الأول الصادر عن دار “أطلس للنشر والترجمة والإنتاج الثقافي” في بيروت، والواقع في 375 صفحة من القطع المتوسط، أهم الأحداث التي شهدتها سورية منذ العام 1831، وصولًا إلى مرحلة حكم حزب البعث، وسيطرة الأسدين الأب والابن على مقاليد السلطة، وتحويلهما الدولة السورية، إلى دولة أمنية عميقة، يحكمها العسكر، ويهيمن عليها الفساد، وتنخرها الولاءات الطائفية، وأمراض المجتمع الفتاكة.

وفي استعراضه لمرحلة حكم حافظ الأسد، يسلط المؤلف الأضواء على كيفية تعامل الأسد الأب مع سورية كمزرعة خاصة، وفسحه المجال لهمجية الاستخبارات، لتذلّ السوريين، وتحرمهم كرامتهم. شارحًا أسباب نموّ الفساد واستشرائه في الدولة ومرافقها بعد حرب ال73، والقبضة الأمنية الحديدية التي أصبحت من أهم ركائز النظام جزءًا عضويًا منه، مؤكدًا على أن الفساد ليس ظاهرة متفشية على هامش تركيبة النظام فحسب بل في صلب تكوينه وهو سبب جوهري لبقائه، ويشير في هذا الخصوص إلى ظهور طبقة برجوازية جديدة اغتنت عبر الفساد ونهب المال العام، وكيف تضاعف عدد أصحاب الملايين خلال حكم آل الأسد وما تبعه من اتساع للهوة بين هؤلاء وبين الغالبية العظمى من الشعب، وتأثير ذلك على انهيار قطاع التعليم العالي خاصة بعد أن أشرف عليه شقيقه رفعت الأسد، (رئيس مكتب التعليم العالي آنذاك)، وقائد ميليشيا (سرايا الدفاع) الذي خرّب التعليم وأقحم الآلاف من الطلبة غير الجديرين في أهم الكليات العلمية.

ويُعرّج الأتاسي على استراتيجية حافظ الأسد المستندة إلى جعل عدد كبير من مضموني الولاء ينتسبون إلى حزب البعث، وتزيينه الحكم بما عرف بـ(بالجبهة الوطنية التقدمية)، وإقراره لدستور منحه صلاحيات تنفيذية وتشريعية وقضائية كافة، جعلت منه شخصيًا حاكمًا بأمره، ومن حزب البعث قائدًا للمجتمع والدولة، وأيضًا كيف حوّل تدريجيًا سورية إلى دولة أمنية تسيطر عليها فروع الاستخبارات وقوات الوحدات العسكرية الرديفة للجيش النظامي، كالحرس الجمهوري والوحدات الخاصة.

كذلك يستعرض الكتاب علاقة النظام السوري السلطوية الإملائية ما بعد البعث بالمنظمات الفلسطينية، ورفعه شعار الصمود والتصدي والتوازن مع العدو الصهيوني كعنصر من عناصر شرعيته، ويتطرق في هذا الصدد إلى مفاوضات السلام مع إسرائيل، وموقف النظام السوري من اجتياح العراق للكويت وحرب الخليج، والتحسن السريع في العلاقة السورية التركية زمن الأسد الابن ومن ثمّ انهيارها بنفس السرعة.

وتصل فصول الكتاب إلى ما بعد استلام بشار الأسد السلطة، ومحاولته خداع السوريين بديمقراطية زائفة، سرعان ما تراجع عنها، ليعتقل رموز منتديات المجتمع المدني، ممن حلموا بترسيخ حرية الرأي والتعبير.

كما يتعرض الكتاب لـ”ورطة” اغتيال الحريري في لبنان التي أجبرت القوات السورية على الخروج منه والقيام بتغييرات عسكرية داخلية أطاحت بالرعيل الأول لتستقدم شريحة جديدة أكثر فسادًا وطائفيةً، وكيف أن كل المحاولات للانفتاح على المجتمع الدولي باءت بالفشل.

كذلك يتطرق الأتاسي إلى بدايات الثورة الشعبية، وتشكّيل تنسيقيات الثورة، وتياراتها السياسية المختلفة، وصولًا إلى شرح أسباب عسكرتها، والحل العسكري، فالحربي، الذي اتّبعه النظام للقضاء عليها، الحلّ الإجرامي الذي دمّر ماضي سورية وحاضرها ومستقبلها.

ولقد استند المؤلف على كمٍّ كبيرٍ من المراجع والأبحاث وضمّن الكتاب ملاحق ديموغرافية وجغرافية واقتصادية، كما استند إلى مذكرات الكثير من السياسيين السوريين الراحلين، من أمثال خالد العظم وأكرم الحوراني وبشير العظمة، محاولًا أن يُقرّب تاريخ سورية الحديث إلى القراء دفعة واحدة بأحداث متسلسلة كثيفة ومترابطة على مدة قرن ونصف دون تعقيدات أو محاولات لإخفاء حقائق أو أدلجتها.

كيف استولى الأسد على السلطة في شباط 69 ..

يقدّم المهندس نشوان الأتاسي، المقيم حاليًا في العاصمة الفرنسية باريس، في هذا الكتاب البحثي الرصين قراءةً في التاريخ السياسي والاجتماعي المعاصر لسورية، هي الأولى ربّما لكاتب سوري، حيث نراه يخوض في تاريخ سورية الحديث بمراحله المختلفة، خاصّة مرحلة حكم الأسدين (الأب والابن الوريث).

وبتمشٍ زمني يستعرض المؤلف زمن انهيار الدولة العثمانية، وبدء تشكّل الثورة العربية الكبرى وانطلاقها، والانتداب الفرنسي على سورية، وتأسيس نواة النضال الوطني ضدّ المستعمر، وصولًا إلى الجلاء والاستقلال، عارضًا لأهم الأحداث الجزئية، التي رافقت هذه الأحداث المفصلية، في التاريخ السوري الحديث، ومسلّطًا الضوء على أدوار أهم الشخصيات التي واكبت وعاصرت تلك الفترة، وعلى أدائها، مشخّصًا التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ليقاطعها مع الأحداث التاريخية، مستعرضًا النضالات العسكرية، والاتفاقيات الدولية، بما فيها الوحدة مع مصر، مرورًا بالاصطفافات والخلافات والتحالفات، بين العسكر والأحزاب والزعامات المحلية، التي أدت إلى هيمنة حزب البعث على المجتمع والدولة والسلطة. كما يُعيد الاعتبار إلى مراحل من التاريخ (لا سيّما مرحلة الخمسينات)، التي سعى النظام بعد تسيّد البعث لطمسها والتقليل من شأن أحداثها ومدلولاتها.

وهو في كل ذلك يضيف الى المراجع العربية أو المكتوبة من مؤرّخين عرب واحدًا تغطّي صفحاته المدى التاريخي الأرحب، بعد أن كانت أعمال أسلافه ألبرت حوراني وفيليب خوري وحنّا بطاطو وكمال ديب وآخرين معنيّة بحقبات سابقة أو متخصّصة ومتوسّعة في مراحل محدّدة.

والأتاسي في كتابه هذا تعامل مع التاريخ السوري بوصفه “ملكًا للسوريين”، فيكشف لنا بجرأة غير مسبوقة، كيف هيمن حزب البعث على مقاليد الحكم في سورية، خارقًا الحظر المسدل على رواية الأحداث منذ 1970 من خارج سير النظام الرسمية، ليعرض لحقبة مريرة من تاريخ البلاد المعاصر، بدأت بسيطرة البعث على الدولة، واستلام حافظ الأسد للسلطة، وحرفه بوصلة الحكم، وقطيعته مع الشعب، وتغليبه المصالح الأسرية والطائفية على الوطنية منها، ونشره الفساد ورعايته له، وتبنّيه لسياسات قمعية فاسدة، ذات صبغة انتقامية طائفية إذلالية، لينجح في تشويه العلاقة بين مكونات المجتمع السوري، وبين أهالي المدينة والريف، ويبث الخلافات المذهبية والطائفية، والنعرات المناطقية.

يقول الأتاسي في الصفحتين (265 و266) إنّ حافظ الأسد استكمل الاستيلاء على كافة مواقع السلطة ومفاصلها الأساسية في سورية مع نهاية شهر شباط (فبراير) من عام 1969. وقد فعل ذلك تحت ستار استنفار عسكري نفذته القوات الموالية له بحجة قيام الطيران الإسرائيلي بغارة جوية على قرى في جوار دمشق. مبينًا أنّه رغم ذلك لم يجر الإعلان الرسمي عن استلامه السلطة إلا في يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1970. ملاحظًا أنه “لا أحد يعرف، ربما بمن فيهم الأسد نفسه، لماذا تأخر هذا الإعلان مدة عشرين شهرًا!”.

وفي تفاصيل ما حدث، بحسب المؤلف، فإنه خلال شهر شباط عام 1969، بعد أن قام رجال رفعت الأسد – شقيق حافظ – “باكتشاف” مخبر كان يحوم بسيارته حول منزل شقيقه، ما جعل رفعت “يشك” بأن عبد الكريم الجندي أرسله لاغتياله، بدأ يحاول إقناع شقيقه بالتحرك ضد الجندي وإلا كانت حياته في خطر، وعليه تحرك الأخير يوم 25 شباط (تحت ستار استنفار عسكري ردًا على غارات إسرائيلية على قرى في جوار دمشق) وأمر الأسد دباباته باحتلال نقاط إستراتيجية داخل العاصمة، وعزَل رجال صلاح جديد من مسؤولية الصحف الرسمية والحزبية (البعث والثورة) وعيّن فيها أشخاصًا محسوبين عليه، واحتل مباني إذاعتي دمشق وحلب، وطرد رجال جديد من مكاتب الحزب والدولة في اللاذقية وطرطوس، واستمر تحرك الأسد حتى 28 شباط حيث قام بضرب أجهزة مخابرات عبد الكريم الجندي بدمشق واعتقال كل رجاله، عندئذ أدرك الجندي فداحة ما يحصل، وأيقن بقرب نهايته.
وفي ليل 1 -2 آذار (مارس)، حصل تبادل لفظي عنيف على الهاتف بين الجندي وعلي ظاظا رئيس المخابرات العسكرية الموالي للأسد، فأقدم الجندي إثرها على “الانتحار”.
ويعلق أكرم الحوراني في مذكراته على حادثة انتحار الجندي بالقول: “تتضارب الأقوال حول انتحاره أو اغتياله بتاريخ 2 آذار 1969 وكان رفعت رأس الحربة التي استخدمها أخوه حافظ الأسد بمواجهة صلاح جديد في طريقه إلى الاستيلاء على السلطة والقضاء على نفوذ عبد الكريم الجندي. ومن الجدير بالذكر أن زوجة الجندي “انتحرت” بعد عدة أسابيع من موت زوجها، كما أُطلق الرصاص من سيارة مسرعة على سائقه الذي سقط ميتًا في الشارع المتفرع من طريق الصالحية والمسمى بستان الرئيس”.

يعلق المهندس نشوان الأتاسي: من طرائف السياسة في سورية، لكن شديدة الوضوح والتعبير، أن القيادة الحزبية والسياسية “الرسمية والشرعية” للبلاد، ممثلة بالأمين العام لحزب البعث، رئيس الدولة، ورئيس مجلس الوزراء نور الدين الأتاسي، والأمين القطري لحزب البعث في سورية صلاح جديد، لم تعد تملك أية وسيلة إعلامية ضمن البلاد بعد أن استولى عليها كلها آمر سلاح الطيران ووزير الدفاع – حافظ الأسد – وجعلها تنطق باسمه، لذلك اضطرت “القيادة الحزبية والسياسية” الحاكمة إلى إصدار صحيفة يومية في لبنان (صحيفة الراية) كي تكون الناطق باسم “الحكم الشرعي” في سورية. وبموت عبد الكريم الجندي، وإبعاد أحمد المير إلى خارج سورية، كما وإبعاد الأخوين سامي وخالد الجندي، تكون قد اكتملت تصفية كتلة الضباط والمسؤولين الاسماعيليين في الجيش والحزب، بعد أن كانت كتلة الضباط الدروز قد تمت تصفيتها خلال العامين 1966 و1967… وإذا أضفنا محمد عمران إلى لائحة المبعدين، نجد أنه لم يبق من أعضاء اللجنة العسكرية الخماسية في السلطة، وفي البلاد، سوى صلاح جديد وحافظ الأسد، الذي تمكن من حسم الصراع لصالحه خلال أحداث شباط 1969 الآنفة الذكر، لكنه لم يشأ استلام السلطة مباشرة، ربما انتظارًا لظروف إقليمية ودولية أكثر ملائمة، ففضل إبقاء مظلة القيادة السياسية القائمة، لكن مفاصل السلطة الأساسية في البلاد أصبحت طوع بنانه.

  • مقاربة تاريخية لفهم اللحظة السوريّة التراجيدية ..

وفق الكاتب اللبناني زياد ماجد، الذي قدّم للكتاب فإن هذا العمل “يُوفّر للقرّاء مادةّ توجز دون تبسيط تاريخًا خطيرًا، ويوفّر لطلاّب العلوم السياسية ودراسات الشرق الأوسط المعاصر نصًا يُضاف إلى النصوص المختصّة بالمنطقة، مع فارقين: واحد مرتبط بكمّ المعلومات المعروضة بسلاسة وبغِنى الإحالات إلى مراجع وأعمال تؤمّن زادًا بحثيًا ومعرفيًا غنيًا ومتنوّعًا؛ وآخر يستند إلى تجربة الكاتب المقيم في سورية نفسها (قبل مغادرتها إلى باريس).. إضافة إلى أن لا عمل ربط حتّى الآن بين السياق الثوري الراهن وما سبقه من تطوّرات على مدى عقود طويل”.

مبينًا أن الأتاسي “نجح في صفحات عمله هذا في تكثيف الكتابة لتلخيص أحداث كبرى وقعت في سورية ومن حولها (خاصة في فلسطين) وتحليلها، ثم النظر بموازاتها إلى المجتمع السوري في تحوّلاته السياسية وأحوال مكوّناته وأوضاعه الاقتصادية، ممّا جعل العمل في تقاطع دائم بين التاريخ وعلم الاجتماع السياسي، ذلك أن تأريخه إذ يبحث في الوقائع والتغيّرات الكبرى في سورية وفي الصراعات من حولها، يشتغل في الوقت نفسه على ثنائياتٍ إشكاليةٍ داخلية بين مدينة وريف وعصبية مذهبية وأُخرى مناطقية، مبقيًا العنصر الاقتصادي ومؤدّياته الطبقية حاضرة على الدوام في التحليل”.

ويرى زياد ماجد، أستاذ العلوم السياسية وعلم الاجتماع في “الجامعة الأميركية” في باريس، أنّ هذا الكتاب “يأتي كنصّ جديد يبني على ما سبقه، ويكمل كرونولوجيًّا الفراغات والنواقص متعرّجًا في التحليل وفي المقارنات ليُبيّن الأبعاد الداخلية والخارجية للأحداث، وليقابل بين الدولة والمجتمع وجدليّات علاقاتهما ونزاعاتهما في منطقة “شرق أوسطية” حبلى بالأزمات، وفي سياق دولي من الحرب الباردة ثم من العالم الأحادي القطبية”. لافتًا إلى أنّه “بعد التاريخ، يصحّ تنسيب هذا الكتاب في جوانب عديدة منه إلى علم الاجتماع السياسي. ذلك أن تأريخه إذ يبحث في الوقائع والتغيّرات الكبرى في سورية وفي الصراعات من حولها، يشتغل في الوقت نفسه على ثنائياتٍ إشكاليةٍ داخلية بين مدينة وريف وعصبية مذهبية وأُخرى مناطقية، مبقيًا العنصر الاقتصادي ومؤدّياته الطبقية حاضرة على الدوام في التحليل. فلا تبدو الانتماءات الأولية كيانات سياسية صمّاء أو دائمة التراص، ولا يهيمن التقسيم الطبقي لوحده على قراءة الأحلاف والعداوات. وهذا بالطبع يُبعد التصنيفات السهلة ويُظهر التعميمات المتّبعة في الكثير من الكتابات متهافتة علميًا… وكما في كل تأريخ سياسي اجتماعي، يحمل السرد من الانتقائية بعض السمات. لكن تصميم العمل وضبطه وفق خطّ بياني زمنيًا، مركَّبٍ أحداثًا وحاملٍ لإشكاليات وجدلّيات، يحمي الانتقائية ويقدّم لها الذريعة العلمية اللازمة في كتب كهذه، فتبدو أقرب الى الأمثلة أو الحالات الدراسية”.

ويؤكد الكاتب اللبناني، أنّ للكاتب نشوان الأتاسي “الفضل إذن في تقريب تاريخ سورية الحديث إلى متناولنا، ودفعه مرّة واحدة في الصفحات التالية ليكون سياقًا غنيًّا من الأحداث والعِبر والأحوال المتبدّلة على مدى قرنٍ ونيّف من الزمن. وقراءة هذا الجهد متعة وإفادة خالصة تضيء على الماضي القريب والحاضر المديد بما يُعين على فهمهما، في لحظة سوريّة تراجيدية ستفصل حُكمًا بين ما كان وما سيكون”.

  • ثورة شعبية تفتتح تاريخًا سوريًا جديدًا ..

ينتظم عمل المهندس نشوان الأتاسي هذا في أجزاء أربعة. الجزء الأول تأسيسي، ينطلق بعد تمهيد تاريخي من أحداث النصف الثاني من القرن التاسع عشر اللاحقة لحملة إبراهيم باشا على سورية، ليصل إلى الثورة العربية الكبرى العام 1916. ويعرض هذا الجزء للمتغيّرات العميقة التي طرأت على الاقتصاد السوري وعلى ملكية الأراضي عقب الصراع بين محمد علي والعثمانيين ثم نتيجة “القتال الأهلي” (أو المذابح الطائفية) العام 1860، وأثَر ذلك في علاقات “الأعيان” السوريّين وتنافسهم. ويتطرّق للإصلاحات التي أدخلها العثمانيّون، وصعود القومية التركية والردّ العربي عليها، متوقّفًا عند الجذور الاجتماعية للقومية العربية الناشئة. ويُقفل الجزء على الحرب العالمية الأولى ثم الثورة العربية اللتين ستُخرجان سورية من السلطنة العثمانية المتهالكة.

الجزء الثاني يخوض في تطوّر المجتمع السوري بين حدثَين: حدث وصول فيصل ومحاولته تأسيس دولته في دمشق ثم هزيمته أمام الفرنسيّين وبسط سلطة انتداب الأخيرين، وحدث نهاية الانتداب وجلاء القوات الفرنسية عن سورية المستقلة العام 1946. وفي هذا الجزء، يعرض الأتاسي لنزعات بعض الجماعات الأهلية والشرائح الاجتماعية خلال العشرينات والثلاثينات ولمواقف النخب السياسية المدينية وعلاقات الأرياف بالمدن. ويُقيم مقارنات مفيدة (ومختصرة) مع الحالة العراقية، ويتوقّف عند تكريس الحدود الجديدة للدولة الوليدة بعد استقلال أجزاء سابقة من “سورية الطبيعية” عنها أو ضمّها الى دول الجوار بموجب الاتفاقات البريطانية – الفرنسية. ويُختتم الجزء مع الاستحقاق الاستقلالي والجلاء الفرنسي.

في الجزء الثالث يعالج الكاتب أبرز المواضيع المتّصلة بالحياة السياسية السورية وبأحوال المجتمع بين ما يعتبره “انتدابين”، الانتداب الفرنسي الآفل و”الانتداب البعثي” المقبل العام 1963. وفي صفحات هذا الجزء تحليل للاصطفافات والتحالفات وأدوار الجيش وبعض الأحزاب أو التيارات الرئيسية والزعامات الوطنية والمحلية. وفيها أيضًا عرض للتعدّد السياسي والتجربة الليبرالية التي عاشت في الخمسينات قبل أن توهنها الانقلابات العسكرية وتجربة الوحدة مع مصر ويقضي عليها استيلاء حزب البعث على السلطة.

الجزء الرابع والأخير هو دراسة في “العصبية والدعوة والمُلك” بوصفها دعامات حزب البعث وقوام نشاطه وتنظيمه المُفضي بعد انقلابه العسكري سيطرةً على سورية و”قيادةً للدولة والمجتمع فيها” لغاية العام 2011 تاريخ بدء الثورة الشعبية ضدّه. ويقسّم الأتاسي الحقبة البعثية الى مراحل ثلاث: مرحلة محمد عمران (1963 – 1966)، مرحلة صلاح جديد (1966 – 1970) ثم مرحلة حافظ الأسد الذي خلفه ابنه بشار (2000 – حتى اليوم). وقد تخلّلت هذه المراحل تبدّلات في القيادة البعثية وفي الهويات المناطقية والطائفية للضباط البعثيين، كما تخلّلتها حربا العام 1967 و1973 مع إسرائيل وجرى خلالها اجتياح لبنان وتطوير تحالفات إقليمية مع إيران. ومع انتهاء الحرب الباردة وسقوط الحليف السوفياتي، تبدّلت بعض أدوار سورية الخارجية وبدأت التحوّلات الاقتصادية داخلها، واستُبدلت لاحقًا القيادات السياسية بأُخرى أكثر ارتباطًا بالعائلة بعد توريث بشار الحكم العام 2000. فحكَم الأخير عقدًا من الزمن قبل أن تبدأ الثورة على حكمه في أول العقد الثاني وتفتتح تاريخًا جديدًا.

الإطاحة بالشيشكلي واغتيال المالكي..

من القصص المثيرة التي يميط الأتاسي اللثام عنها في هذا الكتاب، قصة اغتيال الضابط السوري البارز عدنان المالكي بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق أديب الشيشكلي، كاشفًا دور محمد مخلوف (شقيق زوجة الرئيس السابق حافظ الأسد وخال الرئيس الحالي بشار، ووالد رجل الأعمال السوري الذائع الصيت رامي مخلوف) في اغتياله.

يقول الأتاسي في الصفحتين (214 و215): كانت إحدى نتائج الإطاحة بالشيشكلي إعادة بعض الضباط الذين سرّحوا من الخدمة في عهده، وكان أبرزهم عدنان المالكي، حيث تم تكليفه بمنصب معاون رئيس هيئة الأركان.

وفي شهر نيسان 1955، وأثناء حضوره لمباراة في كرة القدم، قام رقيب في الشرطة العسكرية يدعى يونس عبد الرحيم (علوي) باغتياله، وعلى الفور قام شرطي آخر (علوي) بإطلاق النار على عبد الرحيم فأرداه قتيلًا، وبذلك طُمست معالم الجريمة ولم تُعرف دوافعها. لكن حزب البعث اعتبر اغتيال المالكي ضربة موجهة له على اعتبار أنه كان صديقًا لهم، كما كان شقيقه رياض عضوًا في الحزب، لكن عدنان نفسه لم يكن بعثيًا.

كان ممن شاركوا في عملية الاغتيال ثلاثة من عناصر الشرطة، أحدهم الرقيب محمد مخلوف (شقيق زوجة الرئيس السابق حافظ الأسد وخال الرئيس الحالي بشار، ووالد رجل الأعمال السوري الذائع الصيت رامي مخلوف). ولما كان الثلاثة أعضاء في الحزب القومي السوري الذي كان يسعى لإلحاق سورية بحلف بغداد، فقد اُعتبر الاغتيال جزءًا من محاولة عراقية لقلب نظام الحكم في سورية. كما وجهت التحقيقات أصابع الاتهام إلى زعيم الحزب الذي خلف أنطون سعادة، اللبناني جورج عبد المسيح، لأن حزبه كان قد وجه سابقًا اتهامًا للمالكي بأنه كان وراء تسريح رفيقهم المقدم غسان جديد (الشقيق الأكبر لصلاح جديد، عضو اللجنة الخماسية العسكرية البعثية، والرجل الأول في سورية بين عامي 1966 و1970)، وكان المالكي قد سرّحه فعلًا متهمًا إياه بالتعامل مع الأميركيين. وعلى هذا شُنّت حملة تصفيات واسعة ضد الحزب أدت إلى انتهاء دوره ووجوده في سورية، وحُظر الحزب قانونيًا، كما حُكم على مخلوف بالسجن المؤبد ولم يُفرج عنه إلا إثر انقلاب البعث عام 1963. وجرى اغتيال غسان جديد في بيروت. وبذلك تمكن البعثيون من التخلص نهائيًا من أكثر منافسيهم خطورة على الساحة السياسية والعقائدية في سورية.
وقد ظهرت لاحقًا نتائج تحقيقات متعددة، نفت ضلوع الحزب في عملية اغتيال المالكي، وعزتها إلى المخابرات المصرية، في إطار الصراع بين العراق من جهة ومصر والسعودية من جهة أخرى. كما أن الحزب نفسه نفى بشدة ضلوعه في العملية واعتبرها ذريعة لتصفيته سياسيًا وتنظيميًا. وفي مطلق الأحوال، فقد أدت العملية، وبغض النظر عن هوية مدبريها الفعليين، دورها كاملًا، بحيث أطلقت يد البعث في توجيه السياسة السورية، بتعاون – مرحلي – مع الحزب الشيوعي.

أخيرًا، نشير إلى إنّ كتاب “تطور المجتمع السوري (1831-2011)”، لمؤلفه المهندس نشوان الأتاسي، يصعب على أي صحافي أو باحث عرض كل ما جاء فيه في مقالة واحدة، فصاحبه أغناه بالأحداث والروايات التي تكشف مدى معاناة وعذابات أبناء الشعب السوري على مدى عقود طويلة من حكم البعث وآل الأسد، لذا فإن كل مهتم بتاريخ سورية الحديث لابد من أن يقرأه، خاصّة بعد انتفاضة/ هبة/ ثورة السوريين في آذار (مارس) 2011.

شاهد أيضاً

عبد الباسط سيدا: أميركا وأوروبا وبدايات أفول الحقبة الإيرانية في المنطقة

عبد الباسط سيدا- جيرون لعلنا نتذكّر المصطلح الذي استخدمه رامسفيلد: “أوروبا القديمة”، ردًا على الدول …