إبراهيم الجبين: ذلك الحل السلمي الذي يتحدثون عنه

إبراهيم الجبين  -مجلة رؤية سورية ع 45/ تموز 2017م   

بإعلان الرئيس ترامب إيقاف تمويل المعارضة المسلحة المعتدلة، تكشف الولايات المتحدة عن سياساتها أكثر في ظل إدارة جديدة لن تكون أفضل من سابقتها. فإدارة أوباما، كما بات الجميع يعلم، هي من ساهم في تفاقهم الأزمة السورية، وتحويلها من انتفاضة سلمية ضد نظام مستبد، إلى حرب طاحنة تحرق الأخضر واليابس، وتكون بؤرة توتر تمتد بروقها نحو الشرق والغرب.

وفي الوقت الذي كان السفير الأميركي روبيرت فورد يزور مدينة حماة السورية ويغرق بسيارته بين سيول المواطنين الذين يحمل كل واحد منهم زهرة في وجه القتلة، كان فريق الخارجية الأميركية يجتمع مع الروس في جنيف اجتماعات سرية، تمخض عنها اتفاق جنيف الأول، الذي وضع أمام حاملي الزهور أنفسهم، خطاً أحمر تمسك به العالم؛ “لا حل سوى الحل السلمي”.

ورغم هذا الإعلان الصريح، إلا أميركا سمحت للعالم كله بتسليح نظام الأسد مكافأة له على تمسكه بالحل السلمي، من الروس والإيرانيين والكوريين وغيرهم. وسمحت لميليشيات إرهابية طائفيد متعددة الجنسيات بعبور الحدود السورية، لتطبيق ذلك الحل السلمي الوحيد. وسمحت لطيران الأسد بدك المدن والأرياف السورية بكل ما أوتي من سلمية لحماية الحل السلمي، وسمحت بعدها للطيران الروسي بسحق المعارضة السورية وتدمير المستشفيات والملاجئ من أجل الحل السلمي نفسه….الوحيد.

وفي الوقت ذاته، فتحت شاشة جنيف السياسية التفاوضية في سبيل التوصل إلى ذلك الحل السلمي، وفتحت منصة أستانة لنزع مخالب المعارضة من أجل الحفاظ على الحل السلمي ذاته. ودعمت الهيئة العليا للمفاوضات بضرورة أن يلتحق بها منصات سياسية أخرى كالقاهرة وموسكو والأكراد المحاربين (سلمياً) مع الأسد، فقط من أجل أن يتحقق الحل السلمي الوحيد للأزمة السورية.

ورغم ذلك كله ما يزال معارضون سوريون يعتقدون أنه لا سبيل إلى المستقبل إلا ذلك الحل السلمي.

لكن لم يقل لنا الأميركيون وحلفاؤهم ما هو ذلك الحل السلمي الذي تحدثوا عنه وفعلوا كل هذا من أجله؟

حتى أن شيخ الازهر تدخل بنفسه، للحديث عن ذلك الحل السلمي وشرحه للناس، فقد أوردت افتتاحية الأهرام في عددها الصادر صباح 2 سبتمبر 2013 أن “الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب لخص الموقف الصحيح من الأزمة السورية بادانته للولايات المتحدة وعزمها شن ضربة عسكرية ضد سوريا‏،‏ وفي الوقت ذاته أدان الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين السوريين”‏  وأضافت الأهرام “‏وما بين إدانة الضربة العسكرية واستخدام الكيماوي، لا يتبقى سوى الحل السلمي للمأساة المروعة في سوريا، وهذا هو الطريق الوحيد لحفظ الدماء البريئة لأبناء الشعب السوري، كما أنها في ظل التعقيدات الكثيرة المحيطة بالأزمة السورية تمثل المخرج المعقول للحفاظ علي وحدة أراضي سوريا، وعدم تقسيم سوريا، وهذه يمكن أن تكون البداية لعملية لم الشمل للسوريين مرة أخرى. ومالم تتكاتف القوى العربية والإقليمية والدولية للضغط من أجل الاسراع لجلوس الفرقاء علي طاولة المفاوضات في جنيف فإن الأعمال العسكرية يمكنها أن تشعل الحريق السوري أكثر وأكثر”.

أما المستشارة الألمانية انجيلا ميركل فقد وضحت الحل السلمي ربيع هذا العام في تصريح لمجموعة “فونكه الإعلامية”، “لا أراهن على السبل العسكرية، بل أشدد على ممارسة الضغط السياسي على كوريا الشمالية من قبل الأطراف المعنية” وشددت ميركل على ضرورة الحل السياسي لقضية بيونغ يانغ النووية وعلى التسوية السلمية للنزاع في سوريا.

وذكّرت ميركل “بانتهاك النظام الحاكم في كوريا الشمالية الدائم لقرارات الأمم المتحدة”، معتبرة أن “من مصلحة العالم منع بيونغ يانغ من امتلاك السلاح النووي”. وعلى الحلبة السورية، قالت ميركل: لا بد بعد الرد الأميركي المفهوم على الاعتداء الكيميائي في سوريا مؤخرا من فعل كل ما هو ممكن لإيجاد حل سياسي لسوريا برعاية أممية وبالتعاون مع روسيا”. وأضافت “نحن متفقون مع شركائنا الأوروبيين والأمريكيين على ضرورة ترتيب مرحلة انتقالية سياسية لا يكون للأسد في نهايتها محل في السلطة، فيما تصر روسيا على ترك مصير الأسد للشعب السوري”.

وهكذا فهمنا المزيد من ميركل، أنهم متفقون على ضرورة أن لا يكون للأسد في نهاية ذلك الحل السلمي مكان في السلطة، كما قالت ميركل، لكنها أردفت أن الروس مصرون على عكس ذلك، فعدنا من جديد إلى اللحظة التي لم نكن نفهم فيها معنى لذلك الحل السلمي، إذ كيف يكون الحل حلاً إذا لم تكن الأطراف المعنية والراعية والوسيطة والداعمة متفقة عليه؟ هو فكرة إذاً أو وجهة نظر تقابلها وجهات نظر أخرى! ولو نظرنا إلى جميع التصريحات التي تحدثت خلال الأعوام الماضية عن “الحل السلمي” لصنعنا مجلدات من الشعوذة السياسية التي لا تقود إلى شيء.

الحل السلمي الذي أؤمن به شخصياً، هو أن يفقد السوريون جميعاً الأمل من الآخر، وينظروا إلى مستقبل بلادهم بأنفسهم، ويخرج من بين ظهرانيهم من يمتلك شجاعة ابتكار الحلول واجتراح الأفكار في حالك الظروف، دون انتظار شيء من أحد.

شاهد أيضاً

عادل درويش: برنارد لويس.. صراع الانطباعات مع المعرفة

عادل درويش- الشرق الأوسط رحيل الكاتب الأكاديمي اللندني المولد برنارد لويس في 19 مايو (أيار) …