نهاد قلعي الثاني عشر : حكاية نوري المنجّد

نهاد قلعي الثاني عشر – مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م

أرسل “نوري المنجّد” زوجته الحامل إلى اليونان عن طريق “البلم” لتتوجّه بعدها نحو أرض الأحلام الأوروبية، ألمانيا..

أما هو فبقي ينتظر في مدينة “إزمير” على ساحل بحر إيجة يراقب من البعيد أضواء الجزر اليونانية القريبة وينظر إلى ساعة هاتفه المحمول، يعدّ الدقائق الـ 45 التي من المفترض أن يرسو في نهايتها البلم على شاطئ الجزيرة.

بعد انقضاء ساعة توجّه نوري إلى المنزل الذي استأجره في المدينة، وظلّ جالساً حتى ساعات الصباح الأولى. كان يتذكّر تفاصيل دخوله مع زوجته، التي لم يمض على زواجه منها سوى شهر واحد، إلى تركيا بواسطة المهرّب الجرابلسي، وكيف تمكن وإياها من اجتياز الخندق المليء بالطين، وكيف سقطت علبة مصاغها من كيس الملابس دون انتباههما، وكيف وصلا إلى مدينة “نزيب” في جنوب تركيا وليس معهما سوى 2000 ليرة تركية كان قد صرفها مقابل 300 ألف ليرة سورية، هي كل ما كان يملكه بعد الدفع، بالدولار، للجرابلسي.

الدولارات الـ 1200 التي دفعها نوري للمهرب الجرابلسي كان قد أرسلها له أخوه من السعودية على 6 دفعات متتالية استغرقت ستة أشهر بالتمام والكمال. أما الليرات السورية التي قلبها إلى تركية، فقد كانت حصّته من بيع غنماته لأخيه في القرية.

فقدان المصاغ كان بمثابة طعنة في خاصرة نوري وزوجته، فندما أشدّ الندم لعدم بيعه في القرية، وطمعا ببيعه في تركيا عسى أن يكسبا ليرات إضافية تكفيهما للصعود سوية على ظهر بلم الهجرة إلى العالم الجديد.

ونتيجة ما حصل بعد ضياع المصاغ الغالي، اضطر نوري للإقامة في إزمير، وصرف معظم نقوده لإيجاد المسكن، ثم راح يعمل بمطعم صغير يطلّ على البحر الذي يفصل بينه وبين حلمه، جزر اليونان القريبة. وشيئاً فشيئاً صار يلتقي بالعديد من المهاجرين السوريين غير الشرعيين، الذين يجلسون في المطعم ساعات طويلة بانتظار الليل، ليلتحقوا بالمهربين على ظهر البلم، وأحياناً كان يلتقي أيضاً بالمهربين الأتراك أنفسهم.

في الشهر الأول الذي بدأ فيه نوري العمل في المطعم، كانت تسعيرة “النفر” للوصول إلى الجزيرة حوالي 500 دولار، فطلب من أخيه الذي في السعودية أن يمدّه بقسم من المبلغ كي يستطيع تأمين الباقي من راتبه الشهري ومن بيع أغراض منزله واسترداد تأمينه من المؤجِر حين تسليمه المنزل.

أرسل الشقيق لنوري 500 دولار بعد أن اقترض من زملائه في السعودية بعض الريالات، فكان على نوري تأمين الـ 500 الأخرى لينطلقا بها ويمخرا عباب بحر إيجة إلى جزر الأحلام الأوروربية.

بعد انقضاء الشهر واستلام نوري مرتبه من صاحب المطعم، شكر الأخير على وقفته معه ثم اعتذر منه وأخبره بنيّته للهروب إلى أوروبا، فأومأ صاحب المطعم برأسه ودمدم كلمات تركية بصوت منخفض وودّع نوري..

في صباح اليوم التالي، اتّصل نوري بأحد المهربين الذين التقاهم سابقاً في المطعم وأخبره عن استعداده لركوب البلم مع زوجته، لكن المهرّب فاجأه حين أبلغه بأن التسعيرة قد تضاعفت عن السابق بمقدار 100% نتيجة صعوبة الظروف وتطورات العلاقات السياسية بين أوروبا وتركيا، وتشديد خفر السواحل قبضتهم على المهربين..

تحسّب نوري وحوقل وأغلق الهاتف حزيناً مكسور الوجدان، وأخبر زوجته بالقصة.

وبدون أدنى تفكير، انطلق نحو المطعم واعتذر من صاحبه طالباً منه العودة للعمل، لكن الأخير وافق بشرط عدم تركه للعمل إلا بعد إبلاغه بذلك قبل أسبوع على الأقل ليقوم بتأمين عامل آخر.

اتّفق الطرفان على الشرط، وراح نوري يعمل بجدّ وبكدّ لعله يستطيع جمع بقية المبلغ المناسب. وكان كلّما اقتربت نهاية الشهر وتسلّم الراتب يزداد معه سعر ركوب البحر، نتيجة انخفاض الليرة التركية من جهة، وتحوّل المهربين إلى القبض باليورو بدل الدولار، إضافة إلى مصروف البيت الذي بدأ يزيد على نوري، خاصة بعد حمل زوجته بطفلها الأول.

يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، زاد الضغط على المهرّبين والهاربين نتيجة اتّفاق الأوربيين مع الأتراك على مراقبة عمليات التهريب، وكانت قصص انتشال الغارقين من البحر، والقبض على الناجين، تنتشر بين “النفرات”.

أخيراً، وبعد مضي سبعة أشهر من العمل المتواصل والتقتير والتقنين في المصروف، لم يستطع نوري تأمين سوى 1400 يورو، وهو ما يكفي لتهريب نفر واحد فقط، فاتّفق مع زوجته أن تسبقه إلى أوروبا ثم تقوم بإجراءات لمّ الشمل، خاصة وأن حملها قد دخل في الشهر الخامس.

حين طلع الصباح، كان نوري يرتجف من الخوف والقلق، فحتى تلك اللحظة لم يرده أي هاتف من زوجته.. كل دقيقتين يضغط على أحد الأزرار ليتأكّد من شحنه وصوته، فيعود ليوصله بالشاحن مرة أخرى.. ثم يفتح “الواتس” ليتفحّص الرسائل الواردة من رقم زوجته. هو يعلم بأن الجزيرة ستكون مؤمّنة بشبكات “الأنترنت”، فجميع الهاربين كانوا يتواصلون مع ذويهم بمجرد وصولهم إلى الجزيرة أو “الكامب” أو حتى على سفينة البوليس التي تقلّهم إلى “أثينا”.

إلا أن الوتس كان يظهر عليه بأن آخر دخول لزوجته كان في الساعة العاشرة وعشرين دقيقة مساءً، أي قبيل صعودها على البلم بقليل.

كان يرتجف رغم الجو الحار والرطب، فقام بتغطية جسده ورأسه بالبطانية، ثم أجهش بالبكاء تحتها وهو يردد: “يا ريتني متت قبل ما أبعتها.. كان لازم أنا طالع..”

فصل هاتفه من الشاحن وألصقه بالوسادة، واستسلم للنوم من شدة تعبه، رغم بكائه وخوفه وقلقه.

نام نوري بعمق شديد ذلك الصباح.. نام لدرجة عدم سماعه صوت الهاتف الذي رنّ أكثر من عشرين مرة حتى نفد شحنه.

قبيل المغيب بقليل، رنّ جرس المنزل وطرق الباب بشدّة، ورغم ذلك ظل نوري نائماً بعمق..

وراء الباب كان يقف عنصران من البوليس مع صاحب المطعم ومختار الحيّ وبعض الجيران، صاح صاحب المطعم بأعلى صوته على نوري، لكن نوري لم يفتح الباب.

كانوا جميعهم مجتمعين ليبلغوه بغرق البلم، ولاصطحابه للتعرّف على جثة زوجته، ومع ذلك بقي نوري نائماً على فراشه بهدوء وسكينة.

في اليوم التالي، اتصلوا بأخيه في السعودية يطلبونه لإتمام إجراءات دفن الثلاثة.

شاهد أيضاً

ما سر ولع وتعلق (النمر) بشابين صغيرين ضعيفي البنية؟

  يشكل المدخل للحديث عن “آل الطبل” مثار حيرة لمن يتتبع سيرة هذه العائلة.. أيبدأ …