مفيدة عنكير : بعد سنوات من اللجوء في ألمانيا.. كيف يعيش السوريون هناك؟

 

مفيدة عنكير  – مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م

يرى كثيرون أن الإقامة في ألمانيا تعتمد بدرجة كبيرة على الحظ، فليس هناك معايير ثابتة في منح حق اللجوء -ثلاث سنوات- أو حق الإقامة الفرعية -سنة واحدة-. فيما يرى بعض السوريين أن موضوع الاستقرار والبقاء في ألمانيا هو موضوع صعب ومرهق وبحاجة كثير من الجهد، فألمانيا هي بلد الدقة والالتزام والعمل.

يسعى محمد -23 عاماً- والقادم من سوريين منذ سنتين إلى زيادة فرص بقائه هنا، والتحق ببرنامج للتدريب المهني لمدة ثلاث سنوات أو ما يسمى الأوسبيلدونغ، ويقول أن هذا البرنامج من الصعوبة بمكان بحيث يجمع بين الجانب النظري والعملي والالتحاق المبكر صباحاً، عداك عن كونه يحتاج كثيراً من الوقت والدراسة والمعرفة باللغة الألمانية قولاً وكتابة واستماعاً. إلا أنه لا بدل من بذل كل ذلك لتحقيق ما أصبو إليه على أقل تقدير، وهذا أقل ما يمكن فعله كنوع من رد الواجب لألمانيا على حسن الاستقبال وتقديم بعض الميزات لنا كلاجئين.

التحق سامر 25 عاماً بدورة مكثفة للغة الألمانية في جامعة شتوتغارات، ويرى في ذلك فرصة جيدة في زيادة نسبة حصوله على مقعد جامعي في هذه الجامعة التي تعتبر من أعرق الجامعات الألمانية والأوربية، وعن ذلك يقول: التحقت منذ شهرين بدورة للغة مدتها تسعة شهور، ويشكل ذلك فرصة مهمة حظيت بها من بين كثير من السوريين الراغبين في الالتحاق بالجامعة أو إكمال دراستهم الجامعية، وهي فرصة نادرة يجب استغلالها للوصول إلى طموحي في الحصول على شهادة جامعية ألمانية في تقانة المعلومات، ومن ثم الالتحاق بسوق العمل في ألمانيا أو غيرها. حصل وليد أبو يزن، الذي لديه خمسة أولاد، على فرصة عمل في مجال التنظيف، ويعتبر ذلك خطوة مهمة للتخلص من المعونة الاجتماعية المقدمة من الحكومة الألمانية، إلا أنه يرى في الضرائب في ذات الوقت عبئاً ثقيلاً يضاف على عاتقه مقابل حصوله على الأمن وتعليم أولاده في المدارس الألمانية. يعيش السوريون بعد سنتين لجوء بالمجل ظروفاً صعبة، تبدأ من اللغة الأصعب، ثم الحصول على فرصة عمل أو مقعد دراسة، يليها موضوع الاندماج والزواج والطلاق والتأقلم، وتربية الأطفال ضمن مجتمع منفتح كلياً على كل الأفكار والقيم، التي يختلف بعضها تماماً عن عادات وتقاليد المجتمع السوري بشكل عام.

صعوبات الاندماج بعد سنتين شكّلت سياسة الباب المفتوح التي أنتهجتها الحكومة الألمانية “حكومة ميركل” -كما يحلو للسوريين تسميتها- عام 2015، فرصة سانحة لقدوم عدد لا يُستهان به من طالبي اللجوء من دول مختلفة من العالم ومنهم وفي مقدمتهم السوريين. يذهب الحاج أحمد وهو رجل ستيني إلى وكالة العمل مصطحباً معه ولده ذو العشرة أعوام كمترجم له، بهدف التواصل مع موظفي الوكالة، بعد أن ينتظر الرقم الذي سيظهره بهدف السماح له بالدخول، لطرح قضيته وما يعانيه من مشكلات. تنتظر أم خالد ابنتها العائدة من رياض الأطفال “Kindergarten” بعد أن تكلمت اللغة الألمانية طول فترة الصباح مع أقرانها، وتجد الطفلة “لينا” صعوبة في معرفة بعض المفردات باللغة العربية لتوصلها لوالدتها، فتستعين باللغة الألمانية لشرحها. دون أن تعرف ما يقابلها بلغة أمها ولغتها الأم.

وتجد الكثير من العرب اللاجئين القدامى ممن يتحدثون مع أطفالهم لغة البلد المضيف فقط، دون إلمام من أطفالهم بلغة أجدادهم، أو حتى لم يتسنى لهم زيارة بلدان أبائهم. عداك عن حالات الزواج من ألمانيات بهدف الاندماج الذي يعني في أحد وجوهه عدم التفكير بالعودة لما يُسمى وطناً شامخاً وغالياً وعزيزاً. ما الذي سيقنع الطفل الذي تربى على ثقافة مغايرة بمحبة وطن لا يعرف عنه سوى أنه بلد الحروب والديكتاتورية وإرهاب الدولة والتطرّف. يولد الطفل ليسجل بدائرة قيد مدني قد تتدخل حتى باختيار اسمه ثم يذهب لرياض أطفال يلعب ما توفره الروضة من ألعاب وما تغرسه من قيم، تبدو في أغلبها إيجابية.

يتعلق بنمط التعليم في المدرسة ويُعجب بأساليبه وطرائقه وتقنياته، يكوّن في الجامعة علاقات صداقة وزمالة بكلا الجنسين، تتشكل لديه ثقافة الحرية والتحرر، فما الذي سيقنعه بثقافة لم يعد ينتمي لها. طبيعة الحياة في ألمانيا تفرض التفكير بالمستقبل فقط وتناسي الماضي إن لم يكن نسيانه، هذا سوف يقودك للتركيز على العمل والمادة والإقامة والتعليم وإن بقي لك متسع من وقت، فلا بأس من قسط من الراحة وإفساح المجال لعلاقات اجتماعية جوهرها الالتزام بالوقت وتبادل أطراف الحديث عن العمل أولاً وقبل كل شيء.

يسعى الشاب المخبري “محمد حاج علي” للعمل بأحد المشافي في مدينة شتوتغارت جنوبي ألمانيا، لكنه يتسائل عن أي انتماء قد يربطه بالوطن بل يزيد في الاستفسار عن ماهية هذا الوطن وما هي الروابط التي قد تخلق نوعاً من الارتباط به أو حتى التفكير بالعودة إليه. على الضفة الأخرى من الموضوع ومن المفارقة أن تجد من يتذمّر من صعوبة الاندماج في مجتمع مختلف عن مجتمعه في كثير من جوانبه، ليس إبتداءً باللغة وليس انتهاءً بساعات العمل ودقة مواعيده في بلد التقنيات والتكنولوجيا.

المعلمة نبيلة القادمة مع ابنتها من دمشق وتكبدوا مشقة الطريق وعذابات البحر ودفعوا أموال كثيرة في سبيل الوصول إلى ألمانيا، وبعد حصولهما على قرار الإقامة تدخل طفلتها ريتا المدرسة وتندمج إلى حد كبير وتكوّن صداقات جديدة وتتحدث الألمانية بطلاقة، فيما الأم المطلقة من زوجها والتي تعاني من صعوبة تعلم اللغة وإيجاد عمل يناسب وظيفتها السابقة، تفكر بالعودة إلى حي اليرموك في دمشق، ولكن الحي تسيطر عليه “داعش” ويتعرض للقصف من قوات النظام السوري.

لم يخلق المهجّرون السوريون أو يؤسسوا بعد منتديات ثقافية أو مراكز اجتماعية تعزز فكرة الاندماج أو تجذّر الأواصر المجتمعية وتعمقها لصالح الوطن الأم، كما نجحت في ذلك بعض الجاليات في مقدمتها التركية، هذا ما جعل كثير من السوريين يعيشون مشاعر تصل حد التناقض، فلا هم مندمجون ولا هم مواطنون سوريون ولا هم يحزنون.

شاهد أيضاً

ما سر ولع وتعلق (النمر) بشابين صغيرين ضعيفي البنية؟

  يشكل المدخل للحديث عن “آل الطبل” مثار حيرة لمن يتتبع سيرة هذه العائلة.. أيبدأ …