مصطفى تاج الدين الموسى: (عندما عثرتُ على أبي)

 

 

مصطفى تاج الدين الموسى – مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م

لا أعتقد أن أمي قد أحبت أبي، معها حق.. لم يكن وفياً لها لأكثر من ثلاثين عاماً.

خانها كثيراً مع عاهرات فقيرات، كان وفياً للحانات فقط.

رجل لديه ثروة من الشتائم، يجيد تصويب البصاق على وجه الرئيس في شاشة التلفاز، غادر قريته صغيراً، بعد أن نسي فيها روحه، ليعيش في عدة مدن لم يحبها ولم تحبه.

لم أشاهده كثيراً في طفولتي، تقاسمتْ حياته الحانات والسجن، كان يختفي لأيام، بعدها يجلبونه إلينا مخموراً مريضاً، ما إن يتعافى قليلاً، حتى يبصق على شاشة التلفاز خلال نشرة الأخبار، ثمّ يتشاجر مع أمي.. ويغادرنا فوراً إلى حانته البعيدة.

كنا ــ أنا وإخوتي ــ نتسلق الشباك ونلوح له، وأمي تبكي بصمت خلفنا، لم يكن ينتبه لتلويحات أيدينا الصغيرة، نداء الحانات كان يخطفه من كل شيء.

لا أحد في مدينتنا الصغيرة كان يزورنا، الناس تعرف أن قروياً بلكنة خشنة يعيش هنا ويشتم دائماً الرئيس، كانوا يتهامسون سراً: الله يحميه..

ذات مساء، وهو يشتم الرئيس ويتابع نشرة الأخبار، كعادتها، أسرعتْ أمي لتغلق شبابيكنا خوفاً، قالت له بأسى: تنتبه للفقراء في بيوت بعيدة ولا تنتبه لأطفالك هنا..

كانت تشير إلينا بساعدها، التفت وتأملنا، أعتقد.. كانت أول مرّة يشاهدنا، ومن الوارد جداً أنها المرّة الأخيرة.

لم أشاهده كثيراً في طفولتي، كنت أحياناً أهرب من المدرسة لأبحث عنه في شوارع السوق، بين ازدحام الناس، علّني أجده فأرجعه إلى البيت، وأنا أردد في سري (أريد أباً)

مرّة سمعتُ أحدهم يشتم الرئيس بصوت عالٍ في السوق، صرختُ في سري سعيداً: إنه أبي..

وأسرعتُ إلى ذلك الدكان، لم يكن أبي، كان بائع خضار، جاءتْ الشرطة واعتقلته.

خرج أبي بعد سنتين من السجن، لم يرجع إلى البيت فوراً، رجع إلى حانته ليشرب مع رفاقه، ونحن على الشبابيك، ننتظره دون أن نشعل ضوء بيتنا، حتى لا ينتبه المارة في شارعنا لنا.

ـــ لماذا لا تتزوج؟. تسألني كعادتها خالتي العجوز بغضب.

ـــ لا أستطيع أن أصير أباً قبل أن أعثر على أبي.

ـــ لكنه توفي منذ سنوات يا مجنون..

أحياناً، أهرب من عملي، الوغد أبو سليم.. مراقب الدوام، يضع إشارة على دفتر الموظفين جانب اسمي، اذهب إلى سوق المدينة، أمشي بصمت بين الناس، علّني أعثر على أبي وأرجعه للبيت.. أبي الذي توفي منذ سنوات.

منذ طفولتي اكتشفتُ أن بصاق أبي حقيقي أكثر من السيد الرئيس، دائماً.. كان السيد الرئيس يختفي عن شاشة التلفاز، ليظل عليها بصاق أبي.

عادة، يرتدي الرجال ثياباً أنيقة ليحصلوا على إعجاب النساء و شيء من الحب، أبي كان مفرطاً في أناقته، لكن.. أعتقد أن أمي لم تحبه طوال ثلاثين عاماً، معها حق، لم يكن وفياً لأحد.

بعد حصولي على الشهادة الإعدادية، ذهبتُ إلى جامع في حارتنا، لم أعرف أن أصلي بشكل جيد، نظرتُ إلى الأعلى وهمستُ برجاء: أريد أن يرجع أبي، تعبتُ من البحث عنه.. كلّ أصدقائي عندهم آباء، إلا أنا!! لماذا؟.

ومن بعدها، لا أبي رجع إلى البيت ولا أنا رجعتُ إلى الجامع.

أمي أحبته لأشهر قليلة قبل وفاته، أحبته كما لم تحب أحداً، أحبته أكثر من حب ألف حانة له.. آنذاك، صار أنيقاً أكثر، قبل وفاته بأشهر قليلة، عندما ارتدى السرطان.

شاهدته تواً، طار قلبي من الفرح في هذا الشارع، إنه هو أبي، كما كان خلال طفولتي، حوله ترقص شتائمه الجميلة، راقبته عن بعد، انتبه لوجودي، فلوح لي مبتسماً.

شاهدته بأم عيني، بين الناس وصراخهم العالي، شاهدته بعد ثوان قليلة من الرصاص الذي انهمر علينا وأصاب رأسي، في مظاهرة ضد الرئيس.   5+11+2017

شاهد أيضاً

ما سر ولع وتعلق (النمر) بشابين صغيرين ضعيفي البنية؟

  يشكل المدخل للحديث عن “آل الطبل” مثار حيرة لمن يتتبع سيرة هذه العائلة.. أيبدأ …