محمد صارم: القناص والشاعر

 

محمد صارم – مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م

رغم ويلاتها، تمنح الحروب شيئا من القيمة لمحاربيها، تتغنى بتضحيتهم ،بشجاعتهم، بدفاعهم عن القيمة المرجوة منها، يشفع لهم في ذلك تساوي فرص موتهم وقتل الآخر معا، غير أن القناص لا يتساوى في ذلك معهم، فما يملكه من صبر، ومن مهارة في التصويب يتبخر أمام الخسة الكامنة في تفاصيل وطبيعة قتله الغادرة لضحاياه.

تلك الطبيعة التي دفعت بالأدب والفنون إلى المحاذرة من تمجيد القناص، وخاصة في الحروب الأهلية، كما في رواية الأديب المقدوني”بلايز مينيفسكي” التي تحمل عنوان “القناص”، وهي رواية تكشف خلفية الحرب الأهلية في بلاده في حقبة ما، من خلال مونولوج ذاتي لقناص يواجه قناصا آخر.

ورغم الندية في الحكاية عبر حشد قناصين اثنين في مواجهة بعضهما، في ظرف حربي، إلا أن المونولوج الذاتي للقناص يبقى دفاعيا في الرواية، يحمل طابع التبرير لموقعه وأفعاله، تقول الشخصية : “أعانى من ضعف في الإبصار في عيني اليسرى هذا غريب، أليس كذلك؟ بالكاد أرى بها أزهار الربيع أمامي، الخلاصة، أنا لستُ أبدًا ما تصورته أنتَ عنى. أعرف أنك ككاتب تحب زخرفة الأمور وإضافة الكثير من التفاصيل الخيالية للحقائق. أنت محق في شيء واحد فقط، هو مهارتي العالية في التصويب. لم أفشل أبدًا في إصابة أي هدف محدد، ولذلك لا أريدك أن تقلق أبدًا. لن تخطئك رصاصتي. ستضربك في غمضة عين، بهدوء وسلاسة. بخفة، كما الفراشة. لن تشعر بشيء. أعتقد بأنك سترى ستارة حمراء تنزل أمام عينيك، يعقبها ظهور كلمة “النهاية”.

وهو هنا يفترق نسبيا عن منطق فيلم “قناص أمريكي” المستوحى من كتاب ألفه القناص نفسه، ويدعى”كريس كايل” الذي خدم ضمن الجيش الأمريكي في العراق وقتل ما يزيد عن 255 ضحية، واثأر عرضه موجة من النقد المعارض بناء على القيمة السلبية التي يحملها القناص.

يقول كايل: “أول عملية قتل كانت صعبة، ومن بعدها توالت العمليات”، ويضيف: “كان ذلك ممتعا جدًا”!.

لا شيء يشد القناص، ويثير اهتمامه كما تشده الحياة، وآثارها، فللقناص مهمة وحيدة تستوجب أن يترصد كل ما يتحرك، أن يلحظ انسدال ظل يسيل على حائط ما، أن يتابع اهتزاز حبل غسيل ليعرف الفارق بين أثر الريح واثر يد بشرية! تثيره تباينات النور والظلمة، يهجس بوجود كائن ما في المكان، يترقبه بدأب وعناية شديدين، ينتظر إفصاح المشهد عنه، كامنا في مربضه، كما لو أنه قطعة من المكان، أو كما لو أنه شاعر يعب المشهد بعينيه، محاذرا أن يخدش حتى الصمت، ربما لساعات طوال  لا يحرك سوى عينيه الذئبيتين.

ولعل مقاربة القناص بالشاعر مقاربة ظالمة لا يستوجبها سوى الاهتمام المشترك بالتفاصيل والقدرة على التقاط المتحرك فيها، واقتناص اللحظة العابرة، كلٌّ من زاويته ودوافعه الخاصة.

غير أن ما يجمع القناص مع الشاعر لا يتعدى صفة الشكل، فالانزواء عند الشاعر كمون لإعادة الخلق، وعند القناص كمون لسلب الحياة، والولع بمراقبة التفاصيل عند الشاعر تعبير عن وحدة الوجود، وعند القناص تعقيم لهذا الوجود من الحياة،  فالقناص يرصد الحياة لإلغائها، فكلّ ما يتحرك في المكان هو هدف منشود للقتل.

وحده القناص، خلافا لواقع الحرب الحديثة التي أعطت للمتحاربين ميزة القتل غير المنظور، لا يقتل إلا ما يراه، وحده القناص يقتل كل ما يراه، يلمح ضحاياه، يتفرس في ملامحهم، يختار مكان رصاصته في أجسادهم، يشهد لحظة سقوطهم ، كما يمكن له أن يتابع أنفاسهم الأخيرة، متلذذا بسادية عالية.

إطلالة القناص على المكان هي إطلالة من فوهة البندقية لا غير، فالمكان لا قيمة له بذاته، يمكن له أن يكون أي مكان آخر، لا فرق لديه، فلا شيء في المكان يسترعي انتباهه فيه، بوصفه مكانا، إلا بالقدر الذي يتيح له المزيد من الرؤية لإتمام عمليات القتل.

فيما إطلالة الشاعر هي استيلاد للحياة في المكان المنظور، واستنطاق لمبهماته، واستعادة للرحم أو الملاذ الآمن فيه، هي عملية  تناغم و اتحاد مع المطلق تتعدى المشهد المتاح للعينين ليصبح المكان كونا يفيض على ذاته بما فيه.

وبالعودة الى رواية القناص للكاتب”بلايز مينيفسكي” فإن أهم ما ورد على لسان شخصية القناص، هو مقولتها: “كان بإمكانى أن أقتلك منذ رأيتك. لكنني أؤمن بأن كل شخص يمتلك الحق في معرفة أنه موشك على الموت”.

فمنطق القناص في ذروة منطقيته لا يتعدى إعلام الضحية عن موعد موتها المحتم، وعن شخصية قاتلها، ولكن أهي منطقية فعلا؟ أم هي إشباع رغبة سادية تتلذذ في التقاط تلك اللحظة العابرة التي ترتسم على وجوه الضحايا بين برهتين، برهة إعلامها بموتها الأكيد، وبرهة اختراق الرصاصة لجسدها.

سيكون من العبث بمكان التوقف عند هذا الحق، وسؤال الضحايا: أترغبون في التمتع فيه حقا؟ أم تفضلون موتكم القادم من العدم؟ هكذا بغتة بلا انذار!.

لا يختار القناص ضحاياه، ولا يتوقف عند أسمائهم، ولا أعمارهم، ولا حتى مواقفهم السياسية، لا يتوقف عند المحاربين منهم، لا همّ له سوى قتل الحياة في الطرف الآخر، كل من يقطن هناك، كل من يظهر له منهم، يجب أن يموتوا.

إن الغوص في شخصية القناص يحيلنا بتلقائية شديدة الوضوح إلى الواقع السوري، فالحرب السورية ومنذ بدايتها كانت محكومة بعقلية القناص الذي أردى المتظاهرين العزل، هذا القناص الرابض في مكان خفي، يراهم ولا يرونه، ولا يرى فيهم سوى أهداف لأدوات موته.

كان الموت الأول في طلقات القناص ضد المتظاهرين تأديبيا، وتحذيريا، وتوسع لاحقا  ليصبح محكوما بعقلية القناص الشامل الذي يحمل الموت إلى الجميع برا وبحرا وجوا، ولا سبيل إلى الاختباء منه، كما في حالة القناص التقليدي.

إنه القناص الذي يهيمن على الجغرافيا السورية، يمارس مهمته بمزيد من المتعة مع ازدياد أعداد الضحايا، وفقا لمقولة القناص الامريكي “كايل”.

المقارنة بلا شك ظالمة بين الشاعر الذي يمجد الحياة ويقتنص جمالياتها، وبين القناص الذي يمجد الموت وينشر الخراب، ولكن ماذا عن الشاعر السوري الذي يمجد القناص!، ويتغنى به، ويكيل المدائح له، بعد أن مجد الحرية والمحبة طويلا، في زمن سابق، وأية مقارنة يستحقها هذا الشاعر؟. وأي فارق بينهما؟.

شاهد أيضاً

(إسرائيل) قد تغير سياستها تجاه «الأسد» لمواجهة إيران

إيكونوميست في الساعات الأولى من صباح 9 أبريل/نيسان، عبرت مقاتلات إسرائيلية إلى المجال الجوي اللبناني …