فاضل السباعي: «حفلة سمر في معتقل سياسي»

فاضل السباعي – مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م
كان من حقي أن أشعر بالدهشة لحظة أبلغوني أنهم يعتزمون إقامة “حفلة سمر” داخل ذلك المعتقل، الذي تكرّر دخولي إليه وإطلاقي منه على مدى عقود من سنين، وزاد في دهشتي أنْ سوف يكون في الحفلة غناءٌ وطرب مع الكلمات التي تُلقى، وأنني من بين المتكلمين، فوجدتها مناسَبة لأن أُفرِغ ما تجمّع في صدري من مشاعر وأفكار أراها جديرة بأن أُصرّح بها هناك ولو أدّى بي الأمر إلى أن… ثمّ لست أدري كيف نَجَم في عقلي أن أتصور أنّ هذا الاحتفال الغريب ما هو إلا لقاءٌ “تصالحيّ” بين الشعب والنظام، وسوف يُعقِبه إطلاق سراح الموجودين فيه من أندادي سجناء الرأي، فيكون ذلك هديةً يُقدّمونها للمواطنين في ذكرى الجلاء عن الوطن… وإلا لماذا دعوني، وهم يعرفون جيدا مواقفي المتطرفة من قضية الحرية، مواقف تبلغ أحيانا حدّ الاندفاع والجنون؟ لحظة توجّهتُ إلى هناك، بدأت عباراتُ “الخطبة”، التي اعتزم ارتجالها، تنثال في خاطري حتى كاد يصرخ بها لساني. وكان من غريب ما لاحظته إذ اقتربت من المعتقل أنْ أصبح له أبوابٌ خمسة ما يحاكي اسمَه “معتقل الخمس خمسات”، ورأيتها كلّها مفتّحةً على مصاريعها، والحرّاس، الجَلاوِزة، واقفون على جوانبها يتبادلون الأحاديث الهيّنة ويتضاحكون، وكأنهم على باب عرس! وأكثر من هذا رأيتهم، لحظة اكتحلت عيونهم بمرآي، يميل بعضهم على بعض يتسارّون، فإنّ منهم مَن يعرفني من خلال تردّدي على معتقلهم، إمّا زائرًا مكرّمًا منتميًا إلى منظمات حقوق الإنسان، أعاين وأشاهد وأُدوّن، وإمّا “محتضَنًا” منهم مُدَدًا كانت على الدوام قصيرة لمداخلات أمميّة في شأني… وهل يمكنني القول بأنّ بعضهم أقبلوا عليّ يصافحونني بأياديهم الملطّخة، وينحنون لي أيضا؟ فقلت في نفسي: إنّ هذا، والله العظيم، لشيء يقترب من أن يكون حلما! في الداخل… رأيت مَن اعتقدت أنهم المرشّحون لإطلاق السراح، أحبابي أبناء الفكر الواحد، يجلسون في ذلك الركن من القاعة. لباسٌ موحّد، بنطال أزرق وكنزة ناصعة البياض… ولكني لم أقرأ في وجوههم فرحَ المقبلين على إطلاق السراح! وفي ركن آخر رأيت أناسا أعرفهم جيدا، يوافقونني في الرأي، سرًّا وهمسا، إلا أن ما بيني وبينهم في الظاهر مختلف جدا، وحزرت أنهم جاؤوا بهم خطباء وداعمين لهذه الحفلة الاستثنائية! وجاشت في نفسي “نزعةُ الشَّغب”. اقتربت من أحدهم، أريد أن أُفضي إليه بما ترسّب عندي من قديم الرأي: «أفهم، يا “دكتور كريم كرامة”، أن تقول في حقهم قولا جميلا كلما عنّ لك أن تكتب في صحائفهم الملوّنة، ولكني لا أفهم لماذا تُطعّم مقالاتك في كلّ مرة بأبيات شعر تنظمها مادحًا، وأنا أعرف حقيقة رأيك فيهم!»، فأجابني مغمغمًا: «أنا… مضطرّ… لذلك!». وقبل أن أهمّ بتفنيد قوله رأيت الأديبة “مليحة ملايح” – التي كان بيني وبينها عُرى فكر، وكم ذا تداولنا الحديث عنهم، تُندّد هي بهم وتحرّضني على التنديد – قد غدت أمامي، ذكّرتُها: «نسيتِ، يا مليحة؟»، فأجابتني بحدّة: «لأ ما نسيت! كأنك تريد لي أن “تُهضَم” حقوقي، وأنت تعرف أنهم “باقون” إلى الأبد؟ وأنا أرغب في الاستمتاع بحقي في الحياة. هاهم أتاحوا لي فرصة أن أعطي دروسا في الجامعة، ونشروا مؤلفاتي في كلّ مكان!». ومنعني من الردّ أنّ صمتًا ساد المكان. صعد عريف الحفلة المنبر يفتتح. وكان أول المتكلمين الدكتور كريم كرامة الذي أخذ يُشيد بالنظام نثرًا وشعرا، عادة فيه لا يهجرها. وأغاظتني مليحة ملايح، التي لا تريد أن يفوتها، وهي تحت سقفهم، شيء من مُتَع الحياة! في الفاصل الغنائي ضجّ المكان بصوت المطرب “علي جاعور” يُنشد: «سْكود يوصل للعدو * يعيد الأرض الغاليه». بعضهم أخذهم الطرب فكأنهم حَرّروا، جعلوا يتمايلون، ومنهم من قام يُلوّح بذراعيه، وانعقدت هناك حلقةُ دَبْكة يُنشّطها مَن رفع بيده محرمة مضفورة… تساءلت: أهذا كلّه ابتهاجًا بإطلاق سراح معتقلين سياسيين! عندما طلبني العريف للكلام، وقفت أقول بحماسة يعرفها فيّ أصدقائي، منافحًا عن الحرية، مؤكدًا، للحاضرين وللغائبين، أنّ الإنسان هو قيمةٌ عليا، مُطلِقًا في ذلك سلسلة من التساؤلات المربكة: لماذا يُعتقل المطالبون بحقهم في الحرية، بحقهم في الحياة! لماذا يعذّبون نفسيّا وجسديا في أيدي جلاوزة غلاظ؟ لماذا لا يُقدَّمون إن كانوا فعلوا لمحاكمات عادلة؟ مَن الذي نصّب عليهم أولئك الذين فوق؟… تساؤلات بدأت ولم تنته… هل أسرفت؟ لم يصفّق لي أحد، حتى أولئك الذين تكلمت دفاعًا عنهم. وصعد العريف يشكر الخطباء، ورأيته يتوجّه إلى ذوي اللباس الموحّد، يتمنّى لهم أن يكونوا سَعِدوا بهذه الحفلة، ثمّ أوعز لهم بأن يعودوا إلى زنزاناتهم بهدوء! للحظة تملّكني ظنّ بأنّ عُدولا ما طرأ عن “إطلاق السراح” مردّه إلى ما أعلنت من انتصاري للقضية… وذلك ما جعلني أرفع صوتي، وأنا على أرض القاعة، عاليًا جدا: ــ هل كانت هذه هي حفلة إطلاق سراح، أم مسرحية هزليّة؟ تقدّم مني عريف الحفلة ليقول لي بأدب جمّ: ــ لم يقل أحد إنها حفلة إطلاق سراح، يا سيدي! ــ فلماذا دعوتموني إذن؟ قال مبتسمًا: ــ حتى يكون للحفلة “نكهة”! ولحظة ترامت إليّ ضحكات ممّن حولي، دار في خاطري، أني إمّا معتقل من فوري، وإمّا أني في حلم من أحلامي البائسة! وتواريت بين المنصرفين، أطلب بابًا من أبوابه الخمسة. وراء الباب الذي دخلت منه، كان هناك جُلْواز طويل عريض، تَجول عيناه بين العابرين. توقفت العينان عندي. مدّ يده نحوي أنْ أنت أنت! ثمّ أشار لي – دون أن ينطق – بأن أعود إلى الداخل! توجّهت إلى باب آخر، فرأيت جلوازا يُشبهه. تلقّيت منه الإشارة ذاتها… فذهبت إلى الباب الثالث. مسحت الأبواب الخمسة… حتى أدركت أني منذ الليلة نزيلٌ في معتقلهم… للمرة… السادسة عشرة. دفعوني إلى واحد من تلك المهاجع. “قاووش” يضمّ معتقلين، قد استبدلوا باللباس الأنيق ملابس السجناء، متلاصقين بعضهم ببعض، متلازّين، يرقدون على جانب واحد، فوق بطانيّات لم ترَ عينٌ أشدّ منها قذارة. رحّبوا بي قليل من الكلمات، وازدادوا تلاصقًا ليُتيحوا لي حيّزًا أوسع. وما إن أغمضتُ عيني هناك، حتى وجدتني في سريري هنا… أصحو من حلم ما زال يعاودني في كثير من لياليّ الكئيبة.
 

شاهد أيضاً

ما سر ولع وتعلق (النمر) بشابين صغيرين ضعيفي البنية؟

  يشكل المدخل للحديث عن “آل الطبل” مثار حيرة لمن يتتبع سيرة هذه العائلة.. أيبدأ …