باسل الحمصي: أكرم الحوراني الوطني الإشكالي حاله حال الآخرين

باسل الحمصي – مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م
كتب الأستاذ مفيد نجم يصف السياسي السوري أكرم الحوراني بأنه الإقطاعي الأحمر، صانع الانقلابات والحكومات، العسكري في ثياب مدنية، الاشتراكي العلماني في المدينة السورية الأكثر محافظة… صفات كثيرة أسبغت على أكثر شخصية إشكالية في الحياة السياسية السورية، هي شخصية أكرم الحوراني، الذي يعد من أهم الشخصيات السياسية التي ساهمت في صنع تاريخ سوريا الحديث.

لم يكن الاختلاف في المواقف من شخصية أكرم الحوراني، والدور الهام الذي لعبه في الحياة السياسية السورية، وليد دوافع ذاتية ترتبط بالقرب والبعد عن هذه الشخصية، بقدر ما كان مرتبطا بصراع القوى المهيمنة على المشهد السياسي بفرعيها التقليدي والعسكري، وعلاقتها به، أو بالدور الذي لعبه الحوراني على صعيد الحياة السياسية المضطربة والمتبدلة بين انقلاب وآخر. لكن خصومه من انقلابيي البعث عام 1963 كانوا من أكثر الذين عملوا على تشويه شخصيته وتاريخه السياسي على الرغم من أنهم ينحدرون من فلاحي الريف، الذين طالما ناضل وبقوة من أجل تحررهم من الإقطاع.

يوصف الحوراني بأنه صانع الانقلابات والرؤساء والحكومات على مدى أكثر من عشرين عاما (1949- 1963) ما جعل منه واحدا من أهم الشخصيات السياسية، التي لعبت دورا أساسيا في صنع أحداث تاريخ سوريا الحديث. لكنه كان من أهم ضحاياها الذين أطاحت بهم، وقضت وبصورة نهائية على مستقبلهم السياسي، وحالت حتى دون أن يدفن في وطنه بعد موته في عمان عام 1996.

إشكالية هذه الشخصية لا تنبع من هذا التحول الدرامي في حياتها السياسية وفي المواقف التي كانت تتخذها، بل من جملة الصفات والخصائص التي تمتعت بها، ومن الغموض الذي لفّ دورها الذي لعبته في تلك المرحلة، وكذلك من المواقف المتناقضة التي وقفها رجال تلك المرحلة السياسية الموّارة والمتقلبة منه، والنعوت المختلفة التي نعتوه بها والاتهامات التي أتهموه بها. 

وهكذا تكونت إشكالية هذه الشخصية، من داخل هذا المجال الذي عاش فيه، ومن النفوذ الواسع والخطير الذي كان يتمتع به داخل صفوف الجيش، إضافة إلى السياق الذي تطرح فيه مواقفه المختلفة التي تميزت بالتقلب والتناقض، ومن علاقاتها بالأحداث البارزة التي شهدتها تلك المرحلة، أو ساهمت في صنعها بصورة مباشرة.

عسكري بثياب مدنية

هذه الشخصية الحقوقية المدنية التي تولت وزارة الدفاع، في حكومة خالد العظم عام 1949، بعد أن كانت قد تولت وزارة الزراعة لأول مرة، سرعان ما استقالت من تلك الوزارة في عهد أديب الشيشكلي، لكن تأثيرها في صفوف المؤسسة العسكرية السورية وشبكة علاقتها الوثيقة، التي استطاعت أن تقيمها مع الضباط وقادة الوحدات العسكرية في تلك المرحلة، جعلها الأكثر تأثيرا في حركة الانقلابات المتتالية التي عرفتها سوريا ما بين انقلاب حسني الزعيم 1949، وانقلاب البعث 1963 الذي قامت به اللجنة العسكرية المؤلفة من إثني عشر ضابطا بزعامة اللواء محمد عمران والمقدم صلاح جديد، بالتحالف مع مجموعة من الضباط الناصريين والمستقلين، والذي انتهى باستفراد الضباط البعثيين بالسلطة بعد تصفية شركائهم الآخرين في الانقلاب بعد شهور قليلة من نجاحه.

أيد الحوراني انقلاب حسني الزعيم ثم وقف ضده، وكان في انقلاب سامي الحناوي قد عين وزيرا ثم نجح نائبا بالتزوير، ثم وقف ضده، وكذلك فعل مع انقلاب الشيشكلي

خطورة هذا الدور الذي لعبه الحوراني تأتي من مسألتين اثنتين، تمثلت الأولى في الدور الذي لعبه في إنشاء جهاز مخابرات الجيش، في حين تمثلت المسألة الثانية في العمل إلى جانب قادة البعث في تسييس الجيش، بعد أن كان قد دفع بشباب فلاحي ريف حماة، لاسيما شباب الطائفة العلوية للانتساب إلى صفوف الجيش السوري. 

وكانت لعلاقته الوثيقة مع بعض ضباط الجيش وفي مقدمتهم العقيد عدنان المالكي وقريبه العقيد أديب الشيشكلي دور في تعزيز قوة نفوذه داخل صفوف المؤسسة العسكرية.

حماة مسقط رأس الحوراني

ينحدر الحوراني الذي ولد في عام 1911 من أسرة حموية، كان يعمل والده تاجرا للأقمشة وملاكا صغيرا للأراضي. لذلك كان أول عمل قام به الحوراني هو توزيع القرى الأربع التي كان يملكها والده على الفلاحين، مما أكسبه شعبية واسعة في صفوف الفلاحين، تجلت في الحشد الفلاحي الكبير الذي حضر المؤتمر الفلاحي الأول في حلب. 

درس المرحلة الثانوية في مدرسة مكتب عنبر بدمشق، والتي تخرج منها عدد من الشخصيات الوطنية السورية. خلال تلك الفترة قاد الحوراني المظاهرات الطلابية ضد الاحتلال الفرنسي. درس الطب لمدة عام في الجامعة اليسوعية ببيروت ثم ترك الجامعة ليتابع دراسته للحقوق في معهد الحقوق بجامعة دمشق. انتسب في مرحلة شبابه إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي عام 1936 وعين في منصب منفذ عام حماة. 

لكنه بعد ثلاثة أعوام وعلى إثر خلافات مع قيادة الحزب حول مسألة العروبة فصل من الحزب، فقام مع قريبه عثمان الحوراني بإنشاء حزب الشباب. الحوراني يذكر في كتاب مذكراته أنه كان يتطلع في صغره إلى أن يكون ضابطا في الجيش، وربما يكون ذلك من الأسباب التي جعلته على علاقة قوية وواسعة بقيادات الجيش وذا تأثير واسع في صفوفها. عرف عنه حماسه العروبي، فشارك في ثورة رشيد علي الكيلاني في العراق عام 1941 ضد الإنكليز مع مجموعة من الشباب. كما قاد مجموعة تتألف من 300 من المتطوعين، وقاتل ببسالة في معارك فلسطين ضد العصابات الصهيونية.

اللجنة العسكرية التي قادت انقلاب 8 مارس 1963، هي مجموعة بعثية من نفس حزب الحوراني، ولكنها سارعت بعد نجاح الانقلاب إلى اعتقاله

الحزب الاشتراكي العربي

في عام 1950 أنشأ الحزب العربي الاشتراكي الذي انضم إليه الكثير من الفلاحين المناصرين له، لكنه اندمج بعد عام 1952 مع حزب البعث العربي الذي كان يقوده ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، فسمي على إثرها بحزب البعث العربي الاشتراكي. يذهب البعض إلى أن أكرم الحوراني الشخصية الاشتراكية المعادية للإقطاع، هي من أدخلت الأفكار الاشتراكية إلى فكر حزب البعث، في حين تنفي رزان ميشيل عفلق في حوار نشر معها ذلك، وتؤكد أن الفكر القومي الاشتراكي كان موجودا في المبادئ النظرية للحزب منذ تأسيسه. لم ينحصر دور الإقطاعي( الأحمر) في توزيع أملاكه من الأراضي على الفلاحين، بل قاد انتفاضة الفلاحين في ريف حماة ضد الإقطاع مما أمَّن له فرصة الفوز بعضوية المجلس النيابي لدورات متعددة 1934 و1947 و1949 انتخب بعدها في عام 1957 رئيسا للمجلس النيابي. وكان أصغر نائب يدخل البرلمان. خلال وجوده في المجلس لم يتوقف عن النضال من أجل إصدار التشريعات التي تخدم حقوق الفلاحين، حتى جاءت الوحدة السورية- المصرية عام 1958 فصدر أول قانون للإصلاح الزراعي، الذي تضمن تحديد الملكية وتوزيع الأراضي على الفلاحين.

صانع الانقلابات

من خلال قراءة مذكرات العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية التي ساهمت في صنع أحداث تلك المرحلة نجد تباينا كبيرا من هذه المسألة، كما نجد تباينا كبيرا في وصف شخصيته التي يشن البعض منهم هجوما كبيرا عليها، أمثال الضابط محمد معروف في كتابه أيام عشتها، حيث يتهمه بأنه شخصية حاقدة وقليلة الوفاء وشديدة التقلب، وبأنه سبب الانقلابات في سوريا “لقد كان الحوراني في انقلاب حسني الزعيم ومعه ثم وقف ضده. وكان في انقلاب سامي الحناوي قد عين وزيرا ثم نجح نائبا بالتزوير، ثم وقف ضده. وكان مع انقلاب الشيشكلي ومعه ثم انقلب عليه. وكان من أنصار الوحدة وعبد الناصر ثم انقلب عليهما معا، ثم كان مع الانفصال ولوطال الزمن لفكر في الانقلاب عليه”. ويذكر البعض، ولكن من باب الشبهة وتقدير الصوت، أن أكرم الحوراني هو من كان يقوم بإذاعة جميع البيانات العسكرية التي كانت تذاع عند حدوث الانقلاب.

ولد أكرم الحوراني في حماة لأسرة إقطاعية ولكنه سرعان ما وزع تركة والده على الفلاحين الفقراء

وعلى خلاف ما يذكره محمد معروف وآخرون حول مسؤولية أكرم الحوراني عن سلسلة الانقلابات العسكرية المتتالية، التي شهدتها سوريا في نهاية الأربعينات وبداية خمسينات القرن الماضي، يذهب آخرون إلى القول بعكس الرأي السابق معتبرين أن علاقة الحوراني الوثيقة مع ضباط الجيش، هي التي أسهمت في إفشال انقلاب كل من حسني الزعيم وسامي الحناوي وأديب الشيشكلي، الذي انقلب عليه قريب الحوراني مصطفى حمدون، وعمل على إعادة الحياة البرلمانية إلى سوريا، لأن الحوراني كان من أكثر الداعين إلى عودة الحياة البرلمانية.

ولاشك أن الحوراني كان يتمتع بنفوذ وعلاقات قوية مع ضباط الجيش جعلت منه الرقم الصعب في المعادلة السياسية السورية. ويمكن لأي قارئ في تاريخ تلك الحقبة أن يلحظ أن اللجنة العسكرية التي خططت وقادت انقلاب الثامن من مارس عام 1963، وهي مجموعة بعثية من نفس الحزب الذي كان ينتمي إليه أكرم الحوراني، قد استبعدت من صفوفها وبصورة مطلقة أي دور أو معرفة للحوراني بما تخطط له، بل سارعت بعد نجاح الانقلاب إلى اعتقاله مدة قصيرة، ثم أجبرته على مغادرة سوريا، ولم تسمح له بالعودة حتى بعد مماته في الأردن عام 1996. 

وبقدر ما يعكس هذا الموقف تخوفا كبيرا من وجوده، وما يتمتع به من نفوذ وتأثير في الحياة السياسية، فإنه يدلل من جهة أخرى على أن الحوراني لم يكن يتمتع بتلك السطوة والنفوذ داخل المؤسسة العسكرية، وإلا لماذا حدث الانقلاب دون أن يكون له أي علم به، علما بأن المجموعة الانقلابية كانت تتألف من ناصريين ومستقلين، إلى جانب اللجنة العسكرية البعثية. لقد سارعت هذه اللجنة إلى الإطاحة بجميع رموز الحياة السياسية والعسكرية المعروفة في سوريا، بما في ذلك القيادة التقليدية لحزب البعث نفسها في انقلاب 1966، بهدف تأمين واقع سياسي تستطيع السيطرة عليه والتحكم به، ورغم ذلك فقد انقلب حافظ الأسد على هذه المجموعة بعد صراع محتدم بين أجنحتها، ولجأ إلى نفس الأسلوب الذي اتبعه مع مجموعته بعد انقلاب 1963 وهو القضاء على جميع خصومه إما من خلال سجنهم حتى الموت، أو بتشريدهم والإتيان برموز سياسية من الصف الثالث والرابع، يسهل عليه السيطرة عليهم وتطويعهم.

الموقف من الوحدة

يدلل العديد من خصوم الحوراني على تقلب هذه الشخصية بموقفها من الوحدة السورية- المصرية، فقد كان في البداية من أكثر الداعمين والمؤيدين لها، مما جعله يتسلم منصب نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة عن الإقليم السوري، ثم تحول بعد عامين إلى أحد خصومها، إذ لم ينتظر طويلا حتى يعلن موقفه المعارض لها، عندما استقال من هذا المنصب عام 1959، وهرب إلى لبنان ليبدأ من هناك بشن هجوم عنيف عليها، وعلى ممارسات القيادة الناصرية في سوريا، التي عدها بمثابة استعمار مصري لسوريا. الملفت إلى النظر أن حافظ الأسد منع جثمان أكرم الحوراني من دخول سوريا لدفنه في مدينته حماة، لكي يطوي النسيان نهائيا هذه الشخصية، ويطوي معها تلك المرحلة الوطنية، وإن كان هذا الموقف لا يخلو من بعد رمزي يكشف عن محاولة هذا النظام تحقيق القطيعة التامة مع هذا التاريخ الوطني ورموزه، لكي يطوب الحياة السياسية السورية لمجده، خاصة وأن كاريزما الحوراني عند الكثيرين من فلاحي ريف حماة وجزء منهم من أبناء طائفته مازالت حاضرة. لذلك لم يشأ أن يوقظ بعودته، ولو ميتا، ما عمل على دفنه من تاريخ سوريا الوطني والإيحاء للسوريين بأن سوريا ولدت معه، وأن السياسة السورية لم تظهر إلا معه.

شاهد أيضاً

الحرب السورية.. واختيار الضربات الجوية

كارلا مارتينز ماكين وسوزان حنا ألين- الاتحاد  عقب تغريدته يوم الحادي عشر من أبريل بأن …