بسام سفر: العرض المسرحي” المنتحر” رسائل مجتمعية وسياسية للسلطة أينما كانت

1

 

بسام سفر – مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م

يشتبك الواقع المسرحي السوري بالحضور السياسي والاجتماعي والجمالي في العرض المسرحي (المنتحر) للكاتب الروسي نيكولاي ايردمن, وإخراج الدكتور سمير عثمان الباش من خلال طلاب مدرسة الفن الذين درسوا فيها لمدة عامين دراسيين ليقدموا عبر وزارة الثقافة السورية, ومديرية المسارح والموسيقا, والمسرح القومي عرض تخرجهم كممثلين على طريق الاحتراف في الوطن السوري في مناطق سيطرة النظام .

يتعاطى عرض (المنتحر) مع الواقع المعاشي للوضع السوفييتي على انه قابل للتغيير, رغم خضوعه لسلطة مسيطرة وسائدة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً, فالعلاقة بين الخطاب المسرحي الذي كان سائداً في عهد السلطة السوفييتية، ومابين المجتمع تتعدى الحالة التي كانت قائمة إلى دعوة لتغيير هذا الواقع عبر توجيه خطاب مجتمعي إلى سلطة بعيدة كل البعد عن هذا الواقع حيث نجد تعبيرات هذا المجتمع تحاول إيصال رسالة واضحة عن بعد هذه السلطة عن هذا المجتمع, وهي رسالة سياسية بامتياز عن( الواقع السوري في مناطق سيطرة النظام السوري).

حكاية المنتحر : تبدأ حكاية العرض المسرحي (المنتحر) من حضور شخصية سيمونو فيتش ( عبد الله وفائي) الذي يدعي انه سينتحر نتيجة عدم وجود عمل له, ورغبته في العمل لكي يستمر في الحياة, وذلك بوجود زوجته(تانيا أبو عسلي – ماريا لوكيانوفنا ), وحماته(يزن دخل الله – سيرافيما ايلينيتشنا), وفي المحيط الضيق للأسرة والجار الذي يعمل مسؤولا حزبيا في المنطقة , والذي يقيم علاقة مع عاهرة تقيم معه في ذات المنزل.

فعندما تطلب الزوجة منه المساعدة في اكتشاف محاولة الانتحار الأولى في الحمام نجد العاهرة تمنع المسؤول من الاقتراب من الزوجة, ولا نجد المنتحر في الحمام بل في المطبخ يبحث عن بقايا الطعام.

أن المجتمع الروسي في زمن السلطة السوفيتية يتعامل مع النوايا المعلنة وكأنها وقائع تسير على الأرض حيث شخصيات وفعاليات هذا المجتمع تتوافد إلى(المنتحر)لتبلغه رسائل احتجاجها على السلطة.

فالانتلجسيا السوفيتية ترسل ممثلها(غيث الأدهمي – يغورتيموفيفيتش) إلى المنتحر وتحمله رسالتها إلى السلطة السوفيتية أنها أصبحت الانتلجنسيا خارج إطار الفعل السياسي والمجتمعي بفضل هذه السلطة.

وتغييب الحالة المجتمعية ودورها, وبالتالي تغييب دور الانتلجنسيا في كل ما يخص شؤون المجتمع.

وبعد الانتلجنسيا تتقدم الكنيسة الروسية من خلال شخصية الأب(يزن مرتجى – الأب يلبيدي), عندما يطلبه في إخبار السلطة السوفيتية بأنه كأب مسيحي يطلبها بفتح مزيد من الكنائس وتقديم العظات إلى المتدينين الروس عبر زيادة عدد الساعات التي تفتح بها الكنائس في الأراضي السوفيتية, وتنضم إليهما في تحميل(المنتحر) رسائل جديدة إلى السلطة السوفيتية ممثلة المرأة في المجتمع الروسي اذ تعد حضورها في المجتمع والسلطة ديكوراً مبروزاً على حائط هذه السلطة, ورسالتها تحث السلطة على عطائها دور حقيقي وواقعي يعزز من دور المرأة في المجتمع والسلطة, وليس تأبيد الذكورية في السلطة والمجتمع, ويشارك في الاحتجاج على الواقع السوفييتي ممثلة البروليتاريا في النقابة من خلال التأكيد على أن البروليتاريا هي العنصر المنتج الأول في البلاد رغم ذلك وضعها المعاشي في أسوء الأوضاع، كل الفئات المجتمعية تتقدم نحو(المنتحر) لتحمله رسائلها إلى القيادة السوفيتية عله يعرضها عليها وتستجيب, وبذلك يتحول من شخصية منبوذة اجتماعياً إلى شخصية محبوبة تدعى كل يوم إلى مكان ما تقام فيه العزائم وتقدم فيه المأكولات الطيبة والمشروبات الكحولية خصيصا الفودكا, وتحدد مواعيد الانتحار, وتمدد هذه المواعيد, ويعاني(المنتحر) من السكر في الليل وساعات الصباح الأولى ليعود إلى وضعه الطبيعي بعد ساعات الظهر, ويتم التحضير للزيارات الرسمية وغير الرسمية إليه كمندوب لنقل الرسائل إلى السلطة, بينما زوجته تستفيد من هذه الحالة وجيرانه حيث غدا المسؤول الحزبي مديراً لأعماله في حضور الحفلات الليلية, وتصبح عملية الانتحار مادة تجارية خاصة بالمنتحر, في حين ينقل(يغور) ممثل الانتلجنسيا إن هناك شاعراً في البلدة أعلن  انه سوف ينتحر, ولا يهتم احد من هؤلاء لهذا الإعلان, ويتابع الجميع اهتمامهم بالمنتحر والسهرات الجماعية الوداعية له, لكن ضمن هذا تفتح بوابة النقاش للماركسية وماركس وللمثقفين الثوريين حيث يعرض(يغور)، أن البلد السوفييتي في الطريق إلى الاشتراكية, وعند وصوله إلى الاشتراكية أي طريق سوف يسلك, طريق بوشكين أو طريق تولوستوي, ليرفع بعد ذلك نخب الكتلة الجماهيرية, ويتحول الحديث إلى الحياة الآخرة بعد الموت, ومصانع الثورة الشعبية في عموم البلاد السوفييتية, وكيف تنجب الدجاجة عدد كبير من فراخ البط الذي لا يطير وإنما يسير لتساهم في الثورة الشعبية, لكن دعوات مشهد الانتحار وأكاليل الورد من كل فئات المجتمع الداعمة للانتحار تجعل من هذا الانتحار فعل مجتمعي, ويصبح المنتحر بطلاً شعبياً سوفييتياً.

ليكتشف المتلقي المسرحي إن هذه الشخصية كم هي جبانة من الداخل, وانتهازية بالفعل الحياتي, غرضها الأساسي الاستمرار في الحياة على حساب الفئات الاجتماعية التي دفعتها إلى الواجهة المجتمعية لتنقل رسائل من داخل المجتمع الروسي.

مقاربات سورية:

عمل الفريق الإخراجي على مقاربة الوضع عبر تسليط الضوء على الأوضاع الاجتماعية للشرائح الطبقية خصيصاً الأسرة والمرأة كحالة مجتمعية, فالمنتحر العاطل عن العمل في مسار الأسرة السورية يقارب الكثير من العاطلين عن العمل في حياة الأسرة السورية من خلال شبكة العلاقات الخاصة بهذه الأسرة التي ارتسمت ملامحها على منصة مسرح الحمراء بدمشق, فالممثل عبد الله وفائي مع زوجته يعيدون رسم ملامح الحياة الطبقية للشرائح الدنيا من الحالة المجتمعية لدى الأسر السورية من خلال عدم وجود قدرة شرائية لدى هذه الأسرة, والاحتفاظ بالكثير من الأغراض المنزلية “الممسرحة” في تابوت الانتحار الذي حمله الممثلون في جولتهم في البلدة, ومع استمرار عرض التابوت الذي يوضع فيه المنتحر, وهو يجمع أغراضه الشخصية بالإضافة إلى التبرعات التي وضعت في قلب التابوت نجد حالة الفرح التي تعيشها الأسرة خصيصا.

إن مقاربات حفلة الوداع في المقهى للمنتحر توضح اقتراب العادات والتقاليد في حالات الوداع و كأنها تجري في نادي سوري من أكثر من زاوية, احتساء الشراب المسكر, ورفع الإنجاب, و الإلحاح الإنساني على الاحتفاظ بالذكريات لجزء من حالة الفرح والحزن الإنساني المقيم في الإنسان الشرقي, وهذا ما يؤكد أن الطبيعة الإنسانية تتقارب في العديد من الحالات الحياتية بعيدا عن الزمان و المكان, وإنما تبقى جوهر إنساني.

الأداء والإخراج :

رغم كثافة عدد الممثلين على منصة مسرح الحمراء بدمشق إلا أن هؤلاء الممثلين لعبوا  أدوارهم الجماعية بأسلوب جيد, لكن طبيعة النص المسرحي لم تسمح بالكثير من ظهورهم بشكل فردي يغني حضورهم على المسرح كممثلين يقدمون ذواتهم لأول مرة في عرض مسرحي يحمل بصماتهم التمثيلية إلى سوق العمل التمثيلي في سوريا, لكن رغم ذلك نستطيع الإشارة إلى أن الممثل غيث الأدهمي حظي بحضور أعلى من زملائه مما أفسح المجال للتعبير عن دوره بطريقة أفضل من غيره من زملائه, وكذلك الأمر للشاب عبد الله وفائي, وتجدر الإشارة إلى يزن دخل الله الذي لعب دور الحماية فظهرت رهافة الحضور كامرأة كبيرة في السن ذات نكتة حاضرة .

يظهر جليا الأسلوب الكلاسيكي الروسي في الإخراج حتى من زاوية أسلوب العرض حيث استغرق العرض مدة ساعتان و عشرون دقيقة تخللها استراحة عشر دقائق في العام 2017, و هذا نادراً ما يحصل على المسارح السورية منذ سنوات, فطول مدة العرض أتاح للكثير المغادرة فيها, وهو ما يمكن أن يؤشر على كلاسيكية عرض”المنتحر” حتى القالب الإخراجي.

أخيراً إن عرض المنتحر لمدرسة الفن على منصة مسرح الحمراء بدمشق يستحق المشاهدة في زمن بات الانتحار سمة من سمات العصر الحديث.

(Visited 1 times, 1 visits today)

Comments are closed.