إبراهيم الجبين: سوريا و”البيئة الجديدة” ما بعد جنيف

 

إبراهيم الجبين- مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م

يتصور كثيرون أن ما سيحدث في جنيف، جولة إثر جولة، ما بين النظام السوري وممثلين عن المعارضة السورية من مفاوضات سيكون منغطفاً هاماً حقا، وسيترتب عليه مصير الثورة السورية النهائي. ولكن هذا غير صحيح. ولا يجب أن ينطلي على أحد.

دعونا نفكر بأسوأ الاحتمالات أولاً ثم نفكر بالاقل سوءا، إن احتجنا إلى ذلك.  السيناريو المرسوم من قبل الروس والإيرانيين ورجلهم بشار الأسد، يطمح إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية ما بين النظام والمعارضة التي ستوقّع معه في جنيف، تضمن استمرار الأسد فترة رئاسية قادمة أو بعضاً منها حتى العام 2021 ثم يخلق الله ما لا يعلمه أحد. وحتى ذلك الحين سيتمكن الأسد من إعادة بسط سلطته على الدولة والمجتمع من جديد ونكون قد طوينا صفحة الربيع العربي ونسيت الناس عادة التظاهر والاحتجاج السلمي التي تفشت مثل عدوى.هل هذا صحيح؟

نعم. هذا ما يريده الروس والإيرانيون وأقصى ما يحلم به الأسد. ولكن هذا إن وقع، فستكون له الانعكاسات التالية وهي انعكاسات قوية لا يمكن لأحد ردها أو التحكم بها.أولاً سيجري خلق بيئة جديدة للصراع، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، وهذه البيئة لن تكون مشابهة لما قبل العام 2011 ولا للوضع الحالي، لكن أهم ما يميزها أنها بيئة مكشوفة لا يمكن إخفاء شيء فيها كما كان يحصل من قبل.

البيئة الجديدة ستكون نهاية الحرب، وبالتالي سيجري تطبيق قوانين السلم فيها، وهذه القوانين تحت مرأى العالم لن تسمح بالممارسات التي أشعل بشار الأسد الحرب من أجل أن يقوم بها، سواْ تدمير المدن أو الاستمرار بالاحتفاظ بالمعتقلين أو كل تلك المظاهر التي أنشأ هو بيئة الحرب من أجلها.

أولى متغيرات تلك البيئة الجديدة ستكون تحول جانب كبير (ربما) من الطبقة المعارضة الحالية إلى جزء من النظام الجديد. وهذا سيعني تخلص الثورة السورية من عبء كبير معطل لطالما ساهم في تأخير وعرقلة تقدمها وتطوير خطابها، وإدراك الفارق ما بين مبادئ الثورة من حيث هي مبادئ الشعب، ومبادئ اللعبة السياسية من حيث لعبة كسب لا لعبة خسارة. طبقة انتهازية سياسية لا تكاد تميز ما بين التلاعب بالخصم والتلاعب بالعمق الحليف.

وقد رأينا هذا في التنافس الشرس على تصدر المشهد، بحسن نية وبسوء نية على حد سواء، بهدف الحلول في مقعد مواز لمقعد بشار الجعفري. وهو أمر لا يعد إنجازاً بأي صورة، فالبروتوكول لن يمنح لنظراء الجعفري وأعضاء وفده فرصة تولي حقائب ذات قيمة أكبر.

توقف جميع الممارسات

البيئة الجديدة ستخلق خشبة مسرح سياسي بالضرورة، فلن يصبح بالإمكان الاستمرار في توجيه الاتهامات بالإرهاب لكل من يخالف الأسد وجمهوره في الرأي والرؤية. وهنا ستنشأ البوابة التي ستعود من خلالها الثورة السورية إلى ممارسة نضالها السلمي من جديد وفي كل ساحة وشارع.

دولياً سيقع على عاتق الدول التي ضمنت اتفاق إنهاء الحرب، أن تكبل يدي الأسد عن القيام بكل ما كان متاحاً من قبل، كمنع السوريين من التظاهر أو إطلاق النار عليهم، أو تلفيق التهم لهم، فالمناخ السوري قد انكشف الآن تماماً ولم يعد يمكن تزوير أية حقائق فيه، بهذه الوسيلة أو تلك. الإقليم سيشهد بدوره تحولات كبيرة، فلا يمكن لأي دولة احتضنت اللاجئين السوريين مثل تركيا أو لبنان، التعامل بغير حذر شديد مع البيئة الجديدة، مراعاة لما يمكن أن يحدث على أراضيها. ولذلك ستعمد تلك الدول على الحصول على ضمانات أو حتى على الحق بتطبيق تلك الضمانات بنفسها داخل سوريا، للتماشي مع مرحلد ما بعد الحرب.

التاريخ يتحرك

بالإضافة إلى ذلك سيبدأ طور مختلف وجديد من  التحولات في الداخل السوري بالنشوء، على المستوى الاقتصادي والإعلامي والثقافي والاجتماعي، وما يعتقد نظام الأسد أنه سيكون انتصاراً له، لن يكون سوى مأزق كبير لن يتمكن من النجاة منه.

وجدير بالقول اليوم، إن فكرة الربيع العربي ومطالبة الشعوب بالحريات والكرامة والحياة الطبيعية ليست فكرة إنشائية ولا هي مؤامرة كما يخيل للبعض، إنما هي حركة التاريخ التي لابد أن تقع، ولا يمكن لمن يرفضها إلا أن يؤخرها قليلاً، لكنه لن يتمكن من منع حدوثها.

كنت قد أشرت، في غير مكان قبل أيام، إلى أن من أراد أن يعرف كيف يجب أن يتصرف السوريون اليوم مع “النازي” بشار الأسد، عليه أن يعود ويطلع على موقف وينستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الذي رفض رفضاً قاطعاً التفاوض مع هتلر أو الاستسلام له، رغم الضغط الشديد عليه من وزرائه وحزبه ومعارضيه، بينما كانت قوات هتلر توشك أن تعبر البحر لاحتلال الجزيرة البريطانية. لكن تشرشل اختار المبدأ وصمد حتى رفع شارة النصر، وكان يقول “لاتوجد ضمانات في حماية الأوطان. الضمان هو نحن، أنا وأنتم” ويتذرع البعض أنه لولا التدخل الأميركي في الحرب العالميد الثانية لتم غزو بريطانيا بالفعل، لكن هؤلاء لم يطلعوا على التاريخ جيداً. ففي تلك اللحظات الصعبة، كان تشرشل يتوسل الدعم من الرئيس الاميركي، ولكن الأخير لم يكن يوافق حتى على تسليم البوارج التي اشترتها بريطانيا من أميركا. بذريعة التزام واشنطن باتفاقية الحياد. بل إنه عرض على تشرتشل أن تقدم أميركا بضعة خيول لمواجهة الجيش النازي، وذلك بتهريبها عبر الحدود الكندية!.

اللحظات القادمة ما بعد أسوأ الاحتمالات في جنيف، ستكون كافية لنا، لعدم المطالبة بسيناريوهات أفضل حالا، فكما يقال للسوريين إنهم خدعوا حين رأوا انتصار الثورة المصرية السلمية، سيقال للنظام أنه خُدع حين ظن أن بوسعه تكرار انتصاره في حماة والخروج سالماً بعد ارتكابه كل تلك الجرائم والمجازر بحق شعب عظيم حي سيعرف ما الذي عليه فعله في اللحظة المناسبة.

 

شاهد أيضاً

ما سر ولع وتعلق (النمر) بشابين صغيرين ضعيفي البنية؟

  يشكل المدخل للحديث عن “آل الطبل” مثار حيرة لمن يتتبع سيرة هذه العائلة.. أيبدأ …