د. ممتاز الشيخ: حَدَثَ في الرقة

د. ممتاز الشيخ* –  مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م

وسط دمار هائل لاتخطئه العين لمدينة الرقة السورية أمسك مسلحو التنتظيمات الكردية المقاتلة المنضوية تحت قسد (قوات سوريا الديموقراطية)  أيادي بعضهم البعض وهم يرقصون على أنغام الدبكة الكردية، خلفهم صورة كبيرة لعبدالله أوجلان استحوذت الصورة على المشهد أكثر من مناسبة الحدث نفسه – الاحتفاء بتحرير الرقة من عناصر تنظيم الدولة -، وقبل هذا التاريخ بأربع سنوات تقريبا احتفل البعض بتحرير الرقة من قبضة النظام السوري على أيدي قوى مختلطة  قادتها كتائب من جبهة النصرة وقوى أخرى، ادّعى بعضها أنه يؤيد ثورة الشعب السوري، ثم أفضى التحرير إلى سيطرة التنظيم الكاملة على عاصمة الرشيد وأعلنتها عاصمة الخلافة.

كان يمكن لحدث تحرير الرقة من عناصر التنظيم أن يكون أكثر بهجة للعالم كله ولسكان المدينة المكلومة خاصة لولا هواجس الخوف من المستقبل القريب الذي ينتظر المنطقة الشرقية لعد مرحلة التنظيم! إذ خصّت الإدارة الأميركية فصائل قسد بمهمة تحرير الرقة دون غيرها، الأمر الذي أثار مخاوف سكانها العرب من تجاهل دورهم واستقواء إخوة التراب عليهم.

 ويوما بعد آخر تثبت صحة المخاوف في تجاهل قوات قسد لحقوق العرب ودورهم وآمالهم، ومنذ الساعات الأولى لإعلان النصر على تنظيم الدولة في الرقة اضطر بعض وجهاء الرقة من العرب مقاطعة الاحتفال بالنصر حين عادوا إلى أعقابهم بمجرد اقترابهم من دوار النعيم حيث وقائع الاحتفال ورؤيتهم صور أوجلان تتصدر المشهد والرسائل غير المطمئنة التي تبعث بها تلك الصورة في أكثر من اتجاه.

وقد تنبّه سكان محافظات المنطقة الشمالية الشرقية من سورية (الحسكة والرقة ودير الزور) إلى ضبابية المواقف الأميركية حول شكل إدارة الرقة بعد خلاصها من التنظيم، كما لم يخفوا مخاوفهم من النزعة المتزايدة لدى لأكراد في الاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم  بعد أن دفع أهلها أثماناً باهضة من قتل وتشريد وظلم، عليهم الآن أن يدخلوا مرحلة جديدة من الصراع مع جيرانهم من الكرد الذين تعايشوا معهم طيلة عقود في أمان وسلام وكان العرب أكثر من خفف عليهم ثقل مشاعر اضطهاد النظام السوري لهم وتجاهله لأبسط حقوقهم.، وهاهم (الأكراد) اليوم يمارسون الدور نفسه على العرب يشجعهم على ذلك استقوائهم بفائض القوة الناجم حماية  الولايات المتحدة لهم.

توجست قيادة قسد  منذ البداية من أي دور لقوات عربية معها في تحرير الرقة، خاصة وأنها أيقنت أن التحالف الدولي المدجج بأحدث الأسلحة والخبرات العسكرية والمعلومات الأمنية قد عقد العزم فعلا  على إنهاء حالة تنظيم الدولة وان علامات بداية النهاية باتت واضحة للعيان بعد خسائر التنظيم المتوالية في الموصل، والأمر سيتكرر في الرقة كما غيرها.

يستعجل الأكراد الزمن كثيراً ليحققوا أكثر ما يمكنهم مستغلين  الاستعجال  الأميركي  لإعلان النصر على التنظيم من عاصمة الخلافة نفسها  قبل أن تعلنه موسكو حليفة النظام السوري من مكان آخر في سورية مثل دير الزور التي يتربع التنظيم على معظم مساحتها منذ 2014، ولعل هذا التنافس المحموم بين موسكو وواشنطن لبسط نفوذ كل منها في المنطقة الشمالية والشرقية هو الذي يفسّر استعجال معركة تحرير دير الزور من تنظيم الدولة قبل نضج شروطها الموضوعية وقبل أي تحضيرات مسبقة.

هذا الاستعجال حركت مياهه الراكدة صفقة حزب الله مع تنظيم الدولة والتي سمح بموجبها السماح لانسحاب عناصر التنظيم من القلمون باتجاه شرق سورية، مما استدعى قيام الامين العام لحزب الله بزيارة سرية وعاجلة إلى دمشق لاستكمال شروط تحقيق الصفقة التي بموجب بنودها  أخذ النظام السوري الضوء الأخضر والتسهيلات اللازمة من التنظيم نفسه لتحرير دير الزور، تفاجأت واشنطن بالتحرك الروسي- السوري المباغت في دير الزور، مما استدعى استعجالها هي الأخرى في الذهاب إلى هناك حتى قبل استكمال تحرير الرقة وقد اعتمدت واشنطن على جهوزية قوات قسد لتنفيذ المهمة دون التفكير بالنتائج المستقبلية لمثل هذا التحرك ومما قد يثيره من حساسيات عند العرب من سكان تلك المناطق الخالية أصلا من الأكراد.

لا يكترث الأكراد كثيراً اليوم لحسابات المستقبل ويجدون أن الفرصة مواتية لتحقيق أحلام طالما كانت تراودهم منذ أكثر من قرن، متجاهلين أن ذلك لم يكن ممكناً قبل اندلاع الثورة السورية التي تعمدوا هم تجاوز أهدافها في تحقيق طموحات خاصة بمعزل عن بقية الشعب السوري ، ومتجاهلين أيضاً لحسابات الجغرافيا والديموغرافيا، إذ يتعذر عليهم التمدد في مناطق لم تشكل نسبة الاكراد فيها أكثر من 0,017,678% في الرقة واقل من 26.38% من محافظة الحسكة (يشترك معهم بهذه النسبة الآشوريون والسريان) أما بالنسبة لدير الزور فهي خالية تماماً من العنصر الكردي، وقد نبّه كثير من المحللين من خطورة المس بالهوية العربية للمحافظات الثلاث مما قد يشعل حروباً طويلة الأمد بين العرب والكرد، ومن خطورة تجاوز الدور العربي في المنطقة الشرقية من سورية.

من الضرورة بمكان بالنسبة للكرد في سورية قراءة متأنية للمشهد العام في المنطقة العربية وفي الإقليم أيضاً، فالصورة الأولى لنتائج الاستفتاء الأخير الذي أصر عليه ساسة إقليم كردستان العراق تشير إلى انتكاسة مشروع الاستقلال التام لكردستان العراق، وعلى إخوتنا الكرد في سورية أن لا يستعدوا المحيط العربي بناء على معطيات ذات طابع آني أو مرحلي،والرهان على الدعم الأميركي الدائم خذل أنظمة وشعوباً أكثر من مرة وفي أكثر من مكان، كما أن تبدلات الواقع السياسي في سورية والمنطقة يجري بوتيرة سريعة جداً بحيث يصعب على المتبحرين في الاستراتيجيات التنبؤ بمآلات الأمر في المستقبل القريب.

أما الانجرار وراء مشاريع عرقية وحزبية ضيقة مستوردة من خارج جغرافية الكرد السوريين فقد يضعهم في دائرة محكمة من العداوات العرقية في محيطهم العربي وقد يعرضوا أنفسهم أن يلدغوا من ذات الجحر أكثر من مرة، وتتحقق مقولة ماركس فيهم من أن التاريخ يكرر نفسه مرتين، مرة على شكل ملهاة وأخرى على شكل ماساة، وأخشى أن يكرر التاريخ نفسه أكثر من مرتين وكلها على شكل مأساة فقط.

*  مدير عام سابق لهيئة الاذاعة والتلفزيون في سورية   

شاهد أيضاً

(إسرائيل) قد تغير سياستها تجاه «الأسد» لمواجهة إيران

إيكونوميست في الساعات الأولى من صباح 9 أبريل/نيسان، عبرت مقاتلات إسرائيلية إلى المجال الجوي اللبناني …