يمان دابقي: سبع سنوات سورية

 

يمان دابقي: العربي الجديد

يُقال إن الوجه الآخر لمفهوم الانتظار يضعك في مكان معلق كجسر بين السماء والأرض، يتأرجح بك يميناً وشمالاً إلى درجةِ تشعر أن سقوطك الحتمي قاب قوسين، وأن عزيمة الصمود والاستقرار التي وهبتك طاقة التحمل قد تخونك في لحظة ما، إلا إذا حدث أمرٌ مفاجئ، وأنت في قمة اليأس أكسبك طاقة أخرى. حينها، أنت نفسك تكاد لا تُصدق تلك الطاقات الكامنة داخلك، كيف خرجت بلحظة ما لتصنع منك رجل اللحظة والمرحلة الحرجة. عند هذا المطاف، من الممكن أن يتغلب المرء على واقعه ويصنع تاريخه بنفسه.
بهذا المشهد تماماً مرًّ على السوريين “سبع عجاف”، لم يذق فيها الشعب المكلوم نشوة الفرح أو الانتصارات، ولم تلتئم جراحات الثكالى.
مؤكد أن كلماتنا تختنق وتُحتضر بآن واحد معاً، كما وأنه من المخجل جداً اختزال مشهدية “سبع عجاف” ببضع كلمات، ولو استحضرنا لغات العالم لن تفي حق السوريين وإنصافهم عمّا مرّوا به، وهم اليوم ينتظرون بارقة أملِ جديد يصنعونه بسواعد الأبطال.
نعم، تخطينا سبع سنوات وأقدسها حقيقة لم تنتهي مطالب السوريين وحريتهم في أعظم ثورة عرفها التاريخ، هذه الثورة لم تنته، ولم تستطع دول العالم أن تقتل روحها، على الرغم من كل الألم والمعاناة. وكما تعودنا على النزوح من منفى إلى منفى، تأقلمنا، في الوقت نفسه، على توديع عام واستقبال آخر، لتبقى صور من رحلوا خالدة في ذاكرتنا، تلك الصور ذاتها تكسبنا تجديد العهد والمضي في طريق الثورة، إكراماً لدماء من رحلوا، وهم شهداء حاضرون على إصرار من بقوا، وحملوا لواء ثورته من جيل إلى جيل، بغية أن تحقق الثورة أهدافها.
كان عام 2017 عام انتكاسات وأشدها قسوة ومرارة على السوريين، وهو ما جاء متمّماً لسلسلة طعنات في 2016 الذي تُوج بخسارة مدينة حلب، بسبب دولة مارقة ما همها سورية ولا شعبها، بل جعلت منهما أدوات لمزاحمة الدول الكبرى من البنادق، ومهادنة قادة الفصائل لأجندات الدول الأربع المصادرة لأي قرار سوري، بما فيهما النظام والمعارضة، فعّم الطغيان في سورية. و كان مسارا جنيف وآستانة هما السم المدسوس بالعسل، وما بينهما أشد وطأة من خمود فوهات روسيا بحلاوة الانتصار، وظنت أنها أوصلت السوريين إلى طريق مسدود، من شأنه اقتيادهم إلى مكان ملغوم في سوتشي، لتوقع صك الاستسلام وإعادة تدوير بشار الأسد ومنظومته الدكتاتورية، وتجديد عهد العبودية في مزرعة بشار وخامنئي وبوتين.
ضاقت الأرض بنا بعد ظهور نية روسيا عن بقائها في سورية إلى الأبد، فسعت إلى رسم نهاية سورية على الطريقة الروسية، بمعنى أدق روسيا بعد استخدامها كامل قوتها العسكرية في سورية، وقتلها آلاف السوريين، أرادت الاستفراد في سورية وتفصيل تسوية تسمح لها انتزاع شرعية دولية في احتلال سورية.
وعلى الرغم من تنامي شعور العجز واليأس عند شرائح كبيرة من السوريين، ممن أنهكتهم آلة الحرب والدمار، إلا أنّ هذا لم يُضعف تجديد الآمال. وكما كل عام، جدّد السوريون مطالب ثورتهم برحيل النظام، وما أن أشرف العام الأخير على الرحيل حتى عادت إرادة السوريين تتصدر الواجهة السورية، ليستقبلوا فيها عامهم الجديد مع انتصارات جمة، بعثرت الأوراق من جديد، وانكسر النظام على مشارف الغوطة، وتكبد خسائر فادحة في بوابتي حماه وإدلب.
الحدث الأبرز الذي أعاد زخم ثورة السوريين في نشوة الانتصارات، انتقال عدوى الثورة إلى داخل إيران، فبين ليلة وضحاها انتفض الشعب الإيراني بكامل الجغرافيا الإيرانية، هذا الحدث العظيم لا شك فيه روح ربانية نفخها الله وأحق كلمته بوقت قد ظنت فيه الأنظمة المستبدة أنها نالت من شعوبها.
عند هذا المطاف، تحول شعور اليأس إلى مشاعر فرح، ودقت أجراس الانتصارات ومؤشرات تلوح في الأفق بعد سبع سنوات تنتظر السوريين في 2018، فإيران التي فتكت سبع سنوات بالسوريين باتت اليوم في مأزق حرج.

شاهد أيضاً

إبراهيم الجبين: مقبرة المعلومات

إبراهيم الجبين: العرب يتركك التفكير في قراءة العالم وتحركاته البطيئة ولكن الهائلة، في طمأنينة من …