عمر كوش: غصّة القلب السورية الفلسطينية

 

عمر كوش – العربي الجديد

أثار الزميل محمد الريماوي في مقاله “نكبات تجمع شعوباً وتباعد بينها”، (“العربي الجديد”، 23/12/2017)، أشجاناً وهموماً دفينة في وجدان غالبية أصحاب الضمائر الحيّة، تخص مسألة العجز عن التضامن بين الشعوب العربية حيال النكبات والمحن التي ألمّت بها، وحيال قضاياها العادلة، حيث يعزو هذه الظاهرة التي يعتبرها جديدة إلى انشغال كل شعبٍ بقضاياه وهمومه الوطنية، الناجمة عن عذاباته وآلامه الخاصة، التي تختلف أسبابها ومصادرها وحيثياتها، ما أفضى بهذه الشعوب المقهورة تاريخياً إلى عدم الالتفات إلى ما يجري خارج بلادها، وحدود قضاياها الوطنية، “وعلى نحو يجعل كفاحها منصبّاً على الدفاع عن حقها في الحياة أمام جلاوزة العصر، وبصورةٍ تحرمها موضوعياً وعملياً من فرص التضامن مع غيرها، أو الالتفات إلى ما يجري خارج الحدود”.

وتعقيباً على ما أثاره الريماوي، ذهب عيسى الشعيبي في مقاله “فلسطينيون وسوريون.. آلام متماثلة وآمال متباينة” (“العربي الجديد”، 29/12/2017)، إلى التركيز على المحنة الشاملة، الخاصة “بالآمال المتماثلة والآلام المتباينة بين أكثر شعبين عربيين تعرّضا لأهوال القتل والتهجير والاعتقال والترويع، وهدم البيوت والمصادرات، ناهيك عن التغيير الديمغرافي، وهما الشعبان السوري والفلسطيني”. ويقرّ الشعيبي “بأن ما حصل للسوريين طوال السنوات السبع الماضية، من قتل بالجملة، وتجويع وانتهاكات إنسانية لا نظير لها، وتحطيم للبلاد وللعباد، كان أشد وطأة على البشر والشجر والحجر مما حدث للفلسطينيين، عبر نكباتهم المتواصلة منذ نحو سبعين سنة على الأقل”.
والواقع أن غالبية السوريين الذين خرجوا في منتصف مارس/ آذار 2011، أصيبوا بغصّة، لأن مستوى التضامن الشعبي، العربي والدولي، مع قضيتهم العادلة ضد نظام ديكتاتوري، لم يكن في مستوى التضحيات التي قدموها، وما زالوا، لنيل حريتهم واسترجاع كرامتهم، ولم تتناسب ردات الفعل الشعبية التضامنية مع حجم الجرائم التي ارتكبها بحقهم نظام الاستبداد الأسدي، وحلفائه في النظام البوتيني الروسي ونظام الملالي الإيراني، بحق غالبية الشعب السوري.

وقد وضعت الثورة السورية يساريين وقوميين وإسلاميين على المحك في خيارهم الديمقراطي، وفي مدى اقترابهم والتزامهم بمصالح الناس وحقوقهم، وأعادت فرزهم، إذ تبيّن أن الأحزاب اليسارية والقومية والدينية عاجزة عن مواكبة الثورة ودعم ناسها، والانخراط في حراكها، ومرد ذلك هو تركيبتها المتخلفة والعقليات المتحكّمة فيها، حيث لم تتمكن نخبها طوال عقود من إحداث قطيعة معرفية وسياسية مع ماضيها، القائم على الأحادية والولاء للزعيم وإقصاء الآخر، وعلى التعبئة الإيديولوجية ذات الاتجاه الوحيد، ولا يزال قادتها وممثلوها أسرى العقلية القديمة، والنهج المتقادم نفسه.

وإذا كان صحيحاً أن ما قام به النظام الأسدي من قتل وجرائم ودمار بحق غالبية السوريين كان أكثر وحشية مما ارتكبه ضد الفلسطينيين السوريين، إلا أن وقوف غالبية هؤلاء إلى جانب الثورة السورية وانغماسهم فيها كان لافتاً منذ بدايتها، وحمل رمزية خاصة للقضيتين، السورية والفلسطينية، وقد وحدّ حراكهم المشترك شعار “واحد واحد واحد… الدم الفلسطيني والسوري واحد”. وقد وثقت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية سقوط 3629 فلسطينياً خلال السنوات السبع الماضية، بينهم 463 امرأة، و1644 معتقلاً فلسطينياً في أفرع أجهزة الأمن واستخبارات النظام، وتهجير مئات الآلاف منهم.

ولا حاجة للحديث عن احتضان السوريين للفلسطينيين وقضيتهم، ولا عن أعداد السوريين الذين هبوا دفاعاً عن فلسطين وأرضها وشعبها، ولا عن الدعم المادي واللوجستي، وأشكال الاحتضان الشعبي، فتاريخ القضية الفلسطينية يشهد على ذلك، ويثبت أن السعي الشعبي الفلسطيني والسوري إلى نيل الحرية واحد لا يتجزأ، سواء من نظام الاحتلال والاستيطان أم من نظام القمع والاستبداد. غير أن المحيّر وغير السوي وقوف قسم من العرب، فلسطينيين ومصريين ولبنانيين وأردنيين وسواهم، مع نظام الأسد المستبد، كما وقف سوريون كذلك إلى صفه. ولكن بشأن الفلسطينيين، فإن القسم الأعظم منهم يعرفون حقيقة نظام الأسد، الذي قتل آلاف الفلسطينيين في سورية وفي لبنان، واعتقل عشرات الآلاف وشردّ مئات الآلاف منهم، ولم يقم، طوال سنوات الصراع العربي الإسرائيلي، سوى بحماية أمن إسرائيل وحدودها، والتآمر على قضيتهم، فضلاً عن توظيفه المزيف لها من أجل إدامة بقائه على صدور السوريين.

وكان مخزياً وقوف غالبية الأحزاب والمنظمات السياسية العربية إلى جانب نظام الأسد، بما فيها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وسواها، لأن أي مسؤول فلسطيني يقف إلى جانب نظام الأسد يسيء إلى القضية الفلسطينية العادلة، ويضر بها أشد الضرر، فضلاً عن وقوفه إلى جانب المستبد ضد المستبدين، والأمر نفسه ينسحب على المثقفين والكتاب القوميين واليساريين الذي امتطوا قضية الشعب الفلسطيني، ووظفوها خدمة لدعم جرائم نظام الأسد وإرهابه وجرائم نظام الملالي الإيراني ونظام بوتين القمعي، وقد وصل الأمر إلى حدّ مهين ومقرف، جسدته تهنئة القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، محمد ضهير، بمناسبة قدوم مولود جديد له سماه بشار الأسد، ولا يختلف عن البهتان والعار المجسد في تهافت أشباه معارضين في سورية لزيارة إسرائيل.

ما يهم هنا هو الجانب الشعبي، حيث إن قطاعات واسعة من السوريين تضامنت مع الفتاة الفلسطينية المناضلة عهد التميمي ضد سلطات الاحتلال، لكن كثيرين منهم شعروا بالإحباط حين اكتشفوا أن والدها من خلال صفحته في “فيسبوك” من مؤيدي النظام الأسدي، فأصيبوا بغصة في القلب، الأمر الذي يصب في الإشكالية نفسها المتعلقة بالتضامن الشعبي، وأسباب ضعفه والإصابة بالعجز.

ولما كان الأمر يخص الثورة السورية بشكل خاص، والثورات العربية عموماً، والتضامن السوري الفلسطيني، فإن ردود الفعل الضعيفة حيال الحراك الشعبي الفلسطيني ضد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نقل السفارة الأميركية إلى القدس، يشير إلى سيادة شعور بعدم اكثرات الشعوب العربية حيال طرق إدارة الصراع العربي الإسرائيلي، نظراً لإحساسها بمدى الخداع والزيف التي مارسته الأنظمة والمنظمات والقوى السياسية التي تنطعت لقيادة هذا الصراع على حساب مقدرات الشعوب وحريتها وعيشها.

ولعل مفهوم التضامن بين الشعوب العربية، حيال القضايا والمحن أو المصائب التي أصابتها، يقتضي توافر ممكناته التي حاولت أنظمة القمع والاستبداد العربية قتلها بمختلف الوسائل، من خلال مصادرتها للفضاء العام، واستبعاد المجتمع عن السياسة، بمفهومها المدني الواسع، وتخريب النسج الاجتماعية، ومنع حيثيات التواصل الأهلي والمدني، وتشييد أجهزة أمن، مهمتها الحفاظ على منظومة القمع ومراقبة وضبط أي حراك اجتماعي، والأهم ليس فقط مصادرة السياسة، بل تخريب مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات وسواها.

وفي الحالة السورية، مارست السلطة الحاكمة فيها الاستبعاد السياسي والاجتماعي في شتى درجاته، حيال الأفراد والتكوينات الاجتماعية، ودفعت بهم إلى خارج المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، مقابل الدفع بتكوينات اجتماعية أخرى إلى مراكز متقدمة من التحكم بمقدّرات الدولة والمجتمع. وارتبط ذلك كله بجملة من العوامل المذهبية الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، على خلفية إثارة الصراع بين مكونات التنوع في سورية، وإيجاد علاقات قوة جديدة، أبعدت المكونات المدينية مقابل استقدام المكونات الريفية، وإعادة توطين أفكار الصراع على مصادر القوة بين الأقلية والأغلبية الاجتماعية، ودفع المستبعدين إلى الاحتماء بمختلف التكوينات ما قبل المدنية.

وعملت السلطة الحاكمة على ضمان استمرارية سيطرتها على المجتمع، أكثر من أربعة عقود، بأساليب وإجراءات أمنية وقانونية وسياسية، فصادرت الحقل السياسي العام، وسحبت السياسة من التداول المجتمعي، وأوجدت أحزاباً شكلية، أدرجتها ضمن “الجبهة الوطنية التقدمية”، واستولت على مختلف التوسطات الاجتماعية من جمعياتٍ مدنيةٍ ونقابات مهنية وفرق رياضية، وحتى صالات الأفراح والأحزان. ونتج عن التباين في علاقات القوة التي أوجدتها السلطة تنامي دعوات غير معلنة للانكفاء إلى مختلف الانتماءات الضيقة، المذهبية والطائفية والعشائرية، الأمر الذي أنتج شعوراً بعدم الاندماج والعزلة والإحباط والانسلاخ عن المجتمع، وانتفاء روح التضامن وممكناته بين أفراد (وتكوينات) المجتمع نفسه، وسادت حالة من الموت السريري المجتمعي، لا مكان فيها لسبل التضامن مع الآخر الشريك في الوطن، ولا مع الشقيق أو الصديق، بالتالي فإن الأولوية بالنسبة إلى غالبية السوريين حين ثاروا هي إزالة الاستبداد ونيل الحرية واسترجاع الكرامة.

شاهد أيضاً

حازم الأمين: «غارة على مطار حماة»

حازم الأمين- الحياة يوم الجمعة الفائت تم تداول خبر مفاده أن طائرات إسرائيلية نفذت غارات …