لبنان.. اعتداء “وحشي” ضد لاجئ سوري من ذوي الاحتياجات الخاصة

على أحد أسرة مشفى “رفيق الحريري” في بيروت، وفي قسم الطوارئ تحديدا يرقد جسد اللاجئ السوري “عامر الحمصي”.
وعلى مقربة من سريره داخل القسم المخصص “كثلاجة لتبريد جثث الموتى” يرقد “ضمير” لبنان ومؤسساته الحقوقية والقضائية والإنسانية، كما يبدو. 
“ما أقرب السريرين من بعضهما” عبارة يرددها لسان حال “عامر” وهو يتحسس ما حل بجسده النحيل من جروح وأورام وكدمات وأوجاع، مرتدا له يرتد له صدى صوته من خلال مسامات ذلك الجدار الإسمنتي الأخرس المنتصب قبالة وجهه: 
“ما أبعد السريرين عن بعضهما” يرد لسان حال لبنان وهو يتحسس ما حل بـ”ضميره” النحيل من برودة وتعفن وتفسخ وفناء.
وما بين السريرين، ثمة سيدة لا وقت لديها لحساب المسافات الفاصلة بين الأسرة، ولا دقائق لديها لتهدرها في قياس الحدود الفاصلة بين دم الضحية وسكين جلادها في مسرح جريمة تغطي مساحته كل شارع من شوارع بيروت وكل دهليز من دهاليزها. 
ثمة سيدة لا وقت لديها لتمنحه لأي تفصيل من تفاصيل الحياة الرتيبة الآن، فكل الوقت في ناظريها الآن “أم”، وكل المسافات وكل الحدود وكل نبضة من نبضات قلبها تحولت لـ”أم”. 
” أم” كتب عليها أن تقطع نهر دموعها ذهابا وإيابا مع كل رمقة عين ترى فيها مشهد جسد ابنها الممدد كالذبيحة على السرير.
مشهد سرعان ما يهاجر بمشاعر الأم المتلاطمة في نهر دموعها من ضفة القهر والظلم، إلى ضفة الحقد والانتقام.. “الله يكسر إيدهن ولاد الحرام ياللي مابخافوا الله.”
دعاء حاولت “أم عامر” أن تستجمع بين مفرداته جميع ما يحتويه هذا الكون من انكسارات الأمومة وحرقتها وهي تتركه يتزحلق حاقدا من بين شفتيها بعدما أنستها وحشية البشر كل مفردات الحمد والشكر، وغيبت عن ذاكرتها كل القواميس الناطقة بمفردات الحب والخير والتسامح تاركة إياها “لبوة كسيرة” لاحول لها ولا قوة إلا الدعاء على من تجاسروا واقتحموا عرين أمومتها ليلحقوا الضرر بأغلى ما لديها “فلذة كبدها” ذلك “الدرويش الطيب الحنون”، غير آبهين بقوانين وأعراف البشر. 
ينتفض جسد عامر على صوت نحيب “لبوته” العجوز “عنان الحمصي” ودعواتها المجبولة بالحسرة وحب الانتقام، يومئ لها أن تقترب منه أكثر لتهرش له ظهره الذي تحول إلى خارطة تمتد بين تضاريس الكدمات والجروح، أو أن تضع له الكمادات الباردة تحت عينه التي غيّر الورم معالمها وألوانها علها تلهيه عن آلامه بألم أشد وتشغله عن أوجاعه بوجع جديد وتخفف عنه عذاباته بعذاب أشد وطأة وشدة.
تقول “آية الحمصي” اللاجئة السورية من محافظة إدلب والجارة المقربة لعائلة الضحية “عامر” في مخيم “صبرا” وفي رد على أسئلة مراسل “زمان الوصل”: “اعتاد عامر، الذي يعاني من تخلف عقلي أن يذهب عند كل ظهيرة إلى محل ألعاب “الأتاري” في مخيم “صبرا” القريب من مكان سكنه، ليقضي فيه بعض الوقت في التسلية واللعب”.
وتضيف “في ظهيرة أول أمس الثلاثاء توجه عامر وكعادته في كل يوم من مسكنه في مخيم “صبرا” إلى المحل ذاته الذي يقضي به وقت تسليته ولهوه، وقبل أن يصل إلى ذلك المحل بأمتار قليلة توقف عامر أمام واجهة زجاجية فارهة عرضت على رفوفها أحدث أنواع الهواتف النقالة، في منظر ربما أثار دهشة وفضول ذلك اليافع المسكين، مما جعله يطيل وقوفه وتأمله في تلك الأجهزة التي لم يحملها يوما ولا يدرك كيفية استعمالها. وقوف عامر وإبحاره اللاشعوري بين معروضات تلك الواجهة الزجاجية الفارهة ومحتوياتها الجذابة الجميلة الذي ربما تجاوز الدقائق، لم يرق لأولئك الشبان الأربعة الذي يجلسون داخل المحل مما جعلهم وبحسب شهادة الضحية “عامر” يدخلونه عنوة إلى داخل المحل، ومن ثم عملوا على ربطه وتكبيله بالحبال لينهالوا عليه من بعدها ضربا بالعصي. 
يقول “عامر” إن عملية الضرب الوحشي التي نفذها الشبان الأربعة بنفس التوقيت قد طالت ظهره ووجهه وأطرافه ورأسه، مما جعله يغيب عن الوعي، ثم قاموا بعدها بخلع أحزمتهم الجلدية ومتابعة ضربه بوحشية بعدما تحطمت العصي التي كانوا يستخدمونها في ضربه وتعذيبه لحظة إدخاله عنوة إلى المحل. 
شهادة “عامر” التي نقلتها الجارة “آية” لمراسل “زمان الوصل” لم تنتهِ عند ذلك وحسب، بل تابعت في تفصيلها أكثر بعدما زارت الضحية “عامر” أمس الأربعاء في قسم الطوارئ في مشفى “رفيق الحريري”، فتقول “إن عامر يمر بحالة خوف ورعب وشديدين جراء الاعتداء الوحشي التي تعرض له من تلك الوحوش البشرية والتي تشير أقوال عامر إلى أنهم ثلاثة من الجنسية اللبنانية والرابع من الجنسية الفلسطينية”.
وأكدت أنه يعاني من حالة تبول لا إرادي قد تكررت أكثر من مرة على سريره بحسب شهادة أخته “هدى” مرافقته في المشفى، ويعيش تحت سيطرة حالة من الوسواس القهري التي تجعله يتخيل بأن الشبان الأربعة سيحضرون إلى المشفى لينتقموا منه ومن أهله فيما لو تقدموا بأي شكوى ضدهم.
“زمان الوصل” التي استطاعت أن تحصل على رقم هاتف “عنان الحمصي” والدة الضحية وأخته “هدى الحمصي” واستجابت لرغبة الجارة الإدلبية “آية” بعدم إحراج عائلة الضحية والاتصال المباشر معهم من قبل مراسل “زمان الوصل” للاستفسار عن حيثيات وتفاصيل الاعتداء على “عامر” وذلك لشعورهم الكبير بالخوف من ردة فعل انتقامية من الشبان المعتدين. 
وناشدت “آية” وبموافقة من والدي الضحية (والده يعمل صانعا عاديا في مصنع لخزانات المياه البلاستيكية)، ناشدت نشر خبر هذه الجريمة المروعة التي طالت لاجئا سوريا من ذوي الاحتياجات الخاصة على صفحات “زمان الوصل” ووضع هذه الجريمة برسم القضاء اللبناني وكافة المنظمات الحقوقية والإنسانية العاملة على الأراضي اللبنانية لمحاسبة أولئك المجرمين. 
وأكدت “آية” وبعد اطلاعها على التقارير الطبية الخاصة بحالة الضحية والتي أجريت له في مشفى “الحريري” أنه يعاني من نزيف حاد في أحد عينيه ومن حدوث حالة تهتك كبيرة في عضلات وأنسجة الظهر. بالإضافة لكدمات طالت جزءا كبيرا من جسده ووجهه مطالبة الجهات المسؤولة بتغريم الفاعلين بتكاليف العلاج المترتبة على إقامة الضحية عامر داخل مشفى “الحريري”.
يذكر أن عائلة الضحية “عامر” قد لجأت من دمشق إلى مخيم “صبرا” في لبنان مع بدء الحرب التي خاضها ويخوضها نظام الأسد على شعبه وهي مؤلفة من ثلاث بنات وولدين، عائلة وصفتها الجارة “آية” بـ”الفقيرة والمعترة” أضيف إلى رصيدها من البؤس والتعتير ما حل بولدها الأكبر “عامر” من اعتداء وحشي ظالم بدون أي ذنب.
عبد الحفيظ الحولاني – زمان الوصل

شاهد أيضاً

أنقرة ترفض تقديم تنازلات في منبج وملف تل رفعت بانتظار اتفاق حاسم

  لا يزال ملف مدينة تل رفعت شمال حلب ينتظر اتفاقاً حاسماً بين موسكو وأنقرة، …