سمير صالحة: من يحقق لأنقرة ما تريده في سورية؟

 

سمير صالحة: العربي الجديد

تلتقي معطيات واستنتاجات كثيرة متعلقة بالهجوم، أخيراً، على القوات الروسية في قاعدة حميميم عند تقاطع أن العملية مكيدة من صنع الولايات المتحدة للإيقاع بين تركيا  وروسيا. لكن تحريك قوات النظام السوري، بالتنسيق مع موسكو وطهران، في جنوب إدلب، والمتزامن مع هجوم حميميم، لا يعرف أحد أسبابه وأهدافه. وإذا ما كانت هي المكيدة الحقيقية التي أعدتها موسكو وطهران لعزل تركيا وإبعادها عن واشنطن أكثر فأكثر، وإضعاف موقفها على خط إدلب – عفرين، ومحاصرتها بضرورة دعم مؤتمر سوتشي المرتقب خياراً وحيداً لا تملك غيره في علاقاتها مع الدول “اللا ضامنة” لمناطق خفض التصعيد. 

استدعاء الخارجية التركية سفيري روسيا وإيران احتجاجا على هجوم النظام فيإدلب، ولتذكيرهما بمسؤولية بلديهما في الالتزامات والتعهدات الموقعة في أستانة، وضرورة تنفيذ خطط المناطق الآمنة ومناطق خفض التوتر، قابله رد من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وبعد ساعات فقط “لا علاقة لتركيا بالهجوم المدبر ضد قواتنا في حميميم”. وبذلك، فإن موسكو ترد نيابة عن طهران، وعن نفسها، لتبرير تحرّك القواتالسورية في جنوب إدلب، مع أن ما تقوله أنقرة غير ذلك تماما. 

لماذا لم تجتمع آلية المتابعة الثلاثية المنبثقة عن اتفاقيات أستانة، لبحث مسألة تحريك قوات النظام السوري التي تتعارض عسكريا وسياسيا مع نص تفاهمات قمة سوتشي التركية الروسية الإيرانية وروحها؟ هل يتحرك بشار الأسد بشكل منفصل، ومن دون التنسيق مع موسكو وطهران وهل قرار وقف هجوم قوات النظام في إدلب مسألة صعبة على روسيا وإيران حقا؟ أم أن الشراكة التركية الروسية الإيرانية هي التي تقف اليوم أمام امتحان إعلان الفشل أو الاستمرار، خصوصا أن أحدا في الجانبين الروسي والإيراني لا يريد مناقشة أسباب تحريك دمشق قواتها مع أنقرة؟ 
تحدث الإعلام التركي، قبل أيام، عن زيارة محتملة لوفد تركي غير رسمي إلى دمشق، وكانت الأصابع تتوجه نحو حزب “وطن” اليساري الذي يتبنى سياسة سورية مغايرة لسياسة حزب العدالة والتنمية، لكنه يدعمها اليوم في ملفات كثيرة. هل تمت الزيارة؟ بمن التقى الوفد هناك، وما الذي جرى بحثه، وهل لتحريك القوات السورية باتجاه جنوب إدلب علاقة بالزيارة؟ 
يقول الأتراك إن القوات التركية استكملت خطة محاصرة عفرين من الجهات الأربع، بانتظار ساعة الصفر، فمن الذي سيدخل المكان، الجنود الأتراك أم الجيش السوري الحر؟ لم يسقط خيار التقدم نحو عفرين تركيا، فهل يمكن أن يكون الطرح البديل هو التفاهم الروسي الأميركي غير المعلن بتسليم عفرين للنظام وقواته، لإنهاء القلق التركي في مقابل إشراك النظام في خطة إدلب، لإنهاء وجود جبهة النصرة هناك، بعدما تعثرت الخطة التركية؟ 

هل شعرت موسكو أن أنقرة بدات تتراجع عن دعم مؤتمر سوتشي، بسبب شكها في أنه قد يعقد، ولكن ليس لتسهيل انطلاق مؤتمرات جنيف ودعمها، كما تقول موسكو، بل من أجل فتح الطريق أمام تفاهمات روسية أميركية أوسع في سورية، وفي احتمال وجود تفاهم روسي أميركي، بعيدا عن الأضواء بشأن تمثيل قوات سورية الديمقراطية في المؤتمر، وإن أية عملية رد تركي، بينها التحرك نحو عفرين، تعني بعد الآن المواجهة التركية الأميركية، وبالتالي التصعيد الروسي الأميركي هناك، فهل تسمح موسكو بتوتر خطير من هذا النوع، يهدم كل ما بنته في سورية؟ 
نجحت واشنطن في العودة إلى المشهد السوري، عن طريق الدعم العسكري لقوات سورية الديمقراطية، وستبحث عن الشريك الذي ستحاوره سياسيا في الملف السوري، ولن تجد أفضل من موسكو التي تملك أوراقا وخيوطا كثيرة في اللعبة. وعندما يقول الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، معقبا على هجوم حميميم، إن موسكو وأنقرة لا تملكان كل وسائل السيطرة على الأرض في سورية للحؤول دون وقوع خروق وهجمات في أماكن مختلفة، ما الذي تمهد له موسكو لتبرر مقولتها هذه؟ وبمن ستثق أنقرة، وعلى من ستراهن لحماية مصالحها في سورية؟ وفيما تعيدنا الهجمات التي يقودها النظام السوري في جنوب إدلب، كما استهداف القوات الروسية في حميميم، إلى المربع الأول هناك، فإن السؤال هو: ما المقصود بذلك، وهل الهدف الحقيقي تبرير خطة تحرك بديل على الأرض في المنطقة، توازن بين إطاحة جبهة النصرة وإخراج قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي من عفرين، في مقابل التزام أنقرة بدعم انعقاد مؤتمر سوتشي وقبول قراراته؟ تبقى العقدة معرفة مدى قبول واشنطن مشروعا من هذا النوع، وهو ما يدفع باتجاه بروز سيناريو آخر، يعكس حجم فشل التنسيق الثلاثي في أستانة، وضرورة إيجاد بديل جديد، هو تفاهم أميركي روسي، نيابة عن اللاعبين المحليين والإقليميين؟ 
مسار آخر خارج هذه السيناريوهات يعني خيبة أمل تركية أكبر في سورية، وإقحامها في أكثر من مواجهة على أكثر من جبهة، بهدف حرق كثير من أوراقها هناك. والرد عندها لا يمكن أن يكون غير التحرّك الميداني على طريقة علي وعلى أعدائي شبه الانتحارية، لاستكمال عملية درع الفرات في منبج، والسيطرة على إدلب، بإسقاط ورقة جبهة النصرة، وإنهاء جيب عفرين، لتجنب مواجهة أكبر مع جيش نظامي كردي، تعد واشنطن لتأسيسه، وسط بقعة تحولت إلى مستنقعات ورمال متحركة. 

وعلنا، تريد القوات التركية التي دخلت إدلب قبل ثلاثة أشهر، في إطار اتفاقيات أستانة، لإنشاء مناطق خفض التوتر، بالتنسيق مع روسيا وإيران، ربط مصير إدلب بمستقبل عفرين، لناحية تطهير المنطقة من وجود المجموعات التي تتهمها بالإرهاب. لكن ما يدفع أنقرة إلى التصعيد هذه المرة (سيرون ماذا سنفعل في غضون أسبوع)، والتذكير بأن حسابات منبج لم تحسم بعد، هو أبعد من مشروع إقامة ممر كردي يربط عفرين بمنطقة كبيرة، تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية في شمال شرق سورية. 

إن عملية عسكرية قريبة في عفرين يمكن تفسيرها على أنها حلقة من التفاهمات التركية الروسية الأميركية هذه المرة، يعقبها حضور أميركي روسي لمؤتمر وزراء الخارجية الذي تعد له أنقرة الشهر المقبل، خصوصا أن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، يقول إن الأوضاع لن تتحسن تماما ما لم يتم التوصل إلى حل سياسي، يحقق الاستقرار في سورية من دون تهميش أي دور لأحد. القلق التركي حيال تفاهمات إقليمية ودولية تتم في آخر لحظة على حساب أنقرة هو الذي يدفعها إلى الإعلان عن تحضيرات تتم لعقد اللقاء. 

وتتخوف أنقرة من تفاهمات آخر لحظة روسية أميركية على حسابها. لذلك هي تريد أن تظهر هما أن قرارها واستقلاليتها في التعامل مع الملف السوري من جهة، وتريد كسب العواصم الأوروبية، مثل باريس وبرلين، إلى جانبها على ضوء التك التركي أخيرا تجاه أوروبا. كما أنها تحاول التحرّر من قيود اتفاقيات أستانة الثلاثية التي بدأت تقيد تحركها حيال شركائها المحليين والإقليميين، خصوصا بعدما ثبت احتمال حدوث خروق، وخروج عن التفاهمات، كما حدث مع الهجوم الاستفزازي الواسع لقوات النظام في جنوب إدلب. 
وهناك هاجس آخر يطارد الأتراك، ويريدون قطع الطريق عليه قبل أن يتحول إلى قوة ضغط هائلة أمنيا وعسكريا في الحدود الجنوبية لتركيا، وهو الخطة الأميركية التي تتقدم باتجاه تأسيس قوة عسكرية تحت مسمى “جيش شمال سورية”، بثقل كردي، ويضم مائة ألف عنصر كما هو المخطط. وصدى ما تقوله قيادات في حزب الاتحاد الديمقراطي يسمع في أنقرة أيضا “هذه القوات ستتصدى لأي هجوم على مناطقها، وهي تتمتع بالاحترافية والخبرة. بعد الآن لن يكون بإمكان تركيا أو سورية أو أي بلد آخر أن يتجاوز على أراضينا بسهولة”. وقد زار وفد أميركي، برئاسة الدبلوماسي ماكس مارتن، مناطق شمال سورية، لوضع اللمسات الأخيرة على هذا المشروع، كما يقال أيضا. 

وتواصل أنقرة منح واشنطن مزيدا من الفرص والوقت، لتبديل رأيها، في طريقة تعاملها مع الملف السوري، وهي لا تثق تماما بالشراكة الروسية الإيرانية، بعد هجوم النظام السوري أخيرا في جنوب إدلب، لكنها لا تتراجع عن توجيه رسائل التصعيد، مهما كان الثمن “إن لم يتم الالتزام بالوعود التي تم قطعها لنا في منبج، عندها سننهي الأمر بأيدينا، لن يتجاوز الأمر الأسبوع كي يروا ماذا سنفعل”، كما يقول الرئيس التركي، رجب طيب أردوغانالذي كان يقول قبل أشهر إن “العملية العسكرية التركية في إدلب حققت نتائجها إلى حد كبير، وأمامنا الآن موضوع عفرين”. لكن الرئيس التركي الذي قد يكون فوجئ بهجوم جنوب إدلب، يعرف جيدا أن أي تحرك عسكري تركي في المنطقة يتطلب أمرين هما: توافق روسي تركي في هذا الشأن، وتوافق أميركي روسي، طالما أن التوافق الأميركي التركي شبه مستحيل، إلا إذا كان متمسكا بقوله إن “الولايات المتحدة تكذب علينا لكن لا يمكن لأحد أن يخدعنا”.

شاهد أيضاً

عبد الوهاب بدرخان: مأزق بوتين.. إقصاء إيران يُقصي الأسد وبقاؤهما معاً غير متاح

عبد الوهاب بدرخان-الحياة بين التمنيّات التي شاعت سوريّاً وعربياً ودولياً، والأهداف التي حدّدتها الولايات المتحدة …