ماجد كيالي: وما الفائدة من مؤتمر سوتشي؟

ماجد الكيالي – العرب اللندنية

لن تخسر المعارضة السورية شيئا مع عدم حضورها مؤتمر سوتشي، الذي يتم التحضير له بحيث يكون مجرد مهرجان للخطابة والتصفيق أو مسرحية عبثية، لا معنى ولا جدوى منها.

أخيرا حسمت المعارضة السورية أمرها، في ختام اجتماعات فيينا (فجر يوم 27 يناير) بإعلان رفضها المشاركة في مؤتمر سوتشي، الذي سيعقد أواخر هذا الشهر، والذي كانت روسيا وضعت ثقلها وراء عقده طوال الفترة الماضية، سيما بعد أن أعلنت على لسان رئيسها الانتصار في سوريا، وأن المهمة انتهت فيها.

طبعا لا يمكن التقليل مما فعلته روسيا، منذ تدخلها العسكري المباشر (سبتمبر 2015) لصالح النظام، في حربه على فصائل المعارضة المسلحة، وسعيه إلى وأد الثورة السورية، بواسطة سلاح الجو تحديدا، الذي شن ألوف الهجمات، التي ذهب ضحيتها الألوف وتدمير أحياء بكاملها، ما أدى إلى خسارة المعارضة لكثير من المناطق، وتوسيع النظام للمناطق التي تخضع لسيطرته. فبالنتيجة فقد تمكّنت روسيا عبر كل ذلك من فرض ذاتها كمقرّر أساسي في الصراع السوري، حتى على حساب إيران، كما تمكّنت من إقامة العديد من القواعد العسكرية في طرطوس واللاذقية، وأخذ عطاءات ضخمة من النظام في عديد من القطاعات الاقتصادية ومشاريع الإعمار.

بيد أن مشكلة روسيا تكمن في أن قدراتها على الاستثمار السياسي والاقتصادي محدودة، مع كل محاولاتها فرض نفسها كقوة عظمى، تضاهي الولايات المتحدة، أو كفاعل دولي وإقليمي لا يمكن تجاوزه، فهي لا تستطيع تحويل قوتها العسكرية إلى استثمارات سياسية، وهو ما تبيّن من الاضطراب في التحضير لمؤتمر سوتشي، وتأجيل موعده أكثر من مرة، وحتى في سعيها الحثيث إلى استقطاب المعارضة لهذا المؤتمر، وأخيرا تحجيم طموحاتها المرجوة منه، كما أن روسيا تعرف حدود قدراتها الاقتصادية ما يعني أنها من دون دعم دولي ستأخذ بلدا مدمّرا لا تستطيع أن تستفيد منه ولا أن تفيده.

نلاحظ هنا أن المحاولة الروسية لعقد مؤتمر سوتشي لفرضه كمسار تفاوضي بديل عن جنيف، اضطرتها إلى التنازل لتركيا بخصوص عمليتها في عفرين، وهو أمر سيتيح لتركيا تعظيم دورها في سوريا، على حساب إيران بالطبع، الشريك الأساسي للنظام، وحليف روسيا الأول في المنطقة.

أيضا، هذا اضطرها إلى التخلّي عن حلفائها الأكراد بطريقة مخجلة، ومن ثم إلى الرضوخ لموقف الولايات المتحدة، بشأن عقد المؤتمر لمرة واحدة، وأن تصدر عنه فقط مجرد توصيات، وأن يؤكد أن المسار التفاوضي الوحيد هو ذلك الذي يجري في جنيف، في ظل مرجعية القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي (2015)، بل إن روسيا صارت تستجدي الأمم المتحدة، والمبعوث الدولي ستافان دي ميستورا لمجرّد الحضور والمشاركة في المؤتمر المذكور، ما يفيد بإخفاق ذريع للسياسة والدبلوماسية الروسيتين، وما يفيد بأنّ القوة الروسية العسكرية مجرّد قوة حمقاء غير عاقلة ولا يمكن التعويل على الاستثمار فيها.

ما ينبغي ملاحظته، أيضاً، أن إخفاق المسعى الروسي من مؤتمر سوتشي جاء بعد تحوّلات لافتة في الموقف الأميركي، تفيد باستعداد للانخراط المباشر السياسي والميداني في الصراع السوري، وهو ما تمّ التصريح عنه في شأن الإصرار على مسار جنيف كمسار تفاوضي وحيد لحلّ الصراع السوري، وأن لا دعم لإعمار البلد قبل تحقيق الانتقال السياسي، مع رصد مبالغ كبيرة لدعم فصائل المعارضة السورية، وإقامة العديد من القواعد العسكرية في شمال وشرق سوريا.

ناهيك عن منطقة خفض التصعيد في جنوبي سوريا. ومعلوم أنّ هذا الموقف الأميركي بات له حاضنة دولية أيضاً، وهو ما تمّ التعبير عنه في التوافق في باريس (25 يناير) على “لا ورقة” مع وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا والسعودية والأردن، تتضمن ما يمكن اعتباره بمثابة خارطة طريق للشروع في تحقيق الانتقال السياسي في سوريا، وإقفال الحدود أمام ميليشيات إيران، التي تمرّ من طهران إلى لبنان عبر سوريا والعراق.

على ذلك فإن رفض المعارضة السورية المشاركة في مهرجان سوتشي كان موفّقا ومناسبا، ليس لأن روسيا شريكة للنظام فقط وتريد خلق مسارات للتهرب من مفاوضات جنيف ومرجعيتها الدولية، وإنما أيضا لأنها تتلاعب بالقضية السورية وتريد جعلها مجرّد ورقة مساومة مع الولايات المتحدة لتعزيز مكانتها الدولية والإقليمية. وما يؤكد ذلك أنها لم تضغط على النظام في أي شيء، كما تبين من اجتماعات فيينا، وأن كل همها يتركز على تعويمه.

في كل الأحوال لن تخسر المعارضة شيئاً مع عدم حضورها المؤتمر المذكور، الذي يتم التحضير له بحيث يكون مجرد مهرجان للخطابة والتصفيق أو مسرحية عبثية، لا معنى ولا جدوى منها، فمن الذي سيختار الـ1600 شخصية من المدعوين؟ وكيف؟ وما الذي يمكن لهؤلاء أن يفعلوه في يوم أو في عشرة أيام، هذا أولا. ثانيا، ليس لهذا الاجتماع/ المهرجان أي تغطية سياسية دولية، وهو لا يستند للمرجعية الدولية، التي هي مهمة جدا للمعارضة للتغطية على ضعفها في موازين القوى إزاء النظام وحلفائه. ثالثا مشاركة المعارضة في المؤتمر ستؤدي إلى تقويض ما تبقى من مصداقيتها، والمزيد من الخلافات في صفوفها وتوسيع الفجوة بينها وبين شعبها، لذا لا جدوى ولا فائدة من المشاركة فيه، فثمة مسار جنيف التفاوضي وهو يكفي.

السؤل الآن، على ضوء كل ما تقدّم، إلى روسيا، فإذا كانت تريد مؤتمرا في سوتشي وفق مواصفاتها ومواصفات النظام، إذن ما شأنها بحضور المعارضة أو بعدم حضورها؟ والمعنى أن روسيا تستطيع أن تجلب “المعارضات” التي ترضى عنها، وتجلب ما تريد من الموالين للنظام، بمعزل عن تلك المعارضة التي تحاربها، ليتفاوضوا في ما بينهم بسلام ووئام، حول رؤيتهم لشكل سوريا القادمة، وبعد ذلك لكل حادث حديث، إذ لا معنى لمحاولاتها العبثية الدؤوبة تمييع المعارضة بفرض أشخاص موالين للنظام، أو لا يعدّون أنفسهم حقا على المعارضة.

وبغض النظر عن مؤتمر سوتشي أو غيره، ففي الحقيقة لم تجر ولا مرة عملية مفاوضات، طوال السنوات الماضية، ولم يجلس وفد النظام مقابل وفد المعارضة، لا في جولات مفاوضات جنيف ولا في جولات مفاوضات أستانة، فكل ما جرى مجرد مسرحية مفاوضات، علما أنه حتى المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، كان الطرفان يجلسان ويتفاوضان وجها لوجه.

واضح من ذلك أن روسيا تتساوق مع النظام بتلاعبها بالمعارضة بعملية المفاوضات وبمحاولاتها لإذلال السوريين، لذا من الجيّد أن المعارضة السورية فوّتت هذه اللعبة العبثية غير المجدية.

شاهد أيضاً

حازم الأمين: «غارة على مطار حماة»

حازم الأمين- الحياة يوم الجمعة الفائت تم تداول خبر مفاده أن طائرات إسرائيلية نفذت غارات …