رضوان زيادة: السياسة الأميركية في سوريا اليوم

 

رضوان زيادة – الحياة

كشف وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، وأمام معهد هوفر في جامعة ستانفورد، يوم الأربعاء 17 كانون الثاني (يناير) الماضي ما أسماه سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا. لا بد أن نعترف بأن الخطاب الذي استمر ما يقارب الأربعين دقيقة اتصف بالشمول وبالوقت ذاته بالدخول في تشعبات الأزمة السورية وتعقيداتها التي تقترب من إتمام عامها السابع في شهر آذار (مارس) المقبل.

لكن يمكن القول إن خلاصة خطاب تيلرسون يتخلص في إعلان الولايات المتحدة وعلى لسان وزير خارجيتها بعد أن أعلن ذلك وزير الدفاع ماتيس أن الولايات المتحدة لن تسحب وجودها العسكري من سوريا، فهو كما ذكر في خطابه لقد تعلمت الولايات المتحدة الدرس من العراق بأن الانسحاب المبكر قبل وجود حكومة شرعية ومستقرة قد يدفع البلد إلى الفوضى واللااستقرار بما يمكن جماعات أصولية ومتطرفة من استغلال الوضع وبناء موطئ قدم لها هناك على غرار ما حصل في عام 2013 عندما تمكن «داعش» من استغلال انسحاب القوات الأميركية من العراق وإعلان خلافتها المزعومة من الموصل التي سيطرت عليها خلال وقت قصير جداً.

إذاً، يمكن القول إن وزارة الخارجية الأميركية أرادت تأكيد موقفها، في شأن عدم انسحاب قواتها من شمال شرقي سوريا والقواعد العسكرية التي ساعدت من خلالها «قوات سوريا الديموقراطية»، في القضاء على «داعش» حتى الوصول إلى الرقة التي باتت اليوم تحت سيطرة مطلقة لما يسمى المجلس المحلي المدني الذي تهيمن على قراراته قوات الحماية الكردية التي تبدو اليوم تحت ضغط شديد بسبب العملية العسكرية التركية لطردها من مدينتي عفرين ومنبج.

حدد وزير الخارجية الأميركي أهداف السياسة الجديدة لبلاده في سوريا بخمسة مبادئ: الأول بعد هزيمة «داعش» في سوريا يجب أن تعمل الولايات المتحدة على أن لا يمثل كل من «داعش» أو «القاعدة» أي تهديد محتمل على الأرض الأميركية، ويجب أن نكون حذرين بأن لا يظهر «القاعدة» أو «داعش» تحت مسميات أخرى بحيث تعمل على التحضير أو التجريب لهجمات محتملة ضد مواطنين أميركيين داخل الولايات المتحدة أو خارجها أو ضد حلفاء الولايات المتحدة.

ثانياً: إن الصراع بين نظام الأسد وبين الشعب السوري يجب أن يحل عبر عملية سياسية بقيادة الأمم المتحدة كما هو مذكور في قرار مجلس الأمن 2254 بحيث يقود إلى سوريا موحدة، مستقرة ومستقلة تحت قيادة جديدة ما بعد الأسد.

ثالثاً، يجب أن يتم القضاء على التأثير الإيراني في سوريا، ومنع إيران من تشكيل قوس الشمال الذي يربط سوريا بالعراق بلبنان، وفي الوقت ذاته يجب أن يتمتع كل جيران سوريا الإقليميين بالاستقرار والأمان وانعدام كل التهديدات التي يمكن أن تأتي عبر سوريا. رابعاً، يجب خلق الظروف المناسبة من أجل عودة اللاجئين والنازحين وفي شكل طوعي إلى سوريا. خامساً، سوريا يجب أن تكون خالية تماماً من أسلحة الدمار الشامل.

هذه الأهداف تبدو متقاربة تماماً مع ما دعت إليه المعارضة السورية مراراً وتكراراً، ولذلك يبدو السؤال هنا هل قدم الوزير تيلرسون في كلمته الشاملة هذه التي صرفت وقتاً طويلاً في الحديث عن بدايات الاحتجاجات السلمية في سوريا وكيف قمعها النظام بشراسة وأدخلت سوريا في النهاية في أسوأ كارثة إنسانية يشهدها العالم اليوم، هل قدم الوزير خطوات عملية تشرح كيف يمكن الولايات المتحدة تحقيق هذه الأهداف الخمسة السابقة الذكر، إن تحقيق ذلك يتطلب تعاوناً حتمياً من جانب البنتاغون وهو ما لم يشر إليه تيلرسون في أي شكل من الأشكال، بمعنى دعم تيلرسون قرار البنتاغون إبقاء القوات العسكرية الأميركية في سوريا لكنه لم يذكر كيف سيكون دور هذه القوات في ما يتعلق بتحقيق حلم السوريين في بزوغ قيادة جديدة ما بعد الأسد، وكيف ستساهم هذه القوات في ضمان عودة اللاجئين والنازحين إلى قراهم ومدنهم المدمرة في سوريا، والأهم من ذلك هو كيف سيكون موقف هذه القوات من تقدم الميليشيات الإيرانية والميليشيات المدعومة منها كـ «حزب الله» والميليشيات العراقية في كل من ريف حلب وريف حماة، وهل ستقوم بدعم مباشر للجيش السوري لمنع تقدم هذه القوات بما يعنيه ذلك اصطدام مباشر بين القوات الأميركية وقوات النظام السوري.

في الحقيقة، لم يكشف الوزير عن أية تفاصيل في ما يتعلق بالخطوات العملية لتحقيق هذه الرؤية، وبالتالي يمكن القول أن هذه الخطة الشاملة تبقى إطاراً عاماً إذا لم يتم تنفيذها على الأرض في ظل تصاعد الوجود العسكري الروسي والإيراني وهو ما يدفعنا إلى القول ببساطة أن خطاب تيلرسون يحتاج إلى مكمل أو خطاب آخر من جانب وزير الدفاع ماتيس يشرح لنا كيف يمكن ضمان تحقيق هذه الأهداف الخمسة السابقة.

شكل خطاب تيلرسون عودة ولو جزئية للسياسة الأميركية في سوريا، إذ لا يمكننا إغفال الفوضى التي تتصف بها إدراة ترامب اليوم داخلياً والتي تعصف بالإدارات والوكالات الحكومية المختلفة، ولذلك كانت السياسة الخارجية خلال عهد ترامب تتصف برد الفعل وانعدام التخطيط السياسي البعيد المدى كما اعتاد عليه مراقبو السياسة الأميركية من الخارج.

لقد قرر ترامب قصف مطار الشعيرات بعد استخدام نظام الأسد السلاح الكيماوي في بلدة خان شيحون في إدلب، في خطوة مختلفة تماماً عن الرئيس السابق أوباما الذي حدد استخدام السلاح الكيماوي كخط أحمر لكنه لم يف بتعهده وهو ما أنهى صدقية السياسة الأميركية في سوريا تماماً، لكن الرئيس ترامب تصرف بشكل مغاير وقام بتوجيه عدة صواريخ توماهوك إلى مطار الشعيرات لكن هذه الضربة كانت لمرة واحدة فقط، وبعدها لم تنشط السياسة الأميركية لا على المستوى العسكري لتحقيق أهدافها في سوريا ما عدا التخلص من «داعش» أو حتى على المستوى السياسي لتشديد الضغوط الديبلوماسية على نظام الأسد للمحاسبة على استخدامه السلاح الكيماوي ضد المدنيين في خان شيحون.

ولذلك كان السوريون يتوقعون أكثر من خطاب يكشف سياسة جديدة – قديمة، وهو على ما يبدو يظهر أن الولايات المتحدة ما زالت غير مستعدة للمضي خطوة أخرى باتجاه إنهاء معاناة السوريين الطويلة الأمد.

شاهد أيضاً

د. رياض نعسان آغا: ماذا بعد الضربة؟

  د. رياض نعسان آغا – الاتحاد يتفاءل بعض المحللين بأن يكون التفاهم الروسي الأميركي …