د. محمد حبش: صناعة الإرهاب قراءة في النسخة الأمريكية

1

د. محمد حبش – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م

مع أنني لا أنكر ان ثقافة الكراهية موجودة في تراثنا وأن مناهجنا تتحمل جزءا هاماً من أسباب التطرف، ومع أنني لا أنكر أن كثيراً من خطابنا الديني الوعظي التفليدي طافح باحتكار الخلاص واحتكار الجنة واستعداء الأمم، ولكن ظهور التطرف وتفاقمه له أسباب أكثر إلحاحاُ لا يمكن تجاهلها أيضاً.

لقد كتبت أكثر من ألف مقال في مواجهة التطرف تفكيراً وتكفيراً وتفجيراً، وأشرت مراراً إلى الجذور الأصول المؤسسة للإرهاب في تراثه الثقافي والاجتماعي، ولا أعتقد انني تركت مورداً ما في التراث الإسلامي أو فقيهاً متشدداً او فتوى تكفيرية يمكن أن يتسلل منه التطرف إلا ناقشتها وتحدثت عن أثرها في ولادة التطرف.

ولكن مؤسسي الارهاب الحقيقيين يقيمون في مكان آخر، وهم ليسوا بالضرورة من خريجي تورا بورا ووزيرستان، ولم يكونوا في الرقة او الموصل، ولا يلبسون الجلابية الافغانية ولا الكوفية السعودية ولا يطلقون لحى طويلة ولا يصرخون بملء افواههم لقتال المشركين، إنهم هذه المرة رجال أنيقون يلبسون الكرافتة الحمراء ويتصدرون منصات البيت الأبيض ويطلون على الإعلام كل يوم.

مايكل فلين مستشار الرئيس ترامب وأحد أعمدة حملته الانتخابية يتحدث في مشهد مصور ومتلفز عن رؤيته النهائية للإسلام بوصفه عدواً تاريخياً حتمياً للحضارة والحياة والتطور والحداثة وأن ليس أمام هذه الحضارة الحديثة من خيار إلا محاربة هذا السرطان الإسلامي الخبيث واستئصاله مهما كلف الأمر.

وحتى لا نفرط في الوهم ونظن أن الرجل يقصد المتطرفين الإسلاميين وداعش والنصرة والقاعدة وحزب الله والحرس الثوري الإيراني فإن الرجل يوضح تماما عدد المسلمين الذين يجب ان يستهدفوا بالاستئصال وهم مليار وسبعمائة مليون مسلم!! وبنفس الروح الحاقدة يخاطب مستمعيه فيقول: لقد سالوني هل ستحاربون ربع العالم؟ وجوابي نعم بالطبع! لقد فعلناها ضد الشيوعية وضد النازية واليوم سنفعلها صد الإسلام، ولا يوجد أمام المسلمين من سبيل إلا التبرؤ من دينهم واستئصال هذا الورم السرطاني الخبيث ليتمكنوا من العيش معنا بسلام!

وفي تصريح آخر يقول فلين مستحيل لمجتمع يعيش وفق نص القرآن أن يكون مجتمعاً طيباً ومتسامحاً، إنه عدواني بالمطلق!

وفي ظلال تصريحات واضحة كهذه محفوظة بالصوت والصورة ويمكن الاطلاع عليها عبر اليوتيوب مباشرة من النص الانكليزي وبصوت الرجل نفسه، وقد كان لا زال في موقع المسؤولية والقرار، ما الذي يمكن أن نتوقعه من شباب غاضب مظلوم يسمع باذنيه هذه التهديدات العلنية على منبر البيت الأبيض، وقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر!.

إنها التصريحات التي أدت مباشرة لخلق تنظيم القاعدة، وهي بالطبع ليست إلا الصورة نفسها التي نسجها النظام ببراميله وطائراته وهو (يكنس) الإرهاب في المدن والقرى السورية، وهو الرقم نفسه تقريباً الذي حدده النظام السوري بوضوح للسرطان الإرهابي الذي يسكن عقول السوريين، وقد حدد عددهم أيضاً بانهم عدة ملايين من السوريين يجب القضاء عليهم … وهذا بالضبط ما قام بفعله!!

إرهاب داعش والقاعدة والنصرة ليس من صناعة أحمد بن حنبل ولا هو نتاج فتاوى ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وإن كانت هذه الفتاوى قد ساهمت في قيامه، ولكن علينا أن نتعرف بدقة الى صانعي الإرهاب من مستشاري الأمن القومي الأمريكي والروسي الذين يتخصصون بمكافحة الارهاب ويقومون بصب الزيت على النار وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.

أما نحن البائسون الذين نكتب ليل نهار في إخاء الأديان وكرامة الإديان وتحالف الحضارات فما عسى أن نكتب لهؤلاء الغاضبين الذين وجدوا في هذه التصريحات وقوداً لاهباً لإشعال ريح الكراهية والحرب والبغضاء.

قد يكون في الخطاب الإسلامي ما ينشر الكراهية وقد يكون فقهاء المسلمين لم ينجحوا في عرض دينهم بالصورة المقنعة في العالم وأنا شخصيا أميل إلى ان العالم يعيش واقع اهل الفترة الذي يرفع الله فيه التكليف عن الناس بسبب غياب البرهان والحجة البالغة، فالحساب لا يكون إلا عندما تكتمل الحجة وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً، ولكن ذلك كله لا يعذر رجلا يقود الجهاز الأمني في أقوى دولة في العالم ان يصرح باستراتيجية مشؤومة تعلن الحرب على ربع سكان الكوكب بهذه النظرة السوداوية اللئيمة الكاشرة.

هل ستحاكم أمريكا هذه التصريحات المجنونة؟

بالتأكيد كان يمكن أن يحاسب مسؤول مجنون كهذا في أمريكا لو أنه وصلت في اليوم التالي للتصريحات اعتراضات مختلفة من 57 سفارة إسلامية في واشنظن، تطالب بتفسيرات وتبريرات لما قدمه مستشار الرئيس للأمن القومي! مصحوبة بمواقف تليق بالكرامة والندية والمساواة وأقلها تحفيض التمثيل والتلويح بوقف برامج النشاط والتعاون، ووقف منح الفيز للامريكيين إلى هذه البلدان المسلمة حفاظاً على أمنها القومي الذي تهدده مباشرة هذه التصريحات المجنونة!

كان يمكن أن يحاكم فلين في المحاكم الفيدرالية الأمريكية لو وضعت الهيئات الحقوقية المرخصة في أمريكا على منصة القضاء بلاغات اتهام ضد موقف طائش يمثل خرقاً مباشراً لوثيقة الاستقلال الأمريكي وإعلان حقوق الإنسان وقيم الدستور الأمريكي.

إنه النضال الحقوقي والدبلوماسي الذي يمكنه أن يساعد في وقف حملات الحرب هذه، ويمنع تورط السلاح الأمريكي في حروب جديدة في هذا العالم المنكوب.

لا نحتاج إلى غضب شعبي ماحق يخرج فيه الآلاف يملؤون الشوارع هاتفين يغضبون غضبة مضرية تهتك حجاب الشمس او تمطر الدما، ولا نحتاج إلى فدائيين يلقنون الغطرسة الغربية درساً لا تنساه، بل غاية ما تحتاجه سلسلة خطابات عاقلة مكتوبة بصيع دبلوماسية تستند إلى القانون الدولي وتذكر الولايات المتحدة بقيمها، وتربط بشكل واضح بين تصريحات طائشة كهذه وبين ولادة الإرهاب الذي تزعم امريكا أنها تحاربه.

إن إطلاق تصريحات كهذه هي بالضبط لغة الزيت والنار التي وصفها القرآن الكريم بقوله كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفاها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين.

(Visited 1 times, 1 visits today)

Comments are closed.