مصطفى تاج الدين الموسى: من أجل مشاعر أخي الصغير

 

مصطفى تاج الدين الموسى – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م

انتبهتُ لهذا منذ أن كنا أطفالاً صغاراً، قدرتي على تحمل الألم جيدة، عكس أخي الذي يصغرني بخمس سنوات، لهذا كنتُ دائماً في حياتنا اليومية، أشرح له الأشياء المؤلمة بشكلٍ لطيف خوفاً على مشاعره.

عندما بدأتْ الحرب منذ سنوات، كنا: أبي وأخي الصغير وأنا في سوق المدينة عندما سقطتْ علينا قذيفة، نزف أبي وقتها كثيراً، أسرعتُ إلى أخي والتقطتُ وجهه بين كفيّ، لم أخبره أن والدنا سوف يموت، قلتُ له: انتبه، والدك سوف يتحول الآن إلى حلمٍ جميل، وسوف يزورنا كل ليلة أثناء نومنا..

وفعلاً، أبي لم يقصر، صار يزورنا في أحلامنا مجرد أن ننام.

بعد أشهر أصيبتْ أمي برصاصة قناص في كتفها، ركضتُ إلى أخي وحصرتُ وجهه بين كفيّ حتى لا ينتبه لأمي وهي تموت، همستُ له بثقة: أيضاً أمنا سوف تتحول إلى حلمٍ جميل، وسوف تشاهده كلّ ليلة وتكون سعيداً به.

في السنة الثانية للحرب، جارنا الحانوتي العجوز محمود تمدد تحت أنقاض بيته بعد قصفه، شرحتُ فوراً لأخي: العجوز محمود سوف يصير هو الآخر حلماً جميلاً، سوف يزورنا في أحلام نومنا كلّ ليلة، ولأنه سوف يصير حلماً جميلاً لن يطالبنا بثمن علبة السجائر التي أخذناها منه ووعدناه بثمنها قريباً، إنما في أحلامنا سوف يأتي ليدفع لنا أرجوحة العيد كما كان يفعل في طفولتنا، لقد صار حلماً جميلاً..

ثمّ انفجرتْ سيارة مفخخة جانب بيت سماهر، تلك الفتاة الجميلة التي أحببناها أنا وأخي معاً، أعتقد أنها أحبت أخي فقط، جسدها كان ملطخاً بالدماء.

قلتُ لأخي الصغير خوفاً على مشاعره: لا تقلق، سماهر تحولتْ إلى حلمٍ جميل، منذ الآن سوف تزورك في نومك، أنا لن تزورني في نومي لأنها كانت تحبك فقط.. نيالك يا دب.

أنا أستطيع احتمال الألم، لكن أخي الصغير لن يستطيع احتمال أيّ ألم، لهذا كنتُ أقنعه خلال هذه الحرب أن أولئك القتلى لم يموتوا وإنما تحولوا لأحلام حلوة فقط.

خلال سنوات الحرب، وبأسلحة مختلفة، أصيب ونزف عدد كبير من معارفنا وأهل حارتنا. وحيد الأعرج، الحاجة فاطمة، حميد بائع الفول، قاسم المسطول، خالتنا أم خالد، عامر وعبدالله ولبنى.

وفي كلّ مرّة أسرع إلى أخي، وحتى لا ينتبه لموتهم أضع وجهي في وجهه وأشرح له بثقة كيف أن أحدهم قرر أن يصير حلماً جميلاً ليزورنا في نومنا.. حتى لا ينتبه لموتهم، إنه لا يتحمل الألم مثلي.

هذا المساء، ثمّة شيء غريب يحدثُ في بيتنا. إنه أول أيام العيد، لقد اجتمعوا كلهم هنا: أبي وأمي مع الحانوتي العجوز محمود، وسماهر الحلوة، وحيد الأعرج، الحاجة فاطمة، حميد بائع الفول، قاسم المسطول، خالتنا أم خالد، عامر وعبدالله ولبنى.. بينما أنا وأخي نراقبهم بصمت.

كلّ أولئك القتلى جلسوا معاً حول بعضهم في غرفة الضيوف، وجوههم متعبة وأصواتهم منخفضة، كنتُ مندهشاً من اجتماعهم.

حدقتُ بهم طويلاً، لم أفهم شيئاً، أخي الصغير التقط وجهي بكفيه، همس لي بأسى: أنت مؤلم كثيراً، لكن.. أنا أتحملكَ بشكلٍ جيد..

أصغيتُ لهم، تهامسوا معاً مطأطئي الرؤوس بين بعضهم، قالوا مع أبي وأمي: إنه منذ سنوات، عندما سقطتْ تلك القذيفة على السوق ونزف أبي كثيراً، كل ليلة من لياليهم، ونحن: أنا وأخي الصغير، نزورهم دائماً في أحلامهم.

شاهد أيضاً

نجم الدين سمان: حلب.. بريشة الفنان الأرمني أرميس

  نجم الدين سمان – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م كثير من الفنانين …