رزق العبي: دمشق السجن الكبير

رزق العبي – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م

لولا القليل من الأقارب والأصدقاء، وبعضٌ من الأرصفة التي عبرتها في الماضي، لظنّت “دعاء” أنها في مدينة غير الشام، فلا الوجوه شامية ولا الحارات أيضاً..

كانت على مدى سنوات وهي في مصر، غير قادرةٍ على تكوينِ صورةٍ طبقَ الأصل لما جرى ويجري في دمشق، لأن أهلها يرسلون لها الأفكار منقوصة خشية “مراقبة الخطوط” فحين كانوا يستعينون بجملة “عنّا ضيوف بالحارة” تظّن أن الأمر مجرّد تفتيشٍ لعناصر الأمن على البيوت والمحلّات، لأنهم لم يأتوا في الاتصال، على ذكر الإهانات وسَوق الشباب من رِقابهم، مطمّشين بأكياس سوداء على رؤوسهم.

حزمت “دعاء” أمتعتها وأخيراً قرّرت أن تسافر لقضاء إجازة في الشام، وعلى سبيل المفاجأة، لم تخبر أهلها (أمها وأبيها وأخواتها..) بموعد وصولها، وعند باب المطار، استقلّت “تاكسي” للوصول إلى شارع بغداد حيث منزلُ أهلها..

“كان السائقُ الذي بدى محقّقاً أكثر من سائق، دائم النظر إلّي من مرآة السيارة، كثير الأسئلة، لماذا جئت إلى هنا، متى ستعودين، كيف حال الناس هناك، لأي توجّه ينتمون؟؟”، وهنا تذكّرت دعاء وصيّة زوجها أن تحفظ لسانها حتّى مع سائق التاكسي، الذي في الغالب ما يكون عنصر أمن، وهذا ما حدث حقّاً.

وصلت إلى الحيّ الذي يسكنه أهلها، لكنّ صور القتلى على طول الطريق، أفسدت عليها لذّة امتشاق رائحة الشام في جدران حاراتها وشوارعها، وكثرة الوقوف المتكرر على حواجز التفتيش جعلت صورة دمشق المشرقة في ذهنها تتقطّع، مرّة خوفاً من اشتباه بالاسم، ومرّة اشمئزازاً من بعضِ الجُمل التي كانت تصل إلى مسمعها مع كلّ وقوفٍ على حاجزٍ ما..

“أي شو أنا جاي ع فرع أمن” قالتها “دعاء” على باب منزل أهلها، وسرعان ما أطبقت أمها على فمها وشدّتها إلى داخل البيت، ثمّ مدّت الأم رأسها إلى درج المبنى، لتطمئنّ بأنه لا أحد على الدرج، لتتأكدَ دعاء أن الخوف رهين الناس هناك في الشام.

أسبوع ونصف، أمضتها في بين أهلها، لم تكن تعلمُ أنّها ستكون للحزن والأسى واللوعة، تقول “دعاء” لم تمرّ ساعة وأنا في الشام، دون أصوات المدافع تضرب من دمشق باتجاه الغوطة، سماع أصوات الرصاص أمر عادي جدّاً، ومواكب القتلى مثل طلوع الشمس وغروبها..

تقول “دعاء” في وصفِ ما شاهدته في الشوارع: “الناس في الشام إمّا غني قبرَ الفقر، وإما فقير معدوم يعيشُ تحت رحمة السماء، أطفال يتسولون في شوارع العاصمة، ونساء تطلب المساعدة، وختايرة يبدو على وجوههم تجاعيد وقهر لم أعهده في وجه أحدٍ من قبل..”.

 

أكثرُ ما يشغلُ بال الناس هناك، تأمين لقمة العيش، ففي الشوارع تراهم على عجلة من أمرهم في تحصيل الرزق، والبعض الآخر في التقاطه من فمّ الذئب، كما تقول، وتتابع: “الدوائر الحكومية، مكتظّة بالناس، وهناكَ يلعب السماسرة دوراً في إفراغ الجيوب، نظراً للحاجة الماسّة وسوط طوابير الانتظار..

تقول “دعاء” إن الطوابير غالباً ما يعكّر انتظامها، دورية أمنٍ تأتي بناءً على اتصال من داخل الدائرة، وإبلاغهم بأن مشتبهاً به يقف في الخارج يريدُ الحصول على أوراق بقصد السفر.. ليُساقَ وسط الجموع إلى سيارة الأمن، التي تحجبه فوراً عن العالم الخارجي، وسط إهاناتٍ وضرب مبرّح وما يدعو للذهول، عدم اكتراث الناس بالشاب، “سألتُ إحدى النساء، فقالت: اعتدنا على ذلك يومياً، حتى صار الأمر أقلّ من عادي”، والكلام لـ “دعاء”.

إذا فكّرتَ أن تمشي في الشام، تراها فارغة من مضمونها، رغم أنها مكتظّة بالسكّان، شوارع وحارات ومحال تجارية كلّها مكتظّة، لكن لا شيئ يشيه الشام، في دمشق تجدُ غرباءَ كُثُر، غير أولئك الذين كنتَ تراهم من قبل، وترى رايات وأعلام، وشعارات.. لا يمكنُ أن تعبرَ شارعاً دون أن ترى بذّاتٍ عسكرية، إما معلّقة على أبواب المحال أو يرتديها شبانُ العسكر الذين حوّلوا دمشق إلى سجنٍ كبير.

تضيف: في الشام ترى شبّاناً يافعين، مخصورين بمسدّس، وبعضُهم مخصور بقنبلة يدوية، وذقن كثيف، وصلعان الرؤوس، وهم وجوه يتحاشاهم أهل الشام حين يخرجون إلى الشوارع، لأنهم أصحاب الكلمة العليا، وأصحاب الأمر والنهي، وأغلقة المحال، مطلية بعلم الجمهورية العربية، الذي باتَ يرمزُ إلى النظام وحده، لا إلى سوريا ككلّ..

تحدّثنا “دعاء” بكل وضوح عن أحاديث النساء في الشام فتقول: “تغيّر حتى أحاديث النساء وجلساتهنّ، فأصبحن يتحدّثن عن كثرة الفجور، وكثرة الانحلال الأخلاقي الذي يبدو واضحاً من خلال اللباس والعادات التي لم تكن مألوفةً في الشام من ذي قبل، وتتحدّث النساء عن أنّ الحاجة للمال بعد غياب الزوج، دفعت بالكثير من النساء للانحراف، أي بصريح العبارة، لتحصيل لقمة العيش، بالعلاقات غير المشبوهة، والتي غالباً ما تكون مع عنصر أمن أو عسكري على الحاجز، لتسهيل تأمين متطلبات الحياة”.

يأتي موعدُ المغادرة، وتغربُ شمسُ العطلة، التي تركت في ذهنِ “دعاء” صورة دمشق الحالية، صورةً ما فيها سوى الخوف والرعب، والمجتمع المتفسّخ بكلّ مضامينه، وتصبح دمشق التي عرفتها وعاشت فيها، من الماضي، قصصاً وحكايات، لم يبقَ منها سوى القليل، فحتّى ساحة الجامع الأموي، باتت ملطّخة بالطائفية والوجوه الغريبة كما تقول.

 

شاهد أيضاً

فرات نجيب: دود الخلّ منّا وفينا

    فرات نجيب – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م كتَبجِيّة: أغلبُ …