سما حسن: ماذا لو عادت الحرب؟

 

سما حسن – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م

وضعت ابنتي الصغيرة رأسها على صدري وقالت لي بصوت مرتجف أنها تخشى أن تعود الحرب ثانية، والحقيقة أنها تخشى أن تعود الحرب للمرة الرابعة على غزة، سرحت قليلاً قبل أن أجيبها وأضمها إلى صدري وأطمئنها بأنها لن تعود، ولو عادت فسوف نكون معاً وننجو معاً كما المرات السابقة.

اطمأنت الصغيرة وأراحت رأسها على صدري وذهبت في إغفاءة طويلة وكأنها كانت بحاجة لأن تسمع هذه الكلمات مني لكي تنام، وسرحت أنا في سؤالها: ماذا لو عادت الحرب؟

السؤال لوحده يبدو مرعباً بقدر الرعب الذي حل بي كأم حين عشت ثلاثة حروب، نظرت إلى خزانة الملابس المكدسة وفكرت بأن الحرب لو جاءت واضطررنا للهرب من البيت ونحن نعرف أن لا عودة إليه، أي ملابس سوف أحمل معي وأي ملابس سوف أترك، سيكون هناك إنذاراً لا يكفي لحمل الملابس ولكن ماذا لو كان هناك بعض الوقت كأن تضرب غارة البيوت المجاورة وتغادر الطائرات المكان،وأصبح في حالة ترقب  لغارة جديدة، نظرت إلى الخزانة وتركز نظري نحو الرف العلوي حيث يستقر فستان زفافي وتساءلت: هل أحمل الذكريات؟ بالقطع هي ذكريات مؤلمة ولست أدري حتى الآن ؟ لماذا احتفظ بفستان زفافي منذ أكثر من ربع قرن في نفس المكان، هل أنا أحتفظ بأحلامي التي دفنتها مع زواج فاشل؟ وكلما رأيت الفستان أتنهد وأغلق رف الخزانة، إذن لا حاجة لأن أحمله، ويجب أن احمل ملابس الخروج وملابس ثقيلة للبرد وملابس داخلية، كل ذلك في حقيبة صغيرة، التفت نحو أولادي وكدت أن أخبرهم بمخططي وهو أن يحمل كل واحد حقيبة صغيرة بها الملابس التي أشرت إليها بخصوصي.

ماذا لو عادت الحرب؟ تنهدت وحبست دمعة فالحرب لو عادت لن أكون بكل الخوف والرعب الذي كنت عليه في الحروب السابقة لأني كنت أخاف على أبي، وأبي قد رحل عن الدنيا، كان أبي يرفض الخروج من بيته الذي يقع بعيدا عن بيتي مع أطفالي،ويصر أن يبقى فيه رغم أنه يقع على مرمى نيران المدفعيات على حدود المدينة، وكنت أخاف عليه وأبكي وأخاف عليه وعلى أولادي خوفاً يجعلني على وشك الموت فقلبي يتواثب في صدري على الدوام ولا يتوقف لحظة حين أسمع قصفاً من بعيد أو أرى بعيني قصفاً من قريب حيث تنهار البيوت وتشتعل النيران.

إذن لن أخاف على أبي، وسيبقى خوف قلبي محتملاً مثل خوف أي إنسان في هذا البلد، لن يكون مضاعفاً ينوء به صدري، أحبس دمعة وأتخيل أبي لو ظل على قيد الحياة وعشنا سوياً أهوال حرب جديدة، دعواته ولهاث لسانه بالآيات القرآنية لكي يحفظنا الله، حمدت الله أني أحفظ كل الآيات التي كان يرددها ليحفظ الله العيال والبيت وما حوى.

تنهدت وتلفت حولي في أرجاء بيتي الصغير الذي بنيته كما يقولون ” طوبة طوبة” وتساءلت: ماذا لو عادت الحرب؟ الوحش الذي ينتظر من بعيد لكي يسطو على ما كونته خلال سنوات طويلة مرهقة، فيحيله ركاماً ودماراً في لحظات، نظرت إلى قطع الأثاث وتذكرت مشاريع صغيرة قمت بها لكي اشتريه، نظرت لآنية خزفية أهدتني إياها أمي وانكسرت حافتها في الحرب الأخيرة حين سقطت أرضاً، ورغم أن البعض يحذر من الاحتفاظ بالتحف المشروخة في البيوت كنذير شؤم إلا أنني لا زلت أحتفظ بها لأنها تحمل رائحة أمي، وكلما نظرت إليها أتذكر أمي وأتذكر يوم وقعت، ولدي حدساً داخلياً لا يكذب أن قصفاً مجاوراً سيقع ويهشمها تماماً.

تنهدت وأنا اعترف بأننا أصبحنا موعودين بالموت، والحرب لا تبقي ولا تذر، فلا تبقي على أحلام ولا ذكريات، تخيلت القادة الكبار حين يأمرون بإطلاق الصواريخ ورمي القذائف نحو بيوت الآمنين، تخيلتهم قد تجردوا من مشاعرهم، لأنهم لو امتلكوا شيئاَ منها لما جردوا الآمنين من ذكرياتهم وأحلامهم وغدهم الذي ينتظرون.

التفت إلى صغيرتي الذي غابت في نوم عميق، وتمنيت لو غبت مثلها في غيبوبة طويلة تجعلني لا أفكر بأيام قادمة تحمل حرباَ جديدة، وضحكت بيني وبين نفسي لأن لا يوم يخلو من أخبار الموت والدمار منذ أن حلت لعنة الحرب على هذا البلد، مددت بصري وتخيلت أخواتي الأمهات في بلاد العرب الذين عانوا مثلي من الحروب، أمهات سوريات وعراقيات مثلاً، تخيلتهن يمتلكن نفس مخاوفي، وربما كثيرات منهن يطمئن صغارهن بأن الحرب لن تعود، ولكن كل واحدة فيهن تكذب، مثلما كذبت أنا على الصغيرة حتى نامت.

التوقيع

أم خائفة من  عودة الحرب

شاهد أيضاً

ما سر ولع وتعلق (النمر) بشابين صغيرين ضعيفي البنية؟

  يشكل المدخل للحديث عن “آل الطبل” مثار حيرة لمن يتتبع سيرة هذه العائلة.. أيبدأ …