أمان السيد: موت السوريّ

أمان السيد – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م

  ” معبر إلى روح صخر الحاج حسين صديقي السوري الفيسبوكي”.

في المنافي يتساقط السوريون معرّين من الحب، ومن التراب الذي نبتوا منه مرة، وأسروا عنه مرة، ثم أكرهوه على رفضهم في مثواهم الأخير.

الوطن ذاك اللغز الحائر العصيّ المبهم الوديع تارة كحمل صغير، والجبار المتسلط تارة كمارد يعشق سفك الدماء، ونفي أبنائه، يظل أنشودتهم التي يدفنون تراتيلها في صدورهم نواحا صامتا لا يلبث أن يغدو نشيجا يصل إليه، لكنه يصمّ أذنيه غير مبال.

فقدنا الوطن، فحقدنا، ليس ذاك الحقد المتفق على مضمونه، بل الحقد الأشهب المخلوط بصفرة الحرمان ودماء المسفوكين، ورائحة التراب المجبولة بالدمع وبالسخط وبالإكراه، حُمّلنا أكثر مما نستطيعه من الألم، ُصرفنا عن الحقد على المصدر الأساسي لذلك القهر، إلى أن نصب الغضب على الوطن، فاستوعبَنا الوطن، واحتوانا.

ألا يقولون: اسكت إن لم تستطع الرد، ففي الصمت بلاغة الجواب والحضور. هكذا الوطن قد فعل، وهو يرانا نخلف فيه سخطنا، نحمله دفاتر شقائنا، وغربتنا واغترابنا، وصدمات رحيلنا، وأمراضنا المستعصية، لم نقدر على الجلاد الذي تكالبت الدنيا بشراسة لنصرته، وتدميرنا، فانهلنا على الوطن نلومه، ونعاتبه، ونتجاوز كل الحدود في سكب القهر والبلاء، وهو يسكّن ثورتنا بيد تحنو كيد أب، أو أم، أو حكيم راشد أدرك أن تلاميذه قد ثُوّهوا، فتاهوا، أو استبد بهم الأسى والظلم فضيعوا البوصلة، فأضاء من بعيد لهم منارة صامدة أبدا في صخب الموج وصليل الصخور، وأرق البحر للسفن التي تراها تتجه إلى الميناء بعد ضلال.

وألم يقولوا لا تتخفّ من الموت فهو لاحقك أينما كنت، لا تتشبث ببرج عال، ولا قلعة عنيدة، استسلم له فقط، وافرح في سرك إن وُجد لك متران في أي تراب يقبلك مثوى أخيرا، فأنت السوري المغرّب، والمدلوق في ساحات التشرد بعد أن نزفت أرضك، وبعد أن طفا منها الرحب بالجثث وبالمقابر، وقد أنسوها أنك هربت إلى الحياة لعلك تغرس غرسا نقيا في مكان أبعد من أن تطاله يد القتل وخنق الألسنة في الأفواه، وطمر النبض في القلوب، تغرس وأنت تحلم أن البذور التي سترعاها ستجمعها في ملاءة بيضاء ستنثرها في أرضك عندما تعود قريبا.

تعود، وقريبا؟ أوما تزال تحلم بالعودة وتخبئ لها أزاهيرك وبذورك وتراتيلك، وها أنت حين تموت، تموت غريبا تملأه الحسرة.

أرسلوا يخبرونك أن الوطن يرفضك. يدّعون على الوطن، ويلبسونه عباءة الجلاد والقتلة واللصوص وسراق الآمال والأشواق والحنين، الوطن الذي يدّعون أنه تنصل منك، لم يعلموا أنه كان يرسل رسائل أشواق قد طيّبها الحب بعبقه، وهيامه، واشتهائه أن يضمك ويغمرك في صدره وبين أحضانه، رسائل سرية تأتيك إلى وسادتك عندما تغمض عينيك وتستسلم للسباحة فيه، عندما تمرض، وتقترب نهاية أدركتَ نهايتها الوشيكة، يقول لك إنه بانتظارك، قد حجز لك قبرا وثيرا يتنفس رائحة أمك وأبيك، وحبو خطواتك البكر في دروبه العطشى إليك، رائحة الصبح، وعبير المساء، وعبق العجين بين يدي جدتك، ونداء ابن آوى في قريتك الوضّاءة المتراخية دلالا واشتهاء.

إنها رسائل الأسرار، ووحدها التي تنعاك سوريّا تموت في المنفى ميتة أخرى، وأنت تتلهف أن يوافق الجلادون على أن توارى في ثرى بلادك.

شاهد أيضاً

ما سر ولع وتعلق (النمر) بشابين صغيرين ضعيفي البنية؟

  يشكل المدخل للحديث عن “آل الطبل” مثار حيرة لمن يتتبع سيرة هذه العائلة.. أيبدأ …