أحمد طلب الناصر: مخلّفات داعش..  أطفال بذاكرة الخراب

أحمد طلب الناصر – مجلة رؤية سورية / ع 50 كانون الثاني 2018م

“بعد ثلاث محاولات استطعت أنا وأمي وأخي عامر وأختي الصغرى سارة تجاوز أراضي “الدولة” والوصول إلى ريف حلب، حيث بقينا ننتظر ونترقّب أخبار الحدود التركية و”الجندرمة” خاصة بعد أنباء استهداف كل من يحاول العبور إلى الأراضي التركية عبر الخندق والشريط الفاصل بيننا. بقينا ننتظر ثلاثة أسابيع حتى استطاع المهرّب التسلل بنا ثم إيصالنا إلى مدينة /نزيب/ التركية..”

وقبل أن يتابع “علي” حديثه ملأ رئتيه بشهيق عميق وكأنه أول نَفَسٍ لوليد جديد دخل اللحظة إلى الحياة.

نعم، هو حال كل من كُتب له النجاح بالفرار من جحيم “دولة الخلافة” المزعومة. و”علي” ابن مدينة ديرالزور، الفتى ذو الثلاثة عشر ربيعاً وأخواه اللذان يصغرانه سنّاً، إضافة إلى مئات الأطفال غيرهم الذين استطاعوا الفرار من هناك، هم من أولئك السوريين المحظوظين.

فعندما يتحدثون عن تفاصيل حياتهم اليومية التي خاضوها في ظل سيطرة تنظيم الدولة على مدينتهم، يشعر المستمع وكأنه أمام لوحة “غورنيكا” لبيكاسو أو يتبادر إلى ذهنه كوميديا “دانتي” الإلهية بكل تناقضاتها.

  • التكيّف.. وانعكاس ذاكرة السواد:

من خلال المتابعة تبيّن أن معظم الداخلين من الأطفال إلى تركيا مؤخراً قدموا برفقة أمهاتهم دون آبائهم، بسبب تشديد التنظيم على الرجال وتنقلاتهم خاصة برفقة أسرهم. وقد سُجّل العديد من حالات اعتقال الرجال وتصفيتهم أحياناً بمجرد اكتشاف التنظيم نيّتهم بالهروب واللجوء إلى أراض “الكفر” و”المرتدين” و”الإلحاد”. ممّا دفع العديد من الآباء إلى تأمين أفراد أسرهم قبل التفكير جدّياً باللحاق بهم سراً أو البقاء مكرهين داخل مناطق سيطرة التنظيم حفاظاً على حيواتهم.

توزّعَ الواصلون من الأسر في المخيمات وداخل المدن الحدودية، والبعض منهم توغّل نحو المدن الداخلية لتواجد أقارب ومعارف لهم. وبعد التمركز والاستقرار (النسبي) بدأت تطفو على السطح حالات التخبّط والنكوص، إن صح التعبير، لدى بعض الأطفال، وخاصة من كانت له تجارب سابقة في مراكز داعش الدعوية أو تابعوا ما يجري في معسكرات تجنيد الفتية التابعة للتنظيم من خلال أصدقائهم أو المواقع الإلكترونية أوالأقراص المدمجة الموزّعة بكثرة بين الأطفال..
“أم حسان” واحدة من الأمهات اللواتي دخلن برفقة طفليها (حسان 9 سنوات، وصفوان 7 سنوات) إلى مدينة أورفا التركية بعد أن تركت زوجها في الداخل، تصف أول يوم لها خارج دارها المستأجرة حين توجهت برفقة ابنها “حسان” إلى (البازار) القريب لشراء الطعام وبعض الحاجيات، فتقول:
– “حين خرجت من الدار مع حسان شعرت بنظرات غريبة تصدر منه نحوي طوال فترة التجوّل، لكني لم آبه كثيراً لذلك ظنّاً مني أنه يستكشف المكان والناس، إلى أن جرّني من يدي بقوة وزجرني قائلاً: لماذا لم ترتدي اللباس الشرعي وتغطّي وجهك؟
تسمّرت في مكاني ولم أعرف بماذا أجيب، ثم تمالكت نفسي وقلت له بأني سأخبره حين نصل إلى المنزل، لكنه تابع حديثه: سيعاقبون أبي إن سمعوا بأنك خرجت بهذا الشكل أمام الغرباء!..”

ونزولاً عند رغبة ابنها، آثرت أم حسان عدم الخروج من المنزل إلا بعد ارتداء الجلباب الأسود الطويل الذي كانت ترتديه في مناطق التنظيم، والذي طوته بعد وصولها إلى أورفا، إضافة إلى غطاء الوجه..

  • “وجود أبيهم داخل أراضي داعش هو ما جعلني أساير ابني ريثما يفتح الله على زوجي ويستطيع اللحاق بنا، عندها سيتولى هو توضيح الأمور له ولأخيه..”

لم تتمكن أم حسان من تسجيل ولديها في المدرسة فور وصولهم ريثما يحصلون على بطاقات التعريف الخاصة بهم “الكيملك” لذلك قضى كل من حسان وأخيه الأصغر معظم وقتهما داخل المنزل. وأهم الأنشطة التي يقومان بها كانت متابعة وترديد أناشيد مخزّنة داخل ذاكرة “الآيباد” الذي جلباه معهما من هناك. أناشيد بعبارات جهادية حماسية من إصدارات تنظيم الدولة، يرددانها أيضاً عن ظهر قلب، وأحياناً باللا وعي، وبأوقات مختلفة من اليوم، وقبل النوم!
ولعل أهم تلك الأناشيد وأكثرها انتشاراً وتفاعلاً بين الأطفال هي: سنخوض معاركنا معهم، وصليل الصوارم، وقريباً قريباً، بالإضافة إلى نشيد باللهجة العامية بعنوان “يا عاصب الراس وينك”.

حرص التنظيم على تمكين تعاليمه وأفكاره في عقول ونفوس الأطفال من خلال الكلمات المسجّلة وخاصة الأناشيد الملحّنة لسهولة حفظها وقوة وديمومة تأثيرها، وغالباً ما تكون مرفقة بمشاهد مؤثرة تحاكي ذهنية وميول الطفل التي غالباً ما تكون على استعداد لتقبّل ما يصل إليها بدون عناء. وهنا تكمن الخطورة في العمل على تصحيح المسار وإعادته إلى الاتجاه الصحيح، حيث يعاني الأهل من التعامل مع أطفالهم وتوجيههم بسبب التخوّف من وصول ذلك إلى عناصر أمن التنظيم ممّا يجعلهم يستسلمون لرغبات أبنائهم، بل ويشجعونهم في بعض الأحيان لإبعاد الشبهات ونيل رضا جماعة التنظيم. بالتالي، يلاقي الأهالي صعوبة بالغة في إعادة تهيئة أبنائهم بعد التخلّص من وجود التنظيم أو فرارهم خارج حدود سيطرته.

أحّد الآباء الذين استطاعوا النفاذ من عيون التنظيم والعبور مع أسرته إلى تركيا بعد أن دفع الكثير من المال، كرشوى، لأحد مسؤولي التنظيم، يتذكّر كيف وصلوا إلى مدينة إسطنبول قبيل أيام معدودات من عيد الأضحى، فرغب بشراء ألبسة جديدة للعيد وتقديمها لأبنائه الأربعة. وبعد أن قدّم الألبسة فوجئ بأصغرهم (7 سنوات) يرفض ارتداء وقياس الملابس مطالباً والده بشراء الرداء الباكستاني المشابه لذلك الذي كان يرتديه في “دولة الخلافة”!

يقول الأب: “لم أشأ معارضة رغبته على الأقل ريثما يمضي الوقت ليصبح مستعداً لتقبّل التغيير، فسألت جاري السوري المقيم منذ مدة طويلة بإسطنبول عن أماكن لبيع تلك الألبسة فرافقني إلى سوق في منطقة “الفاتح” تنتشر فيه متاجر خاصة بالمتصوفة وجدنا فيها غايتنا..”

عندما جاء العيد، ارتدى “زيد” رداءه الباكستاني ثم خرج برفقة إخوته إلى الشارع يرقبون أجواء العيد وحركة الناس. كان يتمشّى بينهم بهدوء وفجأة صار ينظر باتجاههم وهو يصيح بوجوه المارة: اتّق الله.. اتّق الله! مقلّداً بذلك عمّال “الحسبة” الذين كانوا ينتشرون في الأسواق ويراقبون ألبسة وتصرفات العباد ويقتادونهم إلى السجون في مناطق سيطرة التنظيم..

  • المدارس.. تفريغ رواسب التنظيم:

بالمقارنة مع أطفال المناطق الأخرى من سوريا، لا تتخطى نسبة أطفال ديرالزور الذين قدموا إلى تركيا بعد سيطرة داعش أكثر من 5%، التحق معظمهم بالمدارس السورية الموزّعة داخل المدن التركية ومخيمات اللجوء. ومن بين أولئك الأطفال كان “علي” الذي ذكرناه في فاتحة موضوعنا..

التحق علي وأخويه بمدرسة تابعة لإحدى منظمات المجتمع المدني بمدينة غازي عينتاب، متأخرين قليلاً عن دوام بقية الطلاب. وبعد مرور أسبوع على دوامهم في تلك المدرسة اتصلت الإدارة بأم علي طالبة منها مراجعتهم لمسألة تتعلق بـ “عامر” الأخ الأوسط والذي يدرس في الصف الثالث..

حين جاءت أم علي إلى المدرسة دخلت معلمة الصف المشرفة على تعليم ابنها لتخبرها أنه لا يكف عن إيذاء زميلاته في الصف ويطلب منهنّ “التحجّب” بل ويرفض الدخول إلى الصف بسبب وجود البنات معهم، لكن المعلمة استطاعت السيطرة على الوضع وإقناع عامر بطريقة وبأخرى بأن الطالبات لا يزلن صغيرات، ووعدته بتنفيذ طلبه في المستقبل. أما السبب الرئيسي الذي استدعى طلب الوالدة هو سلوك عامر الأخير اتجاه زميل له اختلف معه حول الجلوس في المقعد، حيث فوجئت المعلمة بعامر ممسكاً بمسطرة “البلاستيك” وهجم بها على رقبة زميله وهو يصيح: “والله لأذبحك..” وصار يمرر المسطرة بعنف وكأنه يحاول قطع رأس زميله.

وأمام صدمة الأم وانهيارها لم تستطع إلا وصف ما كان يحصل في مدينتها أمام الكبير والصغير على يد عناصر التنظيم:
-“كانوا يتقصّدون قطع الرؤوس على مرأى أطفالنا، وبعدها يرمونها في الشارع ليلعبوا بها بدل كرة القدم.. فماذا تنتظرون منهم؟..”

  • والحال..

ما مررنا عليه ليس إلا جزءاً يسيراً ومكشوفاً من مسلسل طويل أبطاله الحقيقيون فتية لا يزال قسم منهم مجهول حتى اللحظة، وهو بحاجة إلى الكشف والمتابعة والإشراف على تعليمه وتثقيفه لانتشاله أولاً من براثن الوحش الذي زرعته ورعته أسوأ تركيبة بشرية مرّت على تاريخنا المعاصر، وللحفاظ ثانياً على الأجيال القادمة في تاريخنا اللاحق.

شاهد أيضاً

الحرب السورية.. واختيار الضربات الجوية

كارلا مارتينز ماكين وسوزان حنا ألين- الاتحاد  عقب تغريدته يوم الحادي عشر من أبريل بأن …