عبد الباسط سيدا: السوريون والأمل الصعب

عبد الباسط سيدا – جيرون

ما زال السوريون ينتظرون نتائج التحركات واللقاءات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية على المستويين الإقليمي والدولي. فبعد سبع سنوات من التدمير والقتل، والصفقات الغامضة بين النظام والفصائل المشبوهة المتشددة (داعش والنصرة وغيرهما)، وهي الصفقات التي كانت بهدف الربط بين الثورة السورية والإرهاب، وذلك لتسويغ دخول القوى المذهبية المدعومة من إيران مثل (حزب الله) والفصائل العراقية والأفغانية، ومن ثم دخول القوى العسكرية المتعددة الجنسيات إلى الساحات السورية تحت ستار محاربة الإرهاب، وهو الإرهاب الذي فرض على السوريين في مختلف المناطق، من دون أن تحرك مجموعة أصدقاء الشعب السوري التي زاد عددها في يوم ما عن المئة ساكنًا، بل لم تتمكن في حينه، رغم حجمها الكبير، من إصدار مجرد قرار عن مجلس الأمن يدين بصراحة  النظام على جرائمه، ويتوعده بالمساءلة والمحاسبة بموجب المواثيق الدولية المعنية، وأمام المحاكم المختصة. بل لقد انضمت دول عدة من مجموعة أصدقائنا إلى القوى الساعية اليوم من أجل تقاسم سوريا مناطق نفوذ في ما بينها، استعدادًا لصيغة جديدة من المعادلات الإقليمية والدولية التي لم تتحدد ملامحها النهائية بعد، هذا مع أن الكثير من مجاهيل المعادلات المعنية قد أصبحت معلومة، تتجسد في تحركات ميدانية، وترسيخ لقواعد عسكرية قد بدأت تظهر بصورة تدريجية هنا وهناك، وتوافق على قواعد الاشتباك مع المنافسين. ولعل هذا ما يفسّر سر الدفاع عن حليف هنا وتركه هناك. ونحن إذا أمعنا النظر، وتابعنا ما يجري من جهة توزع القوات، والقدرة على التحكّم؛ فسنجد أن التوافقات بين مختلف الأطراف واضحة بيّنة، مع بعض الاستثناءات والتباينات والمشادّات، وربما المواجهات هنا وهناك. ومن حصيلة تلك التوافقات التدخل التركي الجديد في منطقة عفرين، واستفراد الروس تحت غطاء النظام بمنطقة إدلب، بعد هيمنتهم على منطقة الساحل. هذا إلى جانب حملات النظام مع الإيرانيين والفصائل المذهبية، وبدعم مكرز من الطيران الروسي على مناطق الغوطة. فضلًا عن الجهود الأميركية في ميدان تعزيز النفوذ وتثبيته في مناطق شرقي الفرات، وشماله حتى الحدود العراقية.

أما في الجنوب السوري، فبعد ترتيب الأوضاع هناك، كما هو معلوم لدى للجميع، وذلك إثر التفاهمات التي كانت بين مختلف الجهات المعنية (روسيا، إسرائيل، الأردن، الولايات المتحدة الأميركية، إيران، النظام)، يلاحظ المرء تحركات إسرائيلية دبلوماسية وميدانية، لا يُشك بأن الهدف منها هو التأكد من إبعاد النفوذ الإيراني عن الحدود، وذلك تحسبًا  لاحتمالات مستقبلية غير مرغوب فيها.

أما العملية التفاوضية التي تشرف عليها الأمم المتحدة، فهي كسيحة منذ انطلاقتها، وذلك لغياب إرادة دولية حقيقية تعمل من أجل الوصول إلى حل جاد للمسألة السورية، وإنما هي جهود تضليلية، تعطي المتسع من الوقت  للفاعلين الدوليين والإقليميين، حتى يتمكنوا من الوصول إلى المناطق المتفق عليها، وتثبيت شارات حدود النفوذ، وحل الخلافات البينية من جهة التنافس على هذه المنطقة أو تلك، ومن ثم التوافق على حل يناسبهم، ولكن يتم إخراجه عبر واجهة سوريا وبرعاية أممية.

مقابل هذه الوضعية المعقدة، نرى السوريين الذين يتصدرون المشهد -سواء في المعارضات على اختلاف درجات جديتها وطبيعة خلفياتها والأدوار والوظائف المنوطة بها، أم في معسكر النظام والمساندين له والمحسوبين عليه- قد فقدوا زمام المبادرة نهائيًا، وباتت خطواتهم تُضبط على وقع التحركات والتوافقات الإقليمية والدولية، وأصبح الجميع في انتظار التوافق النهائي، الذي ربما لن يكون في الأفق المنظور، بين الأميركي والروسي.

أما الحديث عن مشروع وطني جاذب لكل السوريين، مشروع يطمئنهم، ويؤكد مصلحتهم جميعًا في سوريا موحدة، يحترم نظامها حقوق مواطنيه من جميع المكونات، من دون أي تمييز، نظام مدني ديمقراطي تعددي، فقد غدا حديث كهذا من المشاريع الحالمة الخاصة بالنخب السورية التي لم تفقد توازنها الوطني بعد، في أجواء عاصفة الهيستيريا المذهبية والقومية. بل يعتبر الكثيرون أن مشروعًا كهذا، المشروع الوطني السوري، صيغة من صيغ الحنين الطفولي إلى البدايات الواعدة للدولة السورية في مرحلة ما بعد الاستقلال، تلك البدايات التي سرعان ما أُجهضت بفعل مشاريع عابرة للحدود، وانعكست آثارها على السوريين تباعدًا وتفرقة وتخندقًا.

واقعنا الحالي أليم محزن، إن لم نقل محبط بكل أسف. وعلينا أن نعترف بذلك؛ فالسوريون اليوم منقسمون على ذواتهم أفقيًا وعموديًا؛ مذهبيًا وإثنيًا وجهويًا، وفوق هذا وذاك هم موزعون بين ولاءات إقليمية ودولية، لصالح أجندات الدول مقابل فتات لصالح هذه المجموعة أو تلك، هذه الشلة أو تلك، وبالتناغم مع نزعات لا تستقيم أبدًا مع مشروع دولة وطنية لها سيادتها، وتحترم مواطنيها الذين من المفروض أن يكونوا هم، وليس غيرهم، أساس مشروعيتها.

الحملات التجييشية، واللغة الطائفية البغضية، والعنصرية المقيتة، بين السنة والعلويين من جهة، وبين العرب والكرد من جهة ثانية، وربما مستقبلًا بين المسلمين والمسيحيين، وبين الدروز وغيرهم.. هذه الحملات لم تعد مجرد ظواهر فردية، أو نتيجة لأخطاء شعبوية، بل من الواضح أن هناك من ينفخ فيها، ويشجعها بصورة مبرمجة ومنظمة، لأنها على ما يبدو تتناغم مع تخوم مناطق النفوذ القائمة، وتلك التي هي في طور التشكّل. هذا مع أن مختلف القوى الداخلة في اللعبة السورية ما زالت تعلن على الملأ بأنها مع وحدة سوريا، ولكنها ليست الوحدة التي يريدها السوريون؛ بل الوحدة الهلامية التي ستحفظ للسوريين اسم بلدهم فحسب، ولكنها ستوزعه بين مناطق وأقاليم، يتكيّفون مع حدودها وأدوارها نفسيًا، وترتبط بها حاجاتهم ومصالحهم، ويحل التكامل الإقليمي والدولي محل التكامل الوطني.

هل توجد إمكانية واقعية لمواجهة كل ما ينتظر سوريا والسوريين؟ أم أن الأمور ستستمر هكذا حتى نصل إلى اتفاقية دايتون الخاصة بنا؟

ما زال أمام السوريين فسحة ضئيلة من الأمل والوقت، ولكن شرط أن يتعاملوا مع الوضعية الجديدة بأدوات وأفكار إبداعية خلاقة، تقطع مع تلك القديمة العقيمة. وذلك يستوجب قبل كل شيء القطع الكامل مع المشاريع القومية والدينية والمذهبية العابرة للحدود. أما أن يصر كل طرف على موقفه، ويبحث عن حلفاء إقليميين ودوليين للاستقواء بهم على أبناء شعبه، أملًا في الوصول إلى حكم بقايا وطن وأشلاء شعب، فهذا مؤداه المزيد من الانقسام والتقسيم والمجهول القاتم.

شاهد أيضاً

إياد الجعفري: بشار لم يقرأ ميكافيللي

  إياد الجعفري – المدن بخلاف والده، وقع بشار الأسد في خطيئة مميتة وفق مقاييس …