سوريات سافرن للعمل.. المهمة صعبة لكن ليست مستحيلة

 

فتحت الغربة ذراعيها للمجتمع السوري الذي اعتاد على سفر شبابه على مدار عقود، إلا أنه لم يألف سفر الفتيات وحدهن للعمل، لكن مع تبدل الأدوار الاجتماعية في سوريا بسبب الحرب تنامت طموح الشابات السوريات، ووسط موجات اللجوء والنزوح بدأت الفتيات بالسفر.

“كانت فكرة السفر من أبعد المستحيلات عن عائلتنا الصغيرة، خاصة مع عدم سفر أحد منا قبل ذلك”، هكذا توضح نور (27 عامًا) رفض أسرتها لفكرة سفرها بالبداية، في ظل تعلق أفرادها ببعضهم، إلا أن متغيرات طرأت على مسار حياتها دفعتها للانطلاق وحدها بعد تخرجها من كلية العلوم السياسية للعمل في تركيا ضمن مجال الإعلام.

 
 

تقبل الفكرة ليس سهلًا

تخوض الفتيات معركة الغربة نتيجة ظروف دخيلة، منها الأزمة التي غيرت مجرى الأحداث والعادات، إذ غيب الموت أو الفراق معيل بعض الأسر وتضخمت الأسعار في سوريا، كما أن تطور العلم وانفتاح المرأة وارتقاء طموحاتها العلمية جعل من الفتاة المعاصرة تتمتع بالقوة النفسية وتطمح للتخرج الذي يعينها للصعود على مدارج الاغتراب.

ففي تركيا التي كانت قبلة للسياحة قبل الحرب، أصبحت بعدها مرفأ الأمان الحياتي لكثير من السوريين، ساعد في ذلك قوانين استثنائية وتسهيلات للعمل بتغاض من الحكومة، وبتنسيق مع الأمم المتحدة، التي أعلنت عن عدد من المشاريع التنموية لدمج اللاجئين في المجتمع المضيف.

وحظيت تركيا بذلك بالنسبة الأكبر من أعداد السوريين، البالغ عددهم ثلاثة ملايين و424 ألف لاجئ، وفق إحصائية أعلنت عنها وزارة الداخلية التركية، نهاية كانون الثاني 2018.

وبحسب إحصائية لمنظمة “آفاد” للإغاثة والطوارئ التركية في 2014، فإن 44% من النساء السوريات في تركيا ضمن الفئة العاملة.

وكانت نور، واحدة من اللواتي لم يجدن في بلدهن فرصة عمل تلبي طموحاتهن وتخدم اتجاهاتهن فوجدت في الإعلام السوري “تسييسًا واضحًا” لا يخدم توجهها السياسي، ولا يمكنها دخوله دون واسطة”، فتقول “سلكت طريق الغربة إلى تركيا بعد أن وجدت هناك فرصة عمل مضمونة قبل السفر، كما أحب وأرضى”.

وكلما كثر المارون من طريق وعرة تشجع بقية السالكين للمضي فيه، وهذا حال نور التي سبقها إلى السفر أصدقاء شجعوها ووجدوا لها فرصة عمل استقبلتها عند وصولها.

ولم يغب البعد المالي عن دوافع سفر الشابة، “شجعني أهلي على السفر لأن الوضع الاقتصادي في البيت لا يتحمل أن أبقى دون عمل بعد تخرجي، خاصة أننا كلنا بنات ولا يوجد ذكور”.

ممر إجباري

لا يمكن بأي حال تجاوز صعوبات تعترض طريق المسافرات أو تنتظرهن بعد وصولهن، إضافة إلى صعوبات التأقلم مع العالم الجديد بكافة مناحيه، ونظرات مجتمعية ناقدة مازالت تذكر المسافرات بتمزيق أواصر عادات متأصلة في جذور المجتمع.

فمحيط عائلة نور لم يتقبل إرسال فتاة صغيرة، بعينهم، بمفردها للعمل، مع عدم اضطرارها للسفر من أجل المادة، فتتكرر أسئلتهم لأسرتها “كيف أرسلتموها.. عايشة لحالها كمان؟”.

ظروف خارجية تؤثر بسرعة

تسلك المجتمعات بشكل عام طريقًا على نهج عادات وسلوكيات معينة، وأي تغير يطرأ على المجتمع يؤثر في تلك العادات مباشرة، غير أن هذه الظروف هي من تحدد سرعة النتائج والتغيرات.

فالظروف الداخلية، بحسب الاختصاصية في علم الاجتماع، أماني سندة، تتصف بالبطء وتستهلك فترة طويلة نسبيًا لإحداث التأثير والتغيير، بعكس الخارجية، التي تنتمي إليها الحرب في سوريا، حيث السرعة في تغيير بعض جوانب المجتمع يصبح ضرورة لازمة كسفر المرأة بغرض العمل.

ووفق الخبيرة الاجتماعية، لا بد لهذه التغيرات من مرافقة تبعات سلبية تؤثر على وجه الخصوص على المرأة، التي لم تكن معتادةً على تحمل مسؤولية نفسها أو عائلتها، الأمر الذي قد يسبب لها فقدان الدعم الاجتماعي المتمثل بالإخوة والأسرة والأصدقاء ممن خسرتهم بسفرها.

“كنت فتاة البيت المدللة”، تقول نور، فخلال وجودها في سوريا لم تكن مسؤولة عن أي شيء خارج البيت أو داخله، لكنها أصبحت تعتمد على نفسها بكل شيء عند سفرها.

وفي حال شعرت الفتاة بالضيق أو الحزن داخل بلدها على سبيل المثال، كانت تتوجه إلى رفيقاتها ملقيةً على أكتافهن مشاعرها السلبية، إلا أنها خلال الاغتراب لم تعد تستطيع مسحها أو إخفاءها بل تأججت أكثر بأحاسيس الغربة والوحدة.

ومرت على خبرة الاختصاصية أماني في تركيا مهندسة عمرها 25 عامًا، لجأت إلى عيادة الاختصاصية بحالة انهيار نفسي مع نوبات هلع، نتيجة الفرق الشاسع الذي عايشته بين حياتها السابقة ووضعها المادي والمعنوي الجيد في مجتمعها وبين ما أصبحت عليه بعد تغربها وعملها غير المتوازي مع كفاءتها العلمية في بلد الغربة.

ففي حال كانت أحلام الفتاة قبل السفر بسقف مرتفع، كوجود فرصة عمل مؤمنة في الخارج، ولم تجد ما كانت ترسمه، يولد عندها نوع من الإحباط قد يتطور إلى حالة اكتئاب، بحسب الاختصاصية.

والبحث بعد ذلك عن خيارات بديلة داخل مجتمع جديد بالكامل أمر غير سهل يضعها أمام خيارين أحدهما إصابتها بالضعف وما يماثله من أحاسيس، والآخر قد يظهر عندها بانحرافات سلوكية واضحة.

لا يجوز.. ولكن

مازالت بعض فئات المجتمع ترفض رفضًا قاطعًا سفر فتياتها مبررة ذلك بصعوبة اعتماد الفتاة على نفسها دون وجود سند لها في حال حدوث ما لم يكن بالحسبان، أو حتى طبيعتها الجسدية التي لا تشابه الرجل ولا توازيه.

“افترضي تعرض لها أحد بالشارع أو البيت، من سيساعدها”، هكذا تقول “أم علا”، القاطنة في سوريا والرافضة لفكرة سفر واحدة من بناتها الخمس، حتى في حال تدهور حالتهم المادية، فإما بقاء الفتاة مع عائلتها أو سفرها مع زوجها المستقبلي.

ولا تحرم الشريعة الإسلامية سفر المرأة، وفق شروط أولها الضرورة، إلا أن مشايخ رسخوا ثقافة حرمانية سفر المرأة وتقييد حريتها، مشترطين وجود مرافق (محرم) لها في كل تنقلاتها.

ختمت نور حديثها بنصيحة لمن تفكر بالسفر ألا تغامر إن لم يكن نجاحها ومستقبلها متعلقًا بالضرورة ببلد معين، لأنها ليست تجربة سهلة، وتبقى قضية الحرمان من لقاء الأهل وعدم القدرة على العودة إلى الوطن الأشد إيلامًا، في ظل خوف نور على نفسها من عدم التأقلم في حال عادت أدراجها إلى سوريا.

عنب بلدي – صبا الكاتب

شاهد أيضاً

فيلم سوري يفوز بجائزة التحكيم في مهرجان “ساندانس”

  فاز الفيلم السوري “عن الآباء والأبناء” بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان “ساندانس” السينمائي …