د. رياض نعسان آغا: اضطراب روسي في سوريا

 

د. رياض نعسان آغا – الفيحاء نت

تصريح لافروف بأن الولايات المتحدة تخطط للبقاء في سورية للأبد يعبر عن قلق روسيا التي تمكنت من نيل (شرعية مزورة من النظام) بالبقاء مدة يمكن أن تمدد لـ (75 سنة فقط) بينما الولايات المتحدة لم تكن بحاجة إلى موافقة النظام للبقاء إلى الأبد (ربما هذا تعبير عن توافق مع فكرة البقاء الأبدي للأسد في الحكم جيلا بعد جيل).

لكن الأبد الأمريكي لا يجد وسيلة غير التحالف مع الانفصاليين الكورد الذين رفضتهم غالبية الأكراد السوريين المتمسكين بكونهم سوريين وملتحمين مع العرب عبر قرون طويلة، وبالطبع على مبدأ (الكلام لك فاسمعي يا جارة) وجهت الولايات المتحدة ضربات قاسية لمن اعتدى على الـ (بي يي دي) كي تسمع تركيا، ولا أدري ما الذي ستصل إليه مباحثات تيلرسون في أنقره اليوم، لكنني لا أتوقع أن تقدم الولايات المتحدة على خسارة عضو مهم في الناتو من أجل مجموعة انفصالية كردية، وهي التي أجهضت حلم كردستان العراق الذي تمنى الاستقلال.

ولابد أن أخوتنا الأكراد فهموا الدرس الكردستاني، كما فهموا الدرس الروسي قبله، وعليهم أن يذكروا أن كل أدبيات المعارضة السورية اعتبرت القضية الكردية قضية وطنية بامتياز، وهذا ما استجاب له زملاؤنا الأكراد في المعارضة السورية الوطنية.

المهم أن روسيا القلقة من البقاء الأبدي لأمريكا في سورية تبدو مضطربة وضائعة سياسياً، ولاسيما بعد الفشل الذريع لمؤتمر سوتشي الذي خطط بوتين أن يكون إعلانه عن النصر السياسي بعد أن أعلن النصر العسكري في حميميم.

لكن النصرين كانا أكذوبة كبرى، ومثلهما انهارت اتفاقية خفض التصعيد بعد تسع جولات فارغة، وأطاحت رياح المتغيرات الدولية والموقف الشعبي السوري الحاسم بكل جهود التعمية الروسية على الحقائق.

وأحسب أن بوتين ندم لأنه دعا إلى سوتشي، وأتصور أن الأسد رد له الإهانة في حميميم حين أرسل له وفداً كرنفالياً من المهمشين إلى سوتشي، وهذا لايغيب عن الرئيس بوتين، فالمستشارون لديه يعرفون جيداً شرائح المجتمع السوري ومزاجه، فلو أن النظام أرسل وفداً جاداً يملك صلاحيات حقيقية لعبر عن اهتمامه بمشروع بوتين للتسوية .

واليوم رفض النظام السوري مخرجات سوتشي التي سبق أن أعلن موافقته عليها، وجاء رفضه لصالح المعارضة (المزنوقة) أمام خيارات صعبة، فأعفاها من الإجابة على سؤال المشاركة في اللجنة الدستورية، وهي تعلم أن بين أعضائها من لايجرؤون على رفض طلب لروسيا (مع أن روسيا تخلصت من مقترحها ورمته مرغمة في وجه ديمستورا والأمم المتحدة لاعنة تلك الساعة التي تورطت فيها برعاية دستور روسي لسورية).

ذاك أن الروس يعلمون أنهم تورطوا في سورية، وأن لعنة أفغانستان ستبقى تلاحقهم، فقد تفكك الاتحاد السوفياتي كله بسبب الغرور الروسي، وخرجوا يومها من التاريخ عقوداً، وكان غباءً أن يظن بوتين أنه يستطيع أن يعود إلى التاريخ عبر الخوض في دم السوريين.. ولسوء حظه راهن على حصان هزيل خاسر.

تصوروا لو أن روسيا وقفت مع الشعب السوري ودافعت عن حقه في الحرية والكرامة والخلاص من الاستبداد، أما كانت دخلت التاريخ من جديد وأوسع لها السوريون قلوبهم ومنحوها تأمين مصالحها تحية لموقف لا ينسى. والروس يذكرون أن وقوفهم مع الشعب السوري في حرب 73 التحريكية (بعيداً عن التفاصيل الخفية) جعل السوريين ينشدون القصائد في مديح الصاروخ (سام) الذي أسقط طائرات إسرائيل ..

لكن روسيا وقفت ضد التاريخ، وضد إرادة الشعوب، وهاهم أولاء معارضو بوتين يجعلون شعار حملتهم الانتخابية ضده (الانسحاب من سورية) وهم يدركون أن روسيا وقفت في الموقف الخاطىء تاريخياً، وأنها انتصرت للديكتاتورية ضد الديموقراطية.

كذلك أعمى الله أعين إيران، وحزب الله الذي لاتعنيه العروبة في شيء، فهو حزب فارسي شكلاً وموضوعاً .. تخيلوا لو أن حزب الله وقف مع الشعب السوري يرد له الجميل (وأحمد الله أنه لم يفعل) فلو فعل لأصبح حسن نصر الله زعيم الأمة العربية والإسلامية إلى الأبد، وهذا تقدير الله وفضله ليميز الخبيث من الطيب، ويكشف من خُدعنا به حيناً طويلاً من الدهر، حين كنا نخجل أن نقول (إنه شيعي، ونحن سنة) فهذا التوصيف كان يخجلنا، وكم كان لنا من أصدقاء عشنا معهم عمراً ولم نسأل قط عن أعراقهم أو مذاهبهم، وكان حسبنا منهم أنهم سوريون ..

المهم أن موسكو وقعت في الفخ الذي نصبه لها الأمريكان، حين صمتوا عما ترتكب من جرائم في سورية، ولم يكن يؤذيهم موت مليون سوري، فالتصريحات المتلاحقة المتعاطفة مع الضحايا وبعض المعونات الإغاثية، كانت تكفيهم لإرضاء الضمير الإنساني، لكنهم كانوا أذكى من الروس حين أعلنوا في الظاهر أنهم مع قضية الشعب السوري، و لكن رب ضارة نافعة، فهذا التنافس بين الأقطاب سيحدث بإذن الله منفذاً للشعب السوري للخروج من المحنة بين ممرات صراعاتهم، وعلينا التفكير بإيجادها سريعاً عبر التناقضات الكبرى، والحذر الحذر من أن نبقى وقود الصراع وأن نكون ضحاياه فقط .

واليوم بوسع جبهتين مفتوحتين على الدمار أن تعملا لإنقاذ سورية إن كان فيهما أدنى إحساس بالمسؤولية التاريخية، الأولى هي جبهة النصرة التي بوسعها أن تنسحب من المشهد (وقد رأت ما حل بمثيلها) ولابد أنها أيقنت أن طريقها مسدود شعبياً ودولياً، وأنه غير مقنع أصلاً، وحتى إن كانت مرتبطة بتعليمات خارجية، فعليها أن تنقذ إدلب وسورية قبل أن يحل خراب مريع أخطر من كل ما حدث وسيكون السوريون في جبهة النصرة أول ضحاياه إن لم يعقلوا، والثانية هي جبهة ال بي يي دي، التي دخلت في مغامرة أحرجت أهلنا الأكراد الأسوياء، ولم تقدم لهم غير فتح صراع عربي كردي لم يحدث عبر مئات القرون، وما يزال بيدها أن تعود إلى أسرتها السورية الضامنة لحقوق الأكراد كاملة دون استعانة بأمريكا التي ستمنعها يوماً من أن تحقق استقلالا كما فعلت في كردستان العراق .. وحتى أكراد تركيا عامة، لا يقبلون بفتح معركة ضد الشعبين التركي والسوري، وسينضم إلى جبهة الصراع الفرس الذين شجعوهم في البدايات أنفسهم، لأنهم بمثله مهددون.

ولست ضد أن يحقق الكرد حضورهم وتميزهم الثقافي والحضاري والإنساني، وأن تكون لهم خصوصياتهم، ولكن ليس على حساب العرب وليس استغلالاً لمحنة السوريين المعذبين في الأرض.

أناشد كل سوري، من النصرة أو من الـ (بي يي دي) أن يفكر ملياً باتجاهات الطريق التي يسلكها، إنها طريق مسدودة لا مخرج منها إلا عبر مستنقعات دماء بريئة.

اسحبوا الصاعق الذي سيفجر المستقبل للعرب وللكرد معاً.

لن تقيم النصرة حكم الشريعة صحيحاً بفكر متطرف مغلق لا يعرف الوسطية التي نادى بها الإسلام، وقادتها يصرفون اهتمامهم الأول اليوم رغم كل ما هم فيه من معارك دموية، بفرض الثوب الفضفاض على النساء والجلابية القصيرة على الرجال، ويتجاهلون أن أهل إدلب مسلمون سنة، ومحافظون أصلاء على دينهم، لكنهم وسطيون عقلاء، يقدمون ديناً قابلاً للحياة والاندماج مع حركة العالم، وهم يبرهنون على مصداقية خيارهم من نصوص الإسلام نفسه.

ولن يتمكن الانفصاليون من الأكراد من بناء دولة كردستان الكبرى التي ستكون محاطة بأعداء كانوا أسرة الكورد الكبيرة (هل يمكن أن يترك الشامَ أهلُها الأكرادُ ليلتحقوا بدولة كردستان ؟؟ هل توجد منطقة سورية لا يوجد فيها أكراد ؟؟) أتمنى أن يدرك الانفصاليون من الكورد أن العرب لم يكونوا أعداء للكورد في يوم من أيام التاريخ، ولن يكونوا، وللكرد حقهم الكامل ثقافياً وإدارياً مع انتمائهم لسورية كمواطنين أصلاء، لكننا ضد أن يسيطروا بفضل الدعم الخارجي على حوالي نصف مساحة سورية، وأن يطردوا العرب من قراهم، وأن ينكلوا بالأكراد الذين يخالفون توجهاتهم.

ولو أن النصرة تستجبب لإرادة الشعب السوري، وقد عبر الشعب في إدلب وأريافها وعبر في حمص والرستن وريف دمشق وكل موقع سوري عن رفض قاطع للتطرف، ولو أن النصرة تنتمي إلى هذا الشعب لنزعت الصاعق الذي قد يدمر إدلب وما حولها.

ولو أن الـ (بي يي دي) تستجيب لنداء الوطنية السورية لأنقذت الشمال السوري من حرب قد تتطور إلى عالمية إذا اشتد الصراع، ولانسحبت تركيا فوراً حين تطمئن إلى أنها غير مهددة على حدودها.

شاهد أيضاً

معاذ السراج: إيران واللعب مع الكبار

معاذ السراج – خاص ترك برس أثار انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق الشامل …