إبراهيم الجبين: سرّ الرجال

 

إبراهيم الجبين: العرب

لأنه بات يمثل اليوم خيرَ جليس في الأنام، بما يوفره من دفقِ معلوماتٍ تسلسلية لا حدود له، فإن اليوتيوب يجعلك تتحول من مشاهدة أغنية بسيطة لفيروز عن البنت التي نامت أمها مبكرة وأغلق والدها البوابة وهربتْ من الشبّاك لتحضر العيد، إلى نقطة ثانية توصلك لفيلم وثائقي يعرض مواد نادرة عن الحرب الأهلية اللبنانية، ثم نقطة ثالثة تنقلك إلى “فريلي”، تلك المرأة الأسترالية التي أعلنت تخليها عن الحداثة والهرب من شبّاك المدنية والانتقال للعيش في كوخ في أميركا الجنوبية، أطلقت عليها الديلي ميل البريطانية لقب “فتاة الموز”، ووصفتها بأنها تشرب من الجداول والينابيع وتستحم بمياه المطر ولا تستخدم المكياج.

ومن حديث الغابات ينقلك اليوتيوب إلى مادة تقول إن قناة تلفزيونية مصرية قامت بإيقاف المذيعة منى العراقي عن الظهور على شاشتها، قبل أيام، بسبب “تهجّمها على الرجال”.

قلّبتُ ملفات اليوتيوب للبحث عما قالته، فلم أجد نفسي إلا مؤيدا للعراقي، لأنها نطقت بالحقيقة مبينة أسباب تحول الرجل إلى وحش.

صاحبة برنامج “انتباه” شرحت أن سلم الأولويات لدى الرجل يبدأ من الأعلى بـ”التقدير”، أي بـ”الكرامة” و”الاحترام”، وتلي ذلك مباشرة في المرتبة الثانية من السلم “الغريزة”. فإن لم يجد الرجل التقدير من مجتمعه وبيئته فإن البند الأول سيجري شطبه، لترتفع الغريزة إلى أعلى سلم الأولويات. وهكذا يتحول الرجل إلى كائن لا يفكر سوى بالاغتصاب وقهر الآخر. هذا ما قالته العراقي. ولكن المجتمع لا يستطيع تحمل مثل هكذا حقائق.

وبينما لم تكن الثقافة الأدبية العربية ثقافة اغتصاب، بقدر ما عبرت عن الاحتفاء بالجمال والحب، وخير دليل على ذلك مئات الآلاف من القصائد التي صنفت تحت بند “الغزل”، فقد احتوت الأساطير والقصص العالمية على حكايات وحشية تمجد الاختطاف والإكراه بدلا من الإقناع بالكلمات وهو فحوى الغزل والتغزل، وقد قال الشاعر العربي قبل ألف عام “ولقد رأيتُ رجالا يضربون نساءهم/ فشُلّتْ يميني حين أضربُ زينبا”. أما العنف والسبي فهما قادمان من البعد “الحربي” لدى الشعوب، عدوان فكري ومادي على الآخرين سببهما ما بينته العراقي “انعدام التقدير”.

وبدلا من تسليط الضوء على الفكرة اللافتة التي صدمت بها المذيعة الرجال، ماذا حصل؟ قامت القناة التلفزيونية بالاعتذار من الرجال. وقالت في بيان أصدرته إن مذيعتها ارتكبت خطأ مهنيا على الهواء أثناء تناولها قضية الاغتصاب الجنسي. ولا أعرف كيف يمكن الحديث عن “جريمة” كهذه بالإتيكيت والمناديل المعطرة والألفاظ المحتشمة.

ألم تكن “فريلي” التي قررت تناول الأعشاب وورق الأشجار محقة بهجر هذا العالم البدائي؟

إبراهيم الجبين

شاهد أيضاً

معاذ السراج: إيران واللعب مع الكبار

معاذ السراج – خاص ترك برس أثار انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق الشامل …