مؤشرات لتشكيل “جيش وطني” ثان في إدلب

 

تتجه الأنظار إلى محافظة إدلب، في الشمال، ويترقب السوريون ما ستؤول إليه أوضاع المنطقة خلال الأسابيع أو ربما الأيام المقبلة، خاصةً بعد نشر ست نقاط مراقبة تركية في مناطق مختلفة من المحافظة، تبعها تجميد الأعمال العسكرية على الجبهات من جانب قوات الأسد والميليشيات المساندة لها.

تطورات متواترة شهدتها المحافظة، وارتبطت بشكل أساسي بعملية “غصن الزيتون” في منطقة عفرين، ضد “وحدات حماية الشعب” (الكردية)، وكان أبرزها ما تعلق بهيكلية عسكرية جديدة لفصائل المنطقة، يسعى الجانب التركي لرسمها على غرار مناطق “درع الفرات” شمالي حلب، فدخول الجيش التركي إلى إدلب لن يكون لفترة زمنية قصيرة بل سيبقى “حتى زوال الخطر” وفق ما أعلن وزير الدفاع التركي، نور الدين جانيكلي، مؤخرًا.

 
 

وحتى اليوم لم تتضح ملامح الهيكلية العسكرية، لكن مصادر حصلت عليها عنب بلدي من قادة عسكريين أوضحت أن أولى الخطوات حاليًا من الجانب التركي تمثلت بدعم مالي لعدة فصائل من “الجيش الحر” وأخرى إسلامية، بعيدًا عن “هيئة تحرير الشام” ذات النفوذ الأكبر في المحافظة.

 أصبحت إدلب مركزًا رئيسيًا للمعارضة في سوريا منذ آذار 2015، باعتبارها المحافظة الوحيدة الخارجة عن سيطرة الأسد بشكل كامل، عدا بلدتي كفريا والفوعة المواليتين، كما أنها تضم أكبر عدد من فصائل المعارضة، ذات التوجه الإسلامي، والمنتمية إلى “الجيش الحر”.

الدعم مشروط وعلى مراحل

خلال الأشهر الثلاثة الماضية لم تتلقّ فصائل “الجيش الحر” في سوريا أي دعم مالي أو عسكري، بعد توقف البرنامج الأمريكي الخاص بها المتركز في غرفتين، “موم” و”موك”، والذي بدأ بالانحسار مطلع 2017 الماضي وصولًا لـ 2018 الجاري.

وعقب الانقطاع، طرحت عدة تساؤلات عن إمكانية استمرار الفصائل في عملها العسكري، أو توجهها لحلول أخرى تضمن لها المحافظة على بقائها.

وفي استطلاع سابق أجرته عنب بلدي على موقعها الإلكتروني، اعتبر 40% من المشاركين، وعددهم 300 شخص أن الحل الأمثل للفصائل المنضوية في “الجيش الحر” هو حل نفسها بشكل نهائي، وحمّلوا قادة الفصائل المسؤولية عن الحال التي وصلوا إليها.

لكن الأمور، في الوقت الراهن، اختلفت، وقالت ثلاثة مصادر، طلبت عدم ذكر أسمائها، إن فصائل “الجيش الحر” العاملة في محافظة إدلب تلقت من الحكومة التركية دعمًا ماليًا كبديل للدعم الأمريكي، في خطوة لتشكيل “جيش وطني” جديد بعد نشر نقاط المراقبة التركية.

وأضافت المصادر لعنب بلدي أن الدعم شمل 11 فصيلًا عسكريًا انضووا مؤخرًا في غرفة عمليات “دحر الغزاة”، واستثنى “هيئة تحرير الشام”.

واشترطت تركيا تقسيم نشاط هذه الفصائل بين جبهات الريف الشرقي لإدلب وفي منطقة عفرين للمشاركة في عملية “غصن الزيتون”، إلا أن أحد المصادر الثلاثة نفى أن تكون المشاركة في معركة عفرين شرطًا، وإنما طلبًا في حال الاستطاعة.

ومن المفترض أن يتلقى العناصر تعويضًا ماليًا كل شهر بالليرة التركية، على أن تحول إلى الدولار داخليًا، ويبقى معدل راتب المقاتل كما كان سابقًا دون النظر إلى حجم الدعم المقدم من تركيا.

وأوضحت المصادر أن قيمة التعويض غير معروفة حاليًا، على أن تتبين في مطلع آذار المقبل. (يبلغ متوسط الراتب الذي يتقاضاه المقاتل في الجيش الحر في الشمال السوري قرابة 100 دولار أمريكي).

وبالتزامن مع حديث المصادر، نشر فصيل “جيش النصر” المنضوي في “الجيش الحر”، في 15 شباط الجاري، صورًا لمقاتليه أثناء المشاركة في معارك منطقة عفرين، وذلك لأول مرة بعد تركز عملياته العسكرية في ريفي حماة وإدلب.

وكانت فصائل معارضة في ريف إدلب شكلت، مطلع شباط الجاري، غرفة عمليات مشتركة تحت مسمى “دحر الغزاة” لتوحيد الجهود في المعارك ضد قوات الأسد والميليشيات المساندة.

وضمت الغرفة فصائل “أحرار الشام، فيلق الشام، جيش الأحرار، جيش إدلب الحر، جيش العزة، جيش النصر، حركة نور الدين الزنكي، جيش النخبة، الجيش الثاني، لواء الأربعين، الفرقة الأولى مشاة”.

وبحسب المصادر، تتجهز “أحرار الشام” للمشاركة بـ “جدية” في عملية “غصن الزيتون”، وأرسلت دفعة صغيرة من المقاتلين حتى الآن، بعد انطلاق عدة فصائل بينها “نور الدين الزنكي”، “فيلق الشام”.

ترقّب من جانب “تحرير الشام”

أمام الواقع المفروض حاليًا، يبقى موقف “هيئة تحرير الشام” غامضًا، وسط تحركات واستنفار من جانبها أشار إليه ناشطون من مدينة إدلب في الأيام الماضية، وأكدته حسابات مقربة منها على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتركزت التحركات باتهامات وجهت لـ “حركة نور الدين الزنكي” حول مقتل مسؤول شرعي يدعى أبو أيمن المصري، قالت إنه ينتمي إليها، ما فتح الحديث عن اندلاع مواجهات عسكرية جديدة بين الطرفين، بعد أشهر من انتهاء “الاقتتال” السابق.
وبحسب معلومات حصلت عليها عنب بلدي في وقت سابق، تعيش “الهيئة” انقسامًا بين تيار يريد إنهاء العزلة الدولية، وتيار يريد قتال تركيا والفصائل التي تدعمها كـ “أحرار الشام” و”الجيش الحر”.

وكان الشرعي السعودي عبد الله المحيسني يقود التيار المناهض للاقتتال الداخلي، إلى جانب الشرعي العام “أبو الحارث المصري”.

بينما يصر القائد العسكري العام، “أبو محمد الجولاني”، والشرعي عبد الرحمن عطون (أبو عبد الله الشامي)، وقائد قطاع حماة “أبو يوسف حلفايا”، على موقفهم من التدخل التركي وبقية الفصائل في المحافظة، إلى جانب الشرعيين المصريين الثلاثة “أبو الفتح الفرغلي”، و”أبو اليقظان المصري”، و”أبو شعيب المصري”.

وتأكيدًا على الانقسام، قال الشرعي “أبو الفتح الفرغلي”، في 11 شباط، إن “كل ما يقال عن إعطاء مطار للحوامات التركية في تفتناز، أو نقطة للأتراك في سراقب أو وادي الضيف أو في خان شيخون أو اللطامنة أو كفرزيتا أو مخفر في الشيخ منصور عار عن الصحة”.

كما نفى المعلومات التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي حول الانسحاب من مناطق غرب مطار أبو الظهور العسكري بينها تلة السلطان.

وقالت مصادر عسكرية لعنب بلدي، إن فصائل “الجيش الحر” على دراية بالتحركات التي قد تبدؤها “تحرير الشام” تجاهها، على خلفية “الجيش الوطني” الجديد المفترض تشكيله في إدلب، والذي سيصل نطاقه العسكري إلى ريف حماة.

وأوضحت لعنب بلدي أن غالبية الفصائل عممت على مقاتليها ضرورة “توخي الحذر” من أي هجوم من جانب “الهيئة”، والالتزام بالعمل على الحواجز التابعة لها في مناطقها.

محاصصة بعيدًا عن القوى المحلية

على الجانب الآخر البعيد عن الأطراف المحلية اللاعبة على الأرض، دخلت منطقتا عفرين ومنبج دائرة التفاهمات الدولية، بالتزامن مع لقاء تركي- أمريكي، قابله إعلان القوات الكردية نيتها بدخول قوات الأسد إلى مناطقها في عفرين.

وطرحت صحيفة “الشرق الأوسط” خطة محاصصة دولية للمنطقتين، في 17 شباط، وقالت فيها إن ملامح تفاهمات دولية- إقليمية بدأت لتوزيع الشمال السوري، بحيث تنتشر قوات أمريكية- تركية في مدينة منبج، مقابل “وجود رمزي” لقوات الأسد في مدينة عفرين برعاية روسية.

ونقلت عن قيادي في “وحدات حماية الشعب” (الكردية) أنهم أبلغوا رئيس مكتب الأمن القومي للنظام السوري، اللواء علي مملوك، بقبول “دخول قوات سورية رمزية للجيش ومؤسسات أمنية إلى وسط عفرين، كما هو الحال في مناطق أخرى (القامشلي والحسكة شرق نهر الفرات)”.

وقال المسؤول، “يبدو أن موسكو التي رفضت التعاون قبل أسبوعين، وافقت على صيغة جديدة تسمح بوجود الدولة في عفرين، ويتوقع أن تتوجه عناصر من قوات النظام من حلب إلى عفرين في الساعات المقبلة”.

وبالتزامن مع تطورات عفرين، طرحت تركيا خطة لنشر قوات مراقبة مشتركة تركية- أمريكية للانتشار في مدينة منبج، وذلك بعد انسحاب القوات الكردية منها إلى شرق نهر الفرات.

ونقلت الصحيفة عن مصادر تركية اعتقادًا بأن روسيا جزء من هذا الحوار، خاصةً أن قواتها تنتشر في منطقة العريمة في ريف منبج، مقابل القوات الأمريكية المنتشرة في المدينة.

وقال مسؤول تركي لوكالة “رويترز”، في 16 شباط الجاري، إن وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تلرسون، وعد الجانب التركي بدراسة اقتراح نشر قوات مشتركة في منبج، وذلك ضمن التفاهمات لعودة الأمور طبيعية بين الطرفين.

وبحسب المصادر التركية فإنه في حال نفذ الاتفاق التركي- الأمريكي في منبج فسيكون خطوة لاستعادة الثقة والقيام بخطوات أخرى بين الجانبين، تشمل التنسيق الكامل في العمليات العسكرية شمالي حلب بين القوات الأمريكية و”درع الفرات” بين منبج واعزاز وجرابلس، إضافة إلى الانتقال إلى البند اللاحق المتعلق في بحث إقامة شريط أمني شمال سوريا على طول حدود تركيا.

عنب بلدي – خاص

 

شاهد أيضاً

القلمون الشرقي يوافق على اتفاق بالتهجير بعد حصار مدينة الرحيبة

  أعلنت لجنة المفاوضات في بلدات القلمون الشرقي عن التوصل لاتفاق مع الجانب الروسي بخصوص …