حرب اقتصادية تسابق هجوم الغوطة الشرقية

 

ربما يعتبر إغلاق المعبر التجاري الوحيد نحو الغوطة الشرقية لدمشق قبيل بدء حملة عسكرية تجاهها، إشارة كافية إلى ما تخفيه الحملة من سياسات اقتصادية قد يفوق أثرها التحركات العسكرية.

حصار داخل حصار هو الواقع المفروض على ما يزيد عن 300 ألف نسمة في المنطقة المحاصرة، لم تثمر الجهود الدولية بتخفيف الضغط العسكري والاقتصادي المفروض عليهم من قبل قوات الأسد الساعية مع حلفائها الروس للسيطرة على المنطقة وتأمين الحزام المحيط بالعاصمة.

 
 

تاجر برسالة تهديد.. والتنفيذ لم يتأخر

في التاسع من شباط الجاري، أغلقت قوات الأسد معبر مخيم الوافدين بوجه البضائع والمواد الغذائية الداخلة إلى الغوطة، الأمر الذي أكده حينها مدير المؤسسة الاستهلاكية في حمورية، إسماعيل المنجد، لعنب بلدي، مشيرًا إلى أن النظام السوري أرسل تهديدات للمنطقة مع التاجر محيي الدين المنفوش الذي كان يتحكم تجاريًا بالمعبر.

تنفيذ الوعيد لم يتأخر، إذ استهدفت قوات الأسد في بداية حملة عسكرية موسعة، بدأت في 19 شباط 2018، مخابز التاجر المنفوش ومعمل الألبان والأجبان الخاص به بالإضافة إلى مستودعاته، بحسب ما أفاد الناشط الإعلامي سلام أبو حذيفة لعنب بلدي، مضيفًا أن مخابز المنفوش كانت تغطي الغوطة الشرقية بمادة الخبز وقد خرجت جميعها عن الخدمة.

وطال القصف أغلب الأفران العامة والخاصة في حمورية وسقبا وكفربطنا ودوما وتعطلت البقية عن العمل.

ولم يقتصر القصف على المستودعات الخاصة بالتاجر، بل استهدف مستودعات تابعة للجمعيات الإغاثية والمنظمات الإنسانية في المنطقة.

وكان التاجر عقد صفقة مع النظام، في تشرين الثاني الماضي، بلغت قيمتها 20 مليون دولار، تقضي بإدخال مواد غذائية للمنطقة مقابل أتاوة مفروضة تدفع للنظام قيمتها ألفا ليرة سورية على كل كيلو غرام (الدولار بـ 470 ليرة).

مدير قسم البرامج في منظمة عدالة للإغاثة والتنمية، علاء أبو جعفر، قال لعنب بلدي إن قوات الأسد استهدفت مشروع الثروة الحيوانية للمنظمة والمطبخ والصيدلية الخيرية منذ بدء الحملة، مضيفًا بأنه لا توجد إحصائيات دقيقة بالوقت الحالي للمستودعات المستهدفة، إلا أن الاستهداف طال الجمعية الخيرية في دوما ومؤسسة زيد بن ثابت في بلدة حمورية، بالإضافة إلى استهداف متكرر طال سيارات توزيع الطعام على الأهالي في أكثر من مرة.

شل حركة الأسواق

القصف تركز على المناطق السكنية والحيوية بالغوطة الشرقية، إذ نالت المستشفيات والأسواق النصيب الأكبر من القصف.

ووصل عدد النقاط الطبية المستهدفة إلى أكثر من 22  مركزًا، بحسب تقرير لمنظمة “أطباء بلا حدود”، التي حذرت من نفاد المواد الطبية من الغوطة.

وخرجت أسواق المنطقة عن الخدمة نتيجة الاستهداف المتكرر بحسب مصادر متقاطعة لعنب بلدي، أشارت إلى أعداد كبيرة من المحال التجارية دمرت نتيجة القصف، كما أن حرائق نشبت في سوق حمورية نتيجة استهدافه بصواريخ تحمل مواد حارقة، الأمر الذي أدى إلى تلف كميات كبيرة من المواد الغذائية.

وطال القصف أسواق بلدات حزة وعين ترما وسقبا، وأفاد مراسل عنب بلدي بالغوطة الشرقية أن القصف المكثف أدى إلى إغلاق الطرقات بين المدن والبلدات، وبالتالي شل حركة السير فيها.

حصار داخل حصار

معاذ الخربطلي، من سكان مدينة كفربطنا، أوضح أن الأهالي يجمعون الطعام والمواد الغذائية المتبقية لديهم في الأقبية ليأكلوا منها كل يوم وجبة أو كل يومين وجبة بحسب قدرتهم وبحسب المتوفر من المواد، واصفًا الحال بأنه حصار داخل حصار، كما يعمد البعض إلى جمع الخضراوات الشتوية كالخبيزة والسبانخ والسلق من أراضي الغوطة الزراعية وطبخها، إلا أنهم نادرًا ما يستطيعون الخروج من الأقبية.

وبحسب مدير قسم البرامج في منظمة عدالة للإغاثة والتنمية، علاء أبو جعفر، فإن العديد من الأهالي لم يخرجوا من منازلهم منذ أيام، وأغلبية السكان كانوا يعملون بقوت يومهم فيما سبق، وأثناء حملة القصف أغلق المواطنون محلاتهم التجارية، وهي بالأصل فقيرة بالبضائع مرتفعة الأثمان.

وأضاف أن المنظمات الإغاثية تعمل على مساعدة الأهالي المحاصرين في منازلهم، فتعمل على طبخ وإعداد وجبات وتوزيعها، إلا أن إغلاق الطريق التجاري يقف عائقًا بوجه تحويل الأموال، ما حد من  نشاط هذه المنظمات.

انضمت الغوطة الشرقية إلى اتفاق “تخفيف التوتر” المتوافق عليه بين الدول الضامنة في محادثات أستانة (تركيا وروسيا وإيران) في تموز الماضي، بعد وساطة مصرية، ويضمن الاتفاق فك الحصار عن الغوطة وإدخال المواد الأساسية، دون أي إعاقات أو ضرائب أو أتاوات، إضافة إلى إطلاق سراح الموقوفين والمعتقلين من الأطراف المعنية بهذا الاتفاق.

لكن أيًا من ذلك لم يحدث حتى الآن.

كيف تدخل الأموال إلى الغوطة؟

معظم المؤسسات والمنظمات المدنية تبذل جهدها لتقدم ما تستطيع، ولكن لا يمكن لأكبر منظمة استيعاب الحاجة الكبيرة بسبب شح الموارد، بحسب ما ذكر مدير قسم البرامج في منظمة عدالة، معتبرًا أن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الغوطة لا يمكن استيعابها إلا بفك الحصار والسماح بالتبادل التجاري دون فرض الضرائب، لأن النظام عادة عندما يُدخل مواد محدودة للمنطقة يسمح بإدخالها بضريبة قد تصل إلى 30 ضعفًا عن سعرها بالعاصمة دمشق.

فريق “ملهم” التطوعي، الذي يعمل على حملة تبرعات للغوطة حاليًا، أوضح، عبر صفحته في “فيس بوك”، أن بعض التجار لديهم مستودعات مواد غذائية مخزنة قبل إغلاق معبر مخيم الوافدين، والفرق الإغاثية مضطرة للشراء منها بأسعار مرتفعة لمساعدة السكان، الأمر الذي أكده “أبو جعفر” مضيفًا أن المنظمات مضطرة للتعامل مع التجار لتحويل أموال المتبرعين.

وبحسب مصادر عنب بلدي، فإن طريق تحويل الأموال مغلق وتقتصر العملية على تدوير المبالغ المالية بين الداخل والخارج، إذ يستلم التجار الأموال المراد تحويلها عبر مندوبين لهم خارج الغوطة، ويسلمونها من أرصدتهم في الداخل للمنظمات أو المواطنين.

نسبة تحويل الأموال تجاوزت 8% من قيمة المبلغ، وتتم عبر مكاتب خاصة بالحوالات، بعضها مملوك للتجار أنفسهم في الداخل.

ويعود التجار لتعويض هذه المبالغ، ببيع المواد الغذائية أو البضائع المخزنة لديهم بأسعار مرتفعة.

معاذ الخربطلي قال، “في الحالة التي نعيشها تستوي العائلة التي تملك المال مع العائلة التي لا تملكه، فكلاهما لا يمكنهما إحضار مؤونة اليوم، كون الأسواق دمرت ومايزال الطيران الحربي يدمر ما بقي منها”.

شل حركة المنطقة جعلت منازل السكان سجنًا ثانيًا لهم، في سياق مشابه لما حصل في أحياء حلب الشرقية عام 2016.

وحذرت الأمم المتحدة من أن المنطقة القريبة من العاصمة قد تتحول إلى حلب ثانية مع تواصل القصف على الجانب الذي تسيطر عليه المعارضة، معتبرةً بأن الوضع بدأ يتحول إلى “خارج السيطرة بشكل مطرد”.

عنب بلدي – محمد حمص

 

Comments are closed.