فاروق يوسف: من أجل أن لا تلتحق الغوطة بحلب

 

فاروق يوسف – العرب اللندنية

عبر سبع سنوات من العزلة حدثت أشياء كثيرة في غوطة دمشق لا يعرفها العالم. السوريون أنفسهم لا يعرفونها.

كان ذلك جزءا من المتاهة التي لم تغادرها سوريا حتى هذه اللحظة.

هل انتفضت الغوطة حقا لتشارك في “الثورة السورية”؟ أم أنها استسلمت للجماعات المسلحة التي تسللت إليها في غفلة من النظام؟

ذلك سؤال صار عرضيا في ظل تكاثر المناطق التي خرجت عن سيطرة الحكومة المستضعفة التي فوجئت بحجم التمويل الذي صار يمدّ معارضيها بالمال والسلاح وأيضا بالبشر.

حكومة دمشق كانت نائمة بتأثير قوي من الغرور، وحين صحت وجدت أن معارضيها يدقون عليها الأبواب في مخيم اليرموك الذي هو جزء من العاصمة. وهو ما جعلها غير قادرة على معالجة ما يقع في الغوطة. خطأ في الحساب قاد إلى أن تغدو المشكلة أكثر تعقيدا وتشعبا.

بالتأكيد المعارضة السورية ليست موحدة. لقد تم استضعاف الجيش السوري الحر الذي هو ممثل المعارضة الرسمية الوحيد على الأرض من خلال إنشاء مئات الجماعات الدينية المسلحة الممولة من الخارج.

الخطأ الذي ارتكبته تلك المعارضة الرسمية يكمن في أنها تبنت كل التنظيمات والجماعات التي تقاتل رافعة شعار إسقاط النظام من غير التأكيد على هويتها بالرغم من أنها (أي المعارضة) كانت على معرفة دقيقة بهويات وأهداف الجهات التي تمولها.

لقد صارت الغوطة عبر سبع سنوات من العزلة حاضنة للمتشددين. وهو ما حدث في مناطق أخرى بسوريا.

ليس صحيحا ما يقال من أن عدد المتشددين في الغوطة لا يتجاوز الثلاثمئة فرد. أولئك هم الأكثر تشددا. وهم المنتمون إلى جبهة النصرة التي صنفت تنظيما إرهابيا.

في الواقع فإن كل الفصائل التي تقاتل هناك تنتمي إلى التيار المتشدد.

لقد اختطفت تلك الفصائل مدن الغوطة بسكانها، وليست هناك تقارير صحفية محايدة تصف لنا نمط الحياة التي فرضتها تلك الفصائل في ظل اعتماد وسائل الإعلام العالمية على التقارير التي يبثها المتشددون بأنفسهم.

وها هي دورة العنف تكتمل من خلال مصير أسود سيلحق مدن الغوطة بـ“حلب” على مستوى الدمار الشامل، الذي سيكون ثمن “تحريرها” من قبل القوات الحكومية مدعومة بالطيران الروسي والميليشيات الإيرانية.

في المحصلة فإن غوطة دمشق هي ضحية وقعت بين عدوين شرسين، لا يرغب أحدهما بأقل من فناء الآخر وإزالة أثره من على وجه الأرض. وهو ما دفعهما مجتمعين إلى أن يلجآ إلى خيار الأرض المحروقة.

الهدنة التي يبدو أن المجتمع الدولي عاجز عن فرضها بشكل ثابت هناك قد لا تلقى ترحيبا من الطرفين المتحاربين. أما الأسباب الإنسانية التي تقف وراء قرار الهدنة فإنها ليست ملزمة لهما. لم تكن تلك الأسباب كذلك في الماضي يوم كانت المعارضة تملك أملا في الإنقاذ.

اليوم لا تملك المعارضة مثل ذلك الأمل بعد أن صار القرار روسياً.

ولأن روسيا ليست وسيطا بين الطرفين فإن المقاتلين في الغوطة، الأجانب منهم على وجه التخصيص، ليسوا على يقين من أنهم سيخرجون سالمين إن تم تنظيم ممرات آمنة للخروج من منطقة القتال، لذلك فإنهم يصرون على أن يكون هناك غطاء دولي للهدنة من غير الحاجة إلى وجود تلك الممرات.

وهو شرط لا يمكن توقع الأخذ به.

ليست غوطة دمشق في حاجة إلى هدنة مؤقتة، بل هي في حاجة إلى حل جذري يقف حائلا دون تحولها إلى حلب ثانية. ولن يكون ذلك الحل ممكنا إلا إذا أقرت الأطراف الدولية المعنية بالمسألة السورية بمسؤوليتها عن حياة المدنيين الذين سقطوا بين مطرقة النظام وسندان الجماعات المسلحة.

شاهد أيضاً

د. رياض نعسان آغا: ماذا بعد الضربة؟

  د. رياض نعسان آغا – الاتحاد يتفاءل بعض المحللين بأن يكون التفاهم الروسي الأميركي …