إبراهيم الجبين: ستار شفاف

 

إبراهيم الجبين: العرب

نشهد عصرا مختلفا عما عرفناه من قبل، عصرا سائلا بالفعل، كما وصفه الفيلسوف زيغمونت بومن الذي يستحضره المرء كلما رأى تدفق الحضارة عبر موارد البيانات بصورة لم يعد ممكنا التحكم بها بعد الآن. حشد هائل من الجديد يصلك حيث أنت كل لحظة، بينما يبتكر آخرون في أماكن أخرى من العالم حشودا ليستحضروا بها أشباحا من الماضي.
ولو كان هناك عداد ما يثمّن لك قيمة كل معلومة ترسل إليك في الثانية الواحدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، لباتت لديك أكبر قافلة جمال في العالم، على اعتبار أن “النصيحة كانت بجمل”.
كل شيء يتحول. لكن ما الذي لا يتغير أبدا رغم كل هذا العالم اللين المندفع كنهر جليدي؟ إنها الأعماق. مملكة العواطف والشجن، التي لا يحركها علم ولا غيره، ولا تتزحزح من مكانها إلا بأغنية عذبة أو موال حزين، لأن الحضارة المعدنية غير قادرة على عبور ستار المشاعر الشفاف، فما أسهل أن تمزقه، وما أسهل أن تبقى بعيدا عنه.
 الحضارة الغربية قامت بمقايضة غير أخلاقية، حين عطلت جانبا كبيرا من الحريات العامة وعوضتها بالحرية الفردية. وهذا صحيح بالطبع، فيمكنك في الغرب أن تشقشق ثيابك احتجاجا في وسط الطريق، لكنك لا تستطيع تغيير أي قرار سياسي تتخذه الدولة. لذلك رأى بومن، بعدها، أن المجتمعات الغربية تنتقل إلى مرحلة تالية تتم فيها مقايضة الحريات الفردية بما سماه “الاستمتاع بالحياة”.
لقد كانت مرحلة الحداثة الصلبة مرحلة الإنتاج الذي تتحكم الدولة به وبالأفراد، أما مرحلة السيولة فهي مرحلة تخلي الدولة عن هذا الدور.
لكن هناك خللا يشوب هذه النظريات التي تشرح الواقع وتنظر للمستقبل، يكمن في كونها، وإن كانت قد رفضت التفكير القديم، غير أنها أبقت على فكرة “الحتمية التاريخية” ولكن النسبية منها، أي أنها تعتقد أن علينا، نحن العرب، أن نعيش ما عاشته أوروبا مجددا، وأن على الصين أن تمر أيضا بعصر التنوير، وكذلك روسيا وأميركا عليهما أن تعيشا زمن البخار.
 هذا التفكير سارع بالانتقال إلينا، فوجدنا أن الإسلاميين يصرون على أن يبشرونا بعصر “النهضة” من جديد، وهذا بات ضربا من الجنون. فالحضارة البشرية عالمية مشتركة بين كل القارات، ولكل مجتمع من مجتمعاتها “سيناريو” خاص به تحكّم بوصوله إلى هذه اللحظة، وسيتحكم بمساره القادم، حتى لتكاد كلمات عمر الخيام تُسمع اليوم في أنحاء الكوكب “لا أنا عالِمٌ ولا أنتَ سرُّ الدهرِ/ أو حَلُّ مشكلٍ منه دَقّا/ نَتظنّى خلفَ الستارِ فإنْ زالَ/ فلا أنتَ أو أنا ثَمَّ نَبقى”.

شاهد أيضاً

جيفري كمب: سوريا والسياسة الأميركية

  جيفري كمب: الاتحاد في الثالث عشر من أبريل هذا العام، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا …