سورية هزيمة أخلاقية للأوروبيين

رؤية سورية – ناتالي نوغايريديه – الغارديان 

سورية هي أزمةٌ أوروبية، إضافةً إلى أنها أزمة شرق أوسطية، وهي أسوأ كارثةٍ على حقوق الإنسان في العالم منذ عقود. ربما يخبرنا المؤرخون يومًا ما إلى أي مدى ضيَّع الغرب فرصةً لإجبار بشار الأسد على التفاوض، من خلال ممارسة الضغط الكافي في الوقت المناسب على قواته، ولا سيما من خلال الضربات الموجهة. هذه هي الطريقة التي اضطر فيها سلوبودان ميلوسيفيتش إلى التوقيع على اتفاق دايتون عام 1995، الذي وضع حدًا للفظائع الجماعية في البوسنة.

في صيف عام 2013، كان من الممكن القول إن فرصةً ضاعت نتيجةً للتردد الأميركي. إن أُعيد فتح النقاشات يومًا ما؛ فقد نتعلم أن فشل الولايات المتحدة في التمسك بالخطوط الحمراء على استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية هو الذي شجع روسيا فلاديمير بوتين على البدء في التدخل العسكري، دعمًا لديكتاتورٍ كان جيشه يقتل المدنيين منذ عام 2011.

أنا لا أكتب هذا لتبرئة السياسات الأوروبية: ضبط النفس البريطاني، أو بدلًا من ذلك الامتناع في موقف باراك أوباما. وفرنسا التي كانت طائراتها المقاتلة مستعدةً للإقلاع، في آب/ أغسطس 2013، لا يمكن أن تقاتل وحدها. ومع ذلك، ما تزال تحاول أن تربط النقاط بين الشرق الأوسط وروسيا وأوروبا، وكيف يبقى خيار الولايات المتحدة، بين أن تتصرف أو لا تتصرف، مهمًا. إن ويلات الحرب في المنطقة المجاورة لأوروبا، وأثر الفوضى الجانبي في الشرق الأوسط، هي تطوراتٌ يتعين دراسة أثرها بشكلٍ كامل.

كان هناك نصف مليون حالة وفاةٍ في سورية، وما زلنا نعدُّ المزيد. أولى ضحايا المسلخ كانت في الشرق الأوسط، لا في أوروبا. لكننا مرتبطون بهذه الفظائع بطرقٍ تتجاوز من وقت لآخر قدراتنا على الاستياء، بينما نجلس لمشاهدة الصور التلفزيونية للأطفال الذين تعرضوا للقصف، وهم على أسرّتهم في مستشفيات الغوطة الشرقية.

في ذروة التفاؤل الذي أعقب الحرب الباردة، كان من المفترض أن تكون أوروبا قادرةً على تصدير الاستقرار. وبدلًا من ذلك، في السنوات الأخيرة، امتدت حالة عدم الاستقرار والفوضى إلى أوروبا من الخارج. وُلد المشروع الأوروبي من الحاجة إلى ضمان أن الماضي لن يكرّر نفسه. اليوم ألمانيا هي قوةٌ مترددة في أوروبا ولاعبٌ عسكري أكثر ترددًا، أما بريطانيا وفرنسا، القوى الاستعمارية السابقة في الشرق الأوسط، فيبدو نفوذها اليوم ضئيلًا.

ستطاردنا سورية وتؤرقنا لفترةٍ طويلة. منذ سقوط الرقة في العام الماضي، تحولّت الأزمة تدريجيًا إلى شيءٍ يشبه حربًا عالمية، على الرغم من أن القوى العظمى التي تشارك فيها: روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة، لم تكن في حربٍ مفتوحة علنية مع بعضها البعض، لكنهم يتنافسون من أجل السيطرة على الأرض. يود بعض الخبراء المقارنة مع الصراع اللبناني الذي دام 15 عامًا، والذي لربما تقارن سورية معه، في منتصف حربها بالوكالة فقط.

الأوروبيون ممنوعون من المشاركة إلى حدٍّ بعيد، ومهما كان صوت زعمائنا السياسيين عاليًا أحيانًا؛ فإننا لم نفهم بعد كيف أن الكارثة السورية قد أثرت في كيفية ارتباطنا بالعالم، وبأنفسنا، وبالقيم التي نود أن نعترف بها. بعد عام 1945 قلنا “لن تعود المأساة أبدًا”، ولكن ما قلنا إنها لن تتكرر أبدًا تتبدى تمامًا أمام أعيننا. لقد أصبحت سورية البرهان المطلق على عجزنا، وكلنا سمح بأن يحدث ذلك. سورية هي الدوامة التي يتفكك بسرعةٍ فيها النظام العالمي القائم على القواعد. وينبغي أن يكون هذا مهمًا كثيرًا، لأنه كان دائمًا لأوروبا مصلحة في منظومة الأمم المتحدة أكبر من الولايات المتحدة. عندما تنهار القواعد، كما حدث مع عصبة الأمم في الثلاثينيات من القرن العشرين، نحن ندرك جيدًا كيف يمكن للوحوش أن تُثار.

سورية هي المكان الذي يربح فيه الطغاة والمستبدون الجدد اليوم. بوتين، ورجب طيب أردوغان، والثيوقراطية العسكرية الإيرانية، حيث يحتلون المواقع الأفضل، أو يُنظر إليهم على نطاقٍ واسع على أنهم يفعلون ذلك، الأمر المهم ربما أكثر من ذلك. وفي الوقت نفسه، تنتصب شخصية دونالد ترامب بالكاد بمثابة منارةٍ راسخة. عندما يمكن لرجالٍ مثل هؤلاء تحديد الكثير مما يحدث، تحدث ظاهرتان متناقضتان ولكنهما قويتان بشكلٍ متبادل في أوروبا.

الأولى هي عودة الجاذبية للطاغية. إن اليمين المتطرف في أوروبا، فضلًا عن انتشاره السرطاني المتزايد في السياسة العامة، يجد في ذلك أكثر الأراضي خصوبةً لهذا الخط الفكري، وبغض النظر عن التكلفة البشرية، لا شيء يمنع القائد الذي تُبرر له الغاية كل الوسائل. المدنيون ليسوا مدنيين، إنهم “إرهابيون”. قرارات الأمم المتحدة ليست قانونًا، هي “مجرد ورقة”، أشياء يمكن أن تقلل من غضب الليبراليين غير الناضجين، قبل أن تعود القاذفات إلى عملها بخلق الصحراء التي ستسمى السلام.

ثم هناك اللامبالاة على ردٍّ مضاد سلمي. هذا موجود من جانب اليسار الراديكالي من الطيف السياسي في أوروبا، من لندن إلى برلين وأثينا. ونسبيته الأخلاقية تغطي ذاتها في “النزعة الدولية”. حيث يذهبون بتفكيرهم إلى أن أزمة سورية، منذ لحظات البداية، كانت معقدةً جدًا بحيث يصعب تحديد حلفاء معقولين. الغرب هو مذنبٌ، وانتهى. تغيير النظام أمرٌ سيئ، حتى عندما طالب به السكان اليائسون. كل الصراع على السيطرة على حقول النفط. يمكن للعقوبات ووقف التدفقات المالية أن تنهيه. مجرد الحديث والتفاوض. إن قادتنا مجرمون مثل بوتين، لا يهتمون للقصف المتعمد والمتكرر لمستشفيات الغوطة الشرقية. احذروا وسائل الإعلام الغربية السائدة. إذا توقفنا عن التدخل في سورية؛ فإن الأمور ستتحسن. إيران وروسيا هي الأثقال المقابلة والموازنة للإمبريالية الأميركية الهرمة.

والنتيجة هي سلبيةٌ أوربية بلهاء وعجزٌ في مواجهة الحرب الشاملة التي تتكشف على مسافة قريبة فقط. وبالطبع هناك إداناتٌ وتصريحاتٌ لوزراء الخارجية ودعواتٌ “لا بد من القيام بشيء”. ولكن مجتمعاتنا سقطت فريسةً للقصور الذاتي والارتباك.

ذات يوم، سنحتاج إلى أن نستعيد عن كثبٍ التسلسل الزمني للأحداث التي أصبحت فيها مكافحة الإرهاب أولويتنا الوحيدة، وليس المفهوم المدعوم من الأمم المتحدة عن “المسؤولية عن حماية” المدنيين، وأصبح فيها التدخل العسكري ضد (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) مبررًا سياسيًا في عام 2014، ليس بسبب تعرض العرب واليزيديين للذبح، ولكن بسبب قطع رأس رهائن غربيين. سوف نحتاج إلى البحث في كيفية تحول المساءلة الضرورية للغرب بطريقة أو بأخرى إلى لامبالاةٍ واسعة النطاق لما يمكن للسلطات الاستبدادية أن تفعله.

سورية مأساةٌ لأوروبا، ليس لأنها أيقظت أحيانًا غضبنا الصريح (بجرعاتٍ متواضعة إلى حد ما)، ولا لأن سياسات قارتنا قد انقلبت بسبب اللاجئين الوافدين. سورية هي جزءٌ كبير منا؛ لأننا بينما نود أن نصدق أننا قد نظرنا إلى أنفسنا في المرآة، بعد مذبحة أوروبا في القرن العشرين، فقد سمحنا لدرجةٍ من العدمية أن تزحف إلى الطريقة التي نقترب من الجحيم الذي انطلق غير بعيدٍ عن حدودنا. لقد لقّحنا أنفسنا ضد العار، ولكن سورية كانت هزيمتنا الأخلاقية.

Comments are closed.