إياد الجعفري: الغريزة والعقل في الغوطة

 

إياد الجعفري: المدن

كما في المرات السابقة، تمكن نظام الأسد من تفعيل التناقضات بين غريزة البقاء، الطبيعية، التي عادةً ما تكون قصيرة الأفق، لكنها أكثر تجذراً وقدرةً على التحكم في قرارات البشر، وبين التفكير العقلاني، الذي عادةً ما يكون بعيد المدى، وقد يتمكن في بعض الحالات من إخماد صوت غريزة البقاء، داخل النفس الإنسانية.

نجاحات النظام في الأيام القليلة الماضية، في تفعيل آثار الحرب النفسية ضد المستهدفين في الغوطة الشرقية، لا ترجع إلى حنكة أو حسن إدارة، إنما ترجع إلى اختلال هائل في أدوات الصراع بين الطرفين المتصارعين. فهناك مئات آلاف المحاصرين، المُعرّضين للقتل المجاني اليومي، وبضعة آلاف من المقاتلين المسلحين تسليحاً لا يتمتع بأي ميزة نوعية، مقابل جحافل من المقاتلين المرتزقة، والطائفيين المتعطشين للدم، المدججين بأعتى الأسلحة المتاحة في ترسانة معسكر دولي وإقليمي كبير، بغطاء جوي تقدمه ثاني أقوى قوة عسكرية في العالم، حسب موازين القوى الدولية المتُفق عليها.

لكن، رغم اختلال موازين القوى الهائل، يُجمع الكثير من الخبراء على أن مقاتلي الغوطة القلائل، بسيطي التسليح، يملكون مقومات صمود ومقاومة، نوعية، أيضاً. ومن المعروف في تجارب عديدة، في التاريخ القريب، أن حروب العصابات تنتصر في معظم الأحيان على أعتى الجيوش. لكن الكلفة الإنسانية، للحاضنة الشعبية، للمقاومين، تكون باهظة للغاية. ذلك التناقض، بين الكلفة الإنسانية الباهظة، وبين القدرة على الصمود واستنزاف المتقدمين إلى الغوطة، هو ما يلعب عليه النظام، وآلة حربه النفسية.

لا نستطيع، بطبيعة الحال، أن نزاود على أولئك المدنيين القابعين في الغوطة الشرقية. فكما قدمنا آنفاً، غريزة البقاء، هي غريزة طبيعية، خاصة إن كانت لا تعني النفس ذاتها، بل تعني ما يعز عليها، كالأولاد والأهل. لا تستطيع أن تقول لأب لديه بضعة أولاد، اصبر، حتى لو خسرت بعضهم، لأن النتيجة على المدى البعيد ستكون لصالح الصامدين في الغوطة. وهو ما يراهن عليه النظام بالضبط.

وكمثال على ذلك، حديث النظام عن شطر الغوطة الشرقية، الذي بدأ عسكريون تابعون للنظام، وربما متخصصون استخباراتيون في الحرب النفسية، تابعون له، يسربونه بانتظام، وكثافة، عبر الكثير من وسائل الإعلام. ومنذ أسبوع تقريباً، والنظام يتحدث عن شطر الغوطة، إلى أن بات ذلك الأمر أقرب إلى الواقع، في الساعات القليلة الماضية. الحديث عن تطور ميداني ما، قبل حدوثه، والترويج له، على أنه حدث بالفعل، إحدى أنجع استراتيجيات الحرب النفسية، في الحالة التي نشهدها اليوم في الغوطة الشرقية، حيث يُحاصر مئات آلاف المدنيين، المُروعين، وسط شائعات متزامنة ومكثفة، وخوف هائل من مصير مرعب قد ينتظرهم.

هكذا وصل الأمر بأفراد اتسعت شريحتهم، من أولئك المحاصرين في الغوطة، لأن يرفعوا الصوت مطالبين فصائل الغوطة تحديداً، بإيجاد حل سريع، ينهي حالة الاستنزاف في الحاضنة الشعبية. هم في معظمهم آباء وأمهات، لا يريدون أن يخسروا أولادهم، وذلك أمر لا يمكن لومهم عليه. ورغم أننا لا نستطيع أن نزاود عليهم مطلقاً، إلا أنه في حالة التفكير العقلاني الهادئ، البعيد عن مؤثرات القصف وتهديد الحياة، يبدو خيارهم قصير الأفق.

ورغم هول الهجمة على الغوطة، لا يبدو أن أصوات تلك الشريحة التي تتسع يومياً، قد تمكنت حتى الآن من أن تتحول إلى رأي عام غالب. لا نعرف بالضبط إن كان السبب هو إصرار الفصائل، مبدئياً، على الصمود، وعدم القبول بخيارات الاستسلام. لكن ما يصلنا من نشطاء في الغوطة، حتى الآن، يؤكد وجود رأي عام واسع أيضاً، لشريحة مُعتبرة من المدنيين، تُبدي استعدادها للصمود. ربما تمثل تلك الشريحة، عنصر الشباب، بصورة رئيسية، أولئك الذين يكونون عادةً أقل خشية من خسارة الأبناء، مقارنة بمن هم أكبر في السن.

أما بالنسبة للفصائل، فلا يبدو أن رفضها لخيارات التفاهم مع النظام، ترجع لإصرار عقائدي أو ايديولوجي، على الصمود، بقدر ما ترجع إلى مرارة خيارات التفاهم. فالنظام يصرّ على الوصول إلى عتبة من النصر الميداني، تسمح له بالتفاوض بأريحية، للحصول على تنازلات مؤلمة للغاية من تلك الفصائل، لا يمكن عنونتها إلا تحت لافتة الاستسلام. ولأن قيادات تلك الفصائل، ومقاتليهم، هم على الأغلب من شريحة الشباب، يمكن فهم إصرارهم على رفض خيارات الاستسلام، رغم أنها تعبّر بطبيعة الحال، عن غريزة البقاء، لكنها وفق معايير التفكير العقلاني، تقدم مصلحة قصيرة الأفق، مقابل ضرر بعيد المدى.

وفي هذه الساعات، يستخدم النظام وداعموه، الروس والإيرانيون، كل ادوات استهداف المدنيين، المتاحة لديهم، على أمل اتساع شريحة المُنصتين لصوت غريزة البقاء على حساب العقل. وقد يكون التفاعل بين تناقضات هذين المكونين في الإنسان، غريزة البقاء والتفكير العقلاني، ونتيجة هذا التفاعل، هي التي ستحدد مصير الغوطة، وساكنيها، وفصائلها، في وقت قريب.

Comments are closed.