إبراهيم الجبين: مقبرة المعلومات

إبراهيم الجبين: العرب

يتركك التفكير في قراءة العالم وتحركاته البطيئة ولكن الهائلة، في طمأنينة من أن المستقبل مستقبل عالمي واحد.
علينا أن نتعلم الكثير، كل لحظة

يقولون إن الكم الناتج عن عمليات التفاعل اليومية ما بين المليارات من البشر مع الأفكار والمحتويات، فائضٌ معلوماتي لا جدوى منه، وأنه يذهب تلقائيا إلى مقبرة المعلومات التي تشبه مقبرة السيارات في الكثير من بلدان العالم. تلال خردة من أصناف شتى لا نفع منها.

لكن هل هذا صحيح حقا؟

قد لا يكون كذلك. فحتى في أفلام الخيال العلمي، يُنظَر إلى تلك المقابر على أنها مصدر حياة جديدة.

ولأنه لا شيء يتبدّد في الفراغ، فإن كل المعلومات التي نحتقرها اليوم ونعتبرها جديرة بالحذف، إنما هي ملاحم غامضة لم يئن بعد أوان فك شيفراتها، ولم يأت الأشخاص المناسبون لتحليلها.

وقد وجدتُ أن تلك السيول الذاهبة إلى مقبرة المعلومات العالمية الكبرى، إنما تجرف في ما تجرفه أمورا هامة في حياتنا، نخشى عليها من الضياع، مثل اللغة والثقافة الأصيلة والعادات والتقاليد والتاريخ بالمرة. وهكذا، باستمرار الثرثرة الكونية تستمر الكلمات وتستمر اللغة وتستمر الهوية التي يخشى جميع الأطراف على ضياعها سواء كانوا من هذا العرق أو هذا الدين أو ذاك. ولولا ذلك الخوف لما نشأ التعصب.

علينا أن نتعلم الكثير، كل لحظة.

أقرأ في كتاب لبول هازار المؤرخ والكاتب الفرنسي، عن أزمة الوعي الأوروبي. وكيف انتقل الناس من الثبات الذي تمنت القوى التقليدية له أن يستمر، إلى التحول والحركة اللذين سعت إليهما كل حركة ثورية في العلوم والفكر والمجتمع.

يرينا هازار العوامل التي ساهمت في خلق العصر الحديث، ومن بينها ما رآه الأوروبيون في العالم الخارجي، خارج أوروبا، الأمر الذي ساهم في تصدع بنية الوعي الأوروبي، وفي ولادة الحداثة الغربية. تستوقفك في كلام هازار على سبيل المثال تساؤلاته “من أكثر النماذج المؤثرة في ذلك التاريخ، كان الإنسان الأميركي. لقد كان مربكا ضائعا وحيدا بين أقرانه، لا هو ابن سام ولا حام ولا يافث، أبناء من يكون الأميركيون إذن؟ ما سر إفلاتهم من الطوفان العام؟ إنهم عراة ومتوحشون، لكنهم مع ذلك صالحون طيبون وكرماء أكثر من الأوروبيين. إذن المتمدنون هم البرابرة الحقيقيون”، لكن في النهاية جر الجميع نحو اللحظة القادمة.

يتركك التفكير في قراءة العالم وتحركاته البطيئة ولكن الهائلة، في طمأنينة من أن المستقبل مستقبل عالمي واحد. ولعل أكثر ما يصف هذا بلاغة أبيات أبي ماضي الذي يقول فيها “إذا الأمس لم يرجع فإنّ لنا غدا”والتي من بينها “فإنّ نفوس العُرب كالشهب تنطوي/ وتخفى، ولكنْ ليسَ تبلى ولا تصدا/ إذا اختلفتْ رأيا فما اختلفتْ هوى/ أو افترقتْ سعياً فما افترقتْ قصدا”.

شاهد أيضاً

معاذ السراج: إيران واللعب مع الكبار

معاذ السراج – خاص ترك برس أثار انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق الشامل …