د. سميرة مبيض: سوريا في منظور آخر

د. سميرة مبيض – مجلة رؤية سورية / ع 52 أيار 2018م

 لنقف اليوم في زاوية مختلفة للنظر الى سوريا، من المقياس الجغرافي والديمغرافي الأوسع، لنلحظ على خريطة العالم، بلداً يشكل عدد سكانه نسبة لا تصل الى واحد بالمئة بل أنها بالتحديد 0.24 بالمئة من سكان العالم اي اقل من ثلاثة افراد سوريين من كل ألف انسان يعيش على الارض وتشكل مساحة هذا البلد، الذي يشغَل اليوم العالم بأخباره كما لو انه يمتد على نصف الكوكب، 0.12 بالمئة فقط من مساحة الأرض التي يأهلها الانسان وذلك قبل قضم أي أجزاء جديدة من سوريا.

ان تعمقنا أكثر فيما تواجهه هذه المجموعة البشرية، يتضح سريعاً أن المواجهة تبدو هزلية كمشهد من كوميديا سوداء، بالمقياس الكمي، العسكري والسياسي للأمور فالسوريون اليوم بمواجهة سيطرة أقطاب يزيد مجموع سكانها ومساحتها عشرين ضعفا عن بلدهم وبمقدرات مضاعفة عشرين مرة على جميع الصعد وهذا أمر يستحق التفكر به حين نعالج القضية السورية والتغييرات الجارية في المنطقة من هذا المنظور. فلا بد من دوافع لاتفاق هذه القوى للتورط بشكل أو بآخر في حرب دائرة على مساحة بهذا الصغر وعلى كتلة بشرية بهذا العدد.

قد توضح مناطق النفوذ الحالية الصورة بشكل أكبر للسوريين على الأخص أنها تأتي في سياق زمني لعصر يتجه نحو سياسة سيطرة الاقطاب الكبيرة على حساب الاطر المحلية الأصغر والأكثر تنوعاً، فهذه الأقطاب كتل تسهل ادارتها والتحكم بها والتنبؤ بما ستؤول اليه لاحقاً، وقد نقرأ في هذا السياق أيضاً تفسيراً على السؤال المتكرر للسوريين عن تغييبهم عن أي قرار يُتخذ حول الشأن السوري وحصر ذلك بقوى مهيمنة على كل فئة سواء من ما تبقى من المعارضة أو ما تبقى من النظام.

 لكن ذلك لا يأتي بإطار منفصل بحد ذاته أو متعلق بسوريا فقط بل يُقرأ أيضاً ضمن مسار خطى البشرية المتسارعة نحو ثمان مليار انسان على سطح كوكب الأرض وفي ظل صراع متنامي على الطاقة و الموارد و على المساحات القابلة للحياة و في ظل الاحتباس الحراري الذي سيحول مناطق واسعة الى أمكنة مقفرة خلال فترة قصيرة، نسبة للمقياس الزمني للبشرية، يبدو المشهد كجزء من إعادة توزع سكاني و إعادة توزيع موارد و مراكز استثمار اقتصادي في هذه المنطقة.

لا تأتي هذه القراءات من فراغ للأسف بل تدعمها وقائع استثمار قائمة على الأراضي السورية، على تواز مع عمليات تدمير مدن كاملة يقتل فيها مئات الألوف من البشر و يهجَّر الملايين خارج أرضهم و تظهرها وقائع أخرى تتمثل بالسعي للبدء بعملية إعادة اعمار قبل البدء بعملية محاسبة و عدالة انتقالية، و قبل أي تصويب للوضع السياسي أو الانساني القائم.

كل ذلك يحصل أمام عجز كامل للتفكير العقلاني السليم على فرض أي تقويم على المشهد، وما يحصل يُهدد فعلياً وبشكل جدي مفهومين أساسيين قامت عليه المُجتمعات الإنسانية وانتظمت وهما: مفهوم الالتزام بالقانون ومفهوم احترام الحياة البشرية. فالسوريون بواجهون اليوم استيلاء صريح على أراضيهم مترافق بتغيير فج للقوانين المحلية و بالتغاضي عن جرائم تجري بحقهم و بتغييب واضح للقوانين الدولية التي وُضعت لحماية الشعوب و المستجد تاريخياً في الأمر أنه يحصل دون حرب رسمية معلنة على هذا البلد، و دون اعلان احتلال رسمي لها بل هو استنفاذ كامل للموارد البشرية و المكانية المرتبطة و تجنيدها لخدمة أطراف خارجية مسيطرة.

ضمن مسار انطلق في هذه المنطقة ليصل لمستقر نهائي عاجلاً أم آجلاً. لكن هل من تعامي عن الأثر البعيد المدى لهذه العجلة التي مرت فوق مآسي لا تعد ولا تُحصى، كيف لنا أن يتوقع ذلك و نحن في هذا الحاضر نشهد احياء لذكرى مجازر حصلت منذ عقود، ثم و الأهم هل بإمكاننا الامتناع عن التفكير عن أثر هذه الموجة على الصعيد العالمي، عندما يفقد صكُّ الملكية قيمته بقرار جائر أو عندما تفقد المطالبة بالعدالة أي صدقية في مواجهة تزايد و تصاعد العنف على المستوى العالمي.

لا بد من التذكير هنا أيضاً الى أننا نتجه لعالم أكثر تسلُّحاً، ونتجه أيضاً الى أسلحة أكثر قدرة على الدمار والقتل، ونتجه  الى موارد أقل وفرة و نتجه الى استهلاك أكبر، و قد تكون الحرب في سوريا، على هول مصابنا، أقل مما سيراه العالم مستقبلاً.

ليس في هذه الرؤية مدعاة للتشاؤم بل هي دعوة للتعمق في محرك ما يحصل وهو قد تجاوز كل منطق وعقلانية وأصبح فيه كل سوري أداة تُحرَّك في سياق آخر، هي دعوة للتفكير بحلول جذرية تُفنِّد الأسباب وتطرح الحلول التي باتت تتعلق بمصائر شعوب والتي لا يمكن تسليمها بالمطلق الى قوة السلاح، وقوة السيطرة وقوة النفوذ بل هي ان لم تحتفظ بميزان العدالة وميزان  التشاركية و ميزان الوعي و الادراك السليم فلن تؤدي أي من هذه الأدوات مهمتها في حفظ أمن العالم و سلامه.

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …