محمود الوهب: هل تتورط إيران بحرب مع إسرائيل?

 د. محمود الوهب – مجلة رؤية سورية / ع 52 أيار 2018م

يكثر الحديث، هذه الأيام، في وسائط الإعلام المختلفة عن حرب محتملة الوقوع، إن لم نقل وشيكته، بين إيران وإسرائيل، وتنطلق هذه الحملات من حادثة الهجوم الإسرائيلي على قاعدة إيرانية في مطار  التيفور القريب من العاصمة السورية دمشق، ومقتل عدد من الإيرانيين، قيل إنَّ بينهم قادة عسكريين! وربما من احتمالات إلغاء الاتفاق النووي الذي صار وشيك الوقوع أو التعديل على الأقل، بحسب تصريحات الكثير من المعنيين في أوروبا وأمريكا ما قد يزعج إيران ويدفعها إلى ردٍّ ما، إضافة إلى أمر آخر هو الوجود الإيراني في جنوب دمشق الذي يسبب قلقاً لإسرائيل، وربما تجري حول الأمرين الأخيرين “بازارات” ومقايضات بين الكبار..!

إنَّ الحملات الإعلامية الإيرانية المهددة لإسرائيل قديمة/ جديدة، تعود إلى نحو أربعين سنة خلت، إذ كانت قد بدأت مع مجيء “الخميني”، وما عرف آنذاك بـ: “الثورة الإسلامية الإيرانية”، وبهدف محدد هو إحلال هوِّية سياسية جديدة تمهِّد لاستعادة مجد الإمبراطورية الفارسية، أو لتمنح القادة الإيرانيين الجدد فضاء أوسع لتحقيق طموحاتهم التي يتبناها “الخميني” بفكره المتطرف، وبأحلامه الإقطاعية بما تحمله من إرث هائل من الأحقاد القديمة، ومن نزعات ثأرية من تاريخ مضى.. وإذا كانت تلك الحملات قد ظهرت في بداياتها على أنها إدانات لما تقوم به إسرائيل تجاه العرب والفلسطينيين، فإنها منذ عشر سنوات أخذت تنمو وتشتد لدى ورثة الخميني، لتصبح “قميص عثمان” الآخر.. فكم من مرة بشَّر الرئيس السابق “أحمدي نجاد” بزوال دولة إسرائيل من الوجود كلياً فهي: “دولة لا جذور راسخة لها في المنطقة”، وغير ذلك من المزاعم، لكنَّ أحمدي نجاد زال، ولم تزل إسرائيل..! ومثله أو صداه، فَعَلَ “حسن نصر الله” الذي أعلن بأنه سيرجم إسرائيل بعشرات آلاف الصواريخ التي لم تشهدها في تاريخها.. لكن تصريحات كليهما ذهبت أدراج الرياح..! بينما ذهبت إسرائيل في السنوات الأخيرة إلى القيام بضربات مكثفة وصلت إلى نحو مئة ضربة (بحسب الإسرائيليين أنفسهم) لمواقع تابعة لحزب الله في سورية أو في أماكن على الحدود اللبنانية/السورية، ولم تجابه بأيّ رد غير الكلام الذي يحمل الكثير من الجعجعة والوعيد الفارغين الموجهين، أصلاً، إلى الداخل الإيراني أو إلى الشعب اللبناني الذي بات يشكو من عنجهية حزب الله وتطاولاته، حتى على أبناء طائفته كان آخرها: (الاعتداء على عليٍّ الأمين النائب المرشح عن الطائفة الشيعية في منطقة بنت جبيل) أو إلى الأوساط العربية التي تتوق إلى نصر ما يأتي عن طريق الشيطان على خلفية الهزائم التي يعيشها العرب منذ خمسين عاماً وأكثر.. فالعرب اليوم يتعلقون بمن يعدهم بأوهام نصر، لكنَّ الواقع شيء آخر تماماً..

إنني لا أخمِّن بأنَّ إيران لن تحرِّك ساكناً، في المجال العملي، تجاه إسرائيل، بل أكاد أجزم بذلك، لا لأنَّ إيران لا تملك ما يكفي من قوَّة لإزعاج إسرائيل، وجعلها تحسب حساباً لها، وليس لأنَّ إيران متورطة بحروب في بلدان عربية أرهقت شعبها واقتصادها الذي تهالك.. وليس لأنَّ أمريكا وروسيا لن تسمحا بذلك.. بل لأنَّ إسرائيل، في العمق، ليست على أجندة الولي الفقيه، في المرحلة الحالية على الأقل، ما يؤكد ذلك الواقع القائم بين الدولتين.. فالعلاقات الاقتصادية بينهما على خير ما يرام.. والكل يعرف بأن التوظيفات الإسرائيلية في إيران تبلغ نحو 30  ثلاثين مليار دولار ناهيكم بمئتي شركة إسرائيلية تعمل في مجال النفط.. وفي ميادين الحياة الأخرى ما ينفي كل ما يقال عن العداء المزعوم.. إذ إنَّ عدد الكنس اليهودية، على سبيل المثال، يبلغ مئتي كنيس، في الوقت الذي يُمنع فيه المسلمون السنة من بناء مسجد واحد.. ثم إنَّ هناك مئتي ألف يهودي إيراني في إسرائيل يعملون على توطيد العلاقات الإيرانية الإسرائيلية باستمرار.. إضافة إلى خمسة وأربعين ألف يهودي إيراني يشكلون مجالاً حيوياً للنشاط الإسرائيلي في إيران..! كل ذلك يشير إلى أن العداء الذي تعلنه إيران ضد إسرائيل ما هو على أرض الواقع، إلا الكذب والأضاليل، وهو في أبعد حالاته مؤجل إلى أن تنهي إيران حروبها في المنطقة العربية وفي سورية على نحو خاص..

فما هو واضح على الأرض أنَّ العداء الإيراني المعلن ضد إسرائيل، ما هو في حقيقة الحال، سوى وسيلة أو غطاء لطموحات العقلية الفارسية القديمة الكامنة خلف سطح الشعارات الدينية التي لا تزال تعيش الماضي البعيد، حالمة في استعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية التي دالَت، وفي الانتقام من العرب لسقوط المدائن على أيديهم عام 16 للهجرة 637 للميلاد.. إن شعار العداء لإسرائيل وتبني القضية الفلسطينية على نحو أو آخر هو جواز السفر الذي يدخل إيران إلى لا إلى فصائل المقاومة الفلسطينية ولبنان فحسب بل إلى البلدان العربية المجاورة لإسرائيل، تحت ما يسمى بمحور المقاومة والممانعة المحكومة بالرد على إسرائيل في الوقت والمكان المناسبين..!

وإذا ما ذهبنا إلى أبعد من ذلك فإننا نرى أنَّ لإسرائيل وللإيرانيين الغرض نفسه في المنطقة وهو التوسع والهيمنة، وكلاهما ينظر إلى العرب نظرة التفوق والاستعلاء نفسها، إنها النظرة القائمة على التعصب والعنصرية، ولا نلمح ذلك في التعديات الدائمة على العرب من الطرفين، بل إن ذلك مكرس في آدابهم وثقافاتهم.. وما يشجع الطرفين اليوم هو حال العرب المتدني فرقة وضعفاً واستبداد حكام..

إنَّ الواقع الإيراني اليوم وانشغالها عسكرياً في عدد من البلدان العربية وبخاصة تلك القريبة من إسرائيل وبخاصة سورية ولبنان، يمنعها حتى من ردِّ الضربة، فالمسألة لا تتعلق بإسرائيل فحسب التي قد تؤذيها إيران بعدد من الضربات ولكن النتائج لن تكون قطعاً في صالح إيران، إذ إنَّ أمريكا بقادتها الجدد رئيساً ووزيري دفاع وخارجية، في أقصى احتدامهم وتأهبهم اليوم، وبما يتوفر لها من أسلحة فتاكة في المنطقة ومن مؤيدين عرب يدركون تماماً أبعاد المطامع الإيرانية وأخطارها..! إضافة إلى أن الروس أنفسهم لن يتركوا موازين القوى تميل لغير صالح إسرائيل.. وهذا ما جرى التفاهم حوله بين نتنياهو وبوتين منذ دخول الروس إلى سورية دعماً لنظام الأسد..! وكذلك ما بدا من مواقفهم تجاه كل الضربات التي قامت بها إسرائيل ضد مواقع عسكرية أو مستودعات أسلحة سواء كانت لحزب الله أو لإيران على الأرض السورية، ويمكننا إضافة الى كل ما تقدم مسألة الواقع المعيشي المتردي للشعب الإيراني على الصعيدين السياسي والاجتماعي، فهو يدفع فوق طاقته، من لقمة عيشه، ومن ضرورات تنمية بلاده التي دمرتها التدخلات  العسكرية أو كادت، وما المظاهرات التي رغم القمع الشديد ما تزال ناراً تحت رماد..!

أما إسرائيل فستظل مكتفية بهذه الضربات الموجعة على غير صعيد ولا أظنها تشنَّ حرباً واسعة على إيران إذ إنَّ مثل هذا القرار غير منوط بها وحدها، وهو ملك من هو أكبر منها، ولذلك فمثل هكذا حرب ستبقى اليوم في علم الغيب، وفي نتائج المباحثات الدبلوماسية الناشطة الآن، على غير صعيد، بين قادة العالم بشأن إعادة صياغة الاتفاق النووي، وبتقليص الدور الإيراني في البلدان العربية، وبخاصة في سورية.. وفي تقليم أظافر حزب الله المقرر، منذ زمن، أن يتحوَّل إلى حزب سياسي فحسب. وعندئذ سوف تذوب هيبته بالحجارة الكثيرة التي سيرميه بها الشعب اللبناني بأفعاله واستكباره على اللبنانيين كافة.

وأختم لأقول إن إيران في مأزق حقيقي ما وضعها فيه إلا غباء حكامها وشهوة أطماعهم وتفكيرهم المستمد من عهود مضت أزمنتها! وهي ذاهبة إلى التقلُّص بعدما هيئ لها أنها تتمدد، وإلى الانكفاء بعد أن راودتها أحلام الدولة العظمى، وسواء قامت الحرب أم لم تقم، ويبقى الشعب الإيراني برميل بارود ينتظر الشرارة التي لابد آتية..

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …