فاضل السباعي:  حذار من العدوى

فاضل السباعي-مجلة رؤية سورية / ع 52 أيار 2018م

ممّا تعيه الذاكرة ولا تنساه، أني أرسلت، في بحر العام 1970، قصة بعنوانحذارِ من العدوىإلى مجلةالعربيالكويتية في عهد رئيس تحريرها العالم الأديب الدكتور أحمد زكي

ويقتضيني البيانُ أن أشير إلى أنّ ممّا يعانيه الكتّاب الذين ينشرون نتاجهم الفكري في الدوريات الثقافية، أنه يكون في المجلة المتعاَمَل معها كثيرٌ ممّا تتلقّاه من الرسائل وتقصير ما في إعلام الكاتب بوصول المادة إليها، أو بترشيحها للنشر، وإن كانت المجلة تبادر إلى موافاته بالمكافاة المادية المستحَقّة، وهذا التقصير قد يسبّب لصاحب المادة المرسلة قلقًا ربما بلغ حدّ الحرج، كما سأروي في حكايتي هنا.

أقول: انتظرت وقتا دون أن أتلقى جوابا، لا ولا اكتحلت عيناي بمرأى القصة منشورة. وقد سألت المجلة في ذلك، إلى أن أيقنت أنّ القصة لم تحُز الرضا، ومع أسفي لذلك فقد بادرت إلى توجيهها لمجلة عزيزة أخرى، هذه التي سرعان ما بادرت إلى الكتابة لي بالموافقة، وضمّت الرسالة شيكا بالمكافأة، على ما اعتمدته هذه المجلة منعادة مستحسنة“.   

الذي وقع لي أني، بعد هذا التلقّي الأريحيّ، وصلت إليّيا للمفاجأة! – من المجلة الأولى رسالة متضمّنة شيكا بمكافأة على هذه القصة! هنا فتحتّم عليّ أن أكتب لهم بطيّ القصة والامتناع عن نشرها فإنيوقد طال انتظاريوجّهتها لمجلة أخرى وتلقيت منهم المكافأة فأصبح لهم وحدهم الحقّ في نشرها، وتوخّيًا للسرعة فقدأبرقتلهم بعبارة موجزة «أوقفوا نشر قصتيحذار من العدوىالتفاصيل بالبريد»! وأذكر أني استفدت من خدمة هاتفية مستحدَثة مكّنتني من أن أمسك بسماعة الهاتف اتّصل بـالبرقيات المهتوفةأُملي عليهم نصّها، ثمأخذت أحرّرالرسالة المفصلة“. 

كان ذلك في أواخر أيام ذلك الشهر الشتوي. وعندما أهلّ الشهر الجديد نزل عددالعربيإلى المكتبات، وفيه رأت عينايحذار من العدوىمتمدّدة فوق ثلاث صفحات من هذه المجلة الشهيرة!

وأُسقط في يدي من جديد. فعدت أكتب للمجلة الأخرى، برقية مهتوفة مماثلة: «أوقفوا نشر قصتيحذار من العدوىالتفاصيل بالبريد»، عازما على كتابة رسالة تفصيلية ثانية!

ذلك كلهمقدمةلما سوف أحدّثكم به.

لأننا نعيش في ظلّ نظام حريص على أن يعرف كلّ ما يجري في الوطن من دقائق الأمور، في الشوارع يعمّها ضوء النهار وفي البيوت المغلقة أبوابها، فإنّ ثمّةرقابةبريديةهاتفية

لمّا اطّلعوا، هناك، على البرقية الأولى، ارتابوا في مضمونها: طلبٌ برقيّ للتوقف عن نشر شيء، وأنّ في البريد تفاصيل! وزاد في الريبة ظهور البرقية التي تلتهاواعتقدوا إنهم وضعوا اليد علىتخابُرفي مراحله الأولى!

احتجزوا البرقيتين، وبقي عليهم أن يبادروا إلى إلقاء القبض على صاحبهما. فتحوادليل الهاتفوأخذوا رقمي، وكُلّفعنصربالاتصال بي

في ذلك اليوم، تلقيتوأنا في بيتي وحيدا فأسرتي في العطلة الانتصافية بحلبمكالمة هاتفية يسألني صاحبها بصوت غير مألوف لي عن عنوان بيتي! استنكرت الطلب، وظننت المتكلمعابثَايتسلى، فطبشت التلفون في وجههوعدت إلى طاولتي أكتب.

بعد ربع ساعة جاءتني مكالمة أخرى، يغمغم فيها رجل بمثل تلك الكلمات، فزجرته: «يعني العبث الذي بدأه صاحبك تريد أن تتابعه أنت، وأغلقت

صباح اليوم التالي غادرت البيت متوجّها إلى عملي (وكنت مديرا لدائرة حكومية مقرها في أول شارع الفردوس قرببوّابة الصالحيّة“)، أسير الهوينى عبر الجادة الرئيسية مدة نصف ساعة، وعند وصولي أخذ صندويشة جبنة مسقسقة من بيّاع العصير في زاوية الشارع. وفوق أطلب تحضير كأس شاي من يدأبو محمد“.

وفيما أنا أمضغ لُقيماتي وأحتسي، قُرع باب مكتبي. دخل رجل سلّم بأدب وقدّم نفسه بغمغمة. طلبت منه أن يستريح، فجلس مطرقا لا ينظر إليّ تأدبا. وفي ذلك استحضرت في ذاكرتي السمعية صوت صاحب المكالمةالعابثةالأولى، فرأيت أنّ الصوت واحد. قلت له: «أنت اتصلت بي أمس؟»، فانتعش وقال نعم، مقدّمًا إليّ بطاقته بصفته رجل أمن، مدلّلا على صدقيّة شخصه، فقلت: «يا رجل! الآن أعرف أنك رجل أمن، لكن كيف لي أن أعرف هذا على الهاتف؟».

وقد سألته كيف وصل الساعة إليّ؟ فقال بأنه عاد إلى دليل الهاتف، وأخذ عنوان البيت، فتوجّ إليه، قرع الباب لا أحد، سألبقالالحارة، فأجابه بأنه رآني قبل قليل أخرج من بيتي إلى عملي. ما العمل؟ دلّه، فأتى إليّ.

وأبلغني دعوةَ أن أذهب إلى فرع الأمن الخاص به،

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …