بسام سفر: مسرحية (وقت مستقطع) .. مفاضلة بين الأسوأ والأسوأ

 بسام سفر – مجلة رؤية سورية / ع 52 أيار 2018م

دأبت قوات الحواجز والميليشيا على حجز البطاقات الشخصية (الهويات) للشباب والرجال الذين يمرون على هذه الحواجز في وسائط النقل، وحتى الذين يسيرون راجلين على الأقدام بغية إرسالهم على عمل السخرة في السواتر الترابية أو أعمال التعزيل في الشوارع، ويكون الاحتجاز لبضع ساعات أو نصف ساعة من أجل تفريغ الطرقات لمرور أحد المسؤولين، كل ذلك من باب ادعاء الحفاظ على حياة المسؤول، لأن العامة دائماً وجودهم يهدد المسؤول، في هذا الفضاء الحياتي الإنساني ( الذي يعمل فيه الشباب من أبناء البلد) بدون مقابل، ماذا نتوقع أن يدور حوار بين هذه الشخصيات المحتجزة في فضاء مغلق أو مفتوح، عن ذلك يجيبنا العرض المسرحي(وقت مستقطع)من تأليف الكاتب المسرحي جوان جان، وإخراج سهيل عقلة، وتمثيل (تاج الدين ضيف الله، محمد سالم، ودلال عمران)، ديكور ريم الخطيب، موسيقا سامر الفقير، أزياء سهى العلي.

حكاية العرض:

مسؤول يريد أن يصل إلى مكان عمله، تقوم الحراسات المسؤولة عن وصوله بإخراج كل من هم موجودون في الشوارع التي يمر بها خارج المكان ومنهم شخصيتا العرض ( تاج الدين ضيف الله، ومحمد سالم) اللتان تحتجزان في حديقة قريبة من مكان العمل، وتبدأ الشخصية الداخلة (تاج) أخيراً بالشتم على هذه العلقة التي أصبح فيها، ولا يستطيع الخروج منها، ويوجه السؤال إلى(سالم) كم سنبقى هنا على هذه الحالة؟!، ويرد على سؤاله: تعال اجلس جنبي، ودخن هالسيكارة، لينفتح الحوار بينهما بعد السيكارة على أوسع الأبواب، ويبدأ من الحشيش إلى النساء والعلاقات الزوجية والرشوة، وكيف تزوج كل منهما، واختار شريكة حياته وعلاقته بالأولاد والأخوة والآباء، حيث نجد سالم يطالب زوجته بأعداد بناته للعمل في سوق الدعارة المنظمة ويختار أن يشرف على عملهن في هذه السوق، والانطلاق إليه من المنزل ودعوة الرجال إليه لكي يحقق الحضور المالي الذي يريده عبر أجسادهن، لكن الزوجة ترفض ذلك قائلة: (إنهن عرضك؟!)، لكنه يجيب: لذلك أريد لهذا العمل أن يكون من خلال إشرافي، لكي نحقق ربحاً وفيراً في فترة قصيرة ونغادر السوق والبلاد، وينتقل بعدها للحديث عن الدخان والتهريب وأسعاره والربح المتوقع من العمل في الدخان والتحشيش، بينما يقص تاج حكايته مع أخواته البنات وأزواجهن، وكيف استولى على حصصهن الإرثية، ومنعهن من الحصول على هذه الحصة بدعوى عدم تفريق الكتلة المالية لأنها تعطي أرباحاً أفضل عندما تكون مجتمعة، ويستولي على الكتلة المالية والأرباح من أجل اسم العائلة وشرفها، ويبدأ بالتفريق بين (الشرف العام)، و(الشرف الخاص)، ويضيف لهما النزاهة، ويطلق تعميماً أن الشرف العام خط أحمر على الجميع عدم تجاوزه إلا من خلال الرشوة، والرشوة تكون عبر خطين واضحين (المال، والنساء)، حيث يظهر تقديم زوجته لتنام مع المدير مقابل الترقي الوظيفي مبرراً ذلك أنه كان في بداية حياته الوظيفية وحاجته المالية، وأنه لا يملك المال، بينما في قص حكاية تاج أنه يملك إرثاً كبيراً من عائلته، ويصبح بعد ذلك رئيس دائرة المبيعات في الشركة، ويحتدم النقاش والجدل بينهما عند الحديث عن الندم الذي يظهر من خلال مفهوم (الإنسان ورؤيتهما له، والقضية الفلسطينية التي يتاجران بها عندما يصبح تاج عضواً في مجلس الشعب، ويهتف سالم داعياً للقتال واسترجاع كل فلسطين، ويفرقان بين مجلس الشعب، وصالون الحلاقة والصالونات الأدبية التي انتشرت في العشرية الأولى من القرن الجديد، لكن سالم يقص علينا كيف سرق مصاغ أمه التي تجلس على كرسي مقعد معتبراً ذلك حقه، في حين تطالبه الأم أن يبقي لها ثمن الكفن، ولا يستجيب إلى نداءات أمه، ليبكي وينوح على منصة أبي خليل القباني، ويختم العرض على إيقاع أغنية ( أمي) لمارسيل خليفة.

الأداء والإخراج:

يبني المخرج سهيل عقلة أداء الشخصيات في التنافس نحو تظهير ما هو سيئ في الشخصيات الثلاث، إذ إن القبح في الترويج للحشيش الأفغاني المعروف بأنه الأفضل في سوق الحشيش داخل سورية وخارجها، ولهذا يظهر أن (تاج) يذهب بحالة التحشيش من سحبتين من سيكارة (مدكوكة)، لتنفك عقدة الشخصية وتبدأ في تظهير مدى ارتكابها للمعاصي والأخطاء في الحياة، بينما يجلس (سالم) مسترخياً على كرسي الحديقة من تأثير الحشيش، ويشرح لتاج كيف طلب من زوجته إعداد بناته للعمل في سوق الدعارة، ويستخدم المخرج لعبة كرسي التوازن التي يلعبها الأطفال في الحدائق محاولاً إظهار الهبوط في السوء بين الشخصيتين، ومع كل حركة بين أسفل النزول إلى نقطة أعلى الصعود، يظهر التناوب في السوء مع كل صعود وهبوط، ويوضح الأداء والنص أن الحرب المستمرة في سورية منذ العام 2011، فاقمت التناقضات الاجتماعية والسياسية في المجتمع السوري، وحتى ضمن الأسرة الواحدة، فعملية سرقة سالم لأمه العاجزة رغم كل المبررات التي ساقها لم تستطع إقناع تاج الذي سرق أخواته البنات، فالتناقض الحاد في كل شخصية عندما لا بتعلق الأمر بها، تتخذ موقفاً مثالياً داعماً للقيم الإنسانية، لكن عندما تصبح هذه القيم الإنسانية عائقاً دون وصوله إلى المال والسلطة يدوس عليها مبتعداً عنها مظهراً وحشية المال والسلطة واشتهاءهما يفوق الآخر.

إن تجسيد هذه الانتهازية والاستغلالية في شخصية (تاج) تبدو مركبة على أكثر من مستوى حيث يخرج السبحة ويقرأ القرآن لاستغلال الناس، ويدفع زوجته لتبيع جسدها في لقاء مع مديره لكي يتسلق السلم الوظيفي، ويصبح رئيساً للجنة المشتريات في الشركة، وخلال تجسيد دلال لدور الزوجة في السرير ذي الناموسية البيضاء وكأنها في حالة عرس، يكون الأداء الحركي على مستويين على السرير وعلى الأرض من قبل الشخصية التي تجسد المدير.

إن العفن المجتمعي الذي أفرزته الحرب السورية عمل المخرج عليها ودفع بها إلى منصات المسرحة في مسارحنا الدمشقية يعجل من إمكانية الخروج منها وليس الدوران في مستنقعها المحلي، فهذه الرسائل المسرحية إلى المجتمع السوري من خلال ظاهرة المسؤول الذي لا يظهر، وسرقة الأخوات والأم، والتحشيش، والاستزلام، وبيع الفتيات الصغيرات في سوق الدعارة، وكذلك رشوة المسؤول ليس بالمال فقط، وإنما بأجساد الزوجات ظاهرة مجتمعية قدمها العرض برشاقة.

الفضاء المسرحي:

إن الفضاء المسرحي على منصة أبي خليل القباني هو حديقة، لكن هذه الحديقة لا وجود فيها سوى لشخصيات العرض، وهنا إضعاف للفضاء فلو وجد الكومبارس في هذا الفضاء لكان أكثر إقناعاً، إن هذا التواطؤ الذي يقبله الجمهور بطيب خاطر مفهوم، أما أن لا تكون في هذه الحديقة أشجار إلا بالمعنى الإيحائي والديكور ينتمي إلى الواقعية في التنفيذ فهذه مفارقة.

يضاف إل ذلك أن (البروشور) الإعلاني فيه لونان رغم أن المصمم محمد خليلي ذكر أنه لون واحد، وفي المطبعة أصبح هناك لونان، أحدهما مغرق في السواد حول اليدين في الغلاف الأول والأخير، بينما في بقية البروشور يميل إلى اللون البني الداكن.

أخيراً دخل عرض ( وقت مستقطع) في السياسة الحكومية من بوابة المزاودة الفلسطينية في الولاء للقضية الفلسطينية كمستخدم لمحو كل الأخطاء والتجاوزات المجتمعية والسياسية والانتهازية والفساد في المجتمع من وراء الادعاء اللفظي بتبني القضية الفلسطينية والوطنية، وهذا الاستخدام لتغطية كل ما ذكر من بوابة القضية الفلسطينية التي يستخدمها النظام ورموزه في السياسة السورية.

بسام سفر

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …