نجم سمان: أجيال الفن التشكيلي في حلب

 

 نجم الدين سمان – مجلة رؤية سورية / ع 52 أيار 2018م

نقوش.. جداريات.. تماثيل ولوحات فسيفساء، أيقونات وأرابيسك، وصولاً إلى اللوحة التشكيلية المعاصرة. 

نقش “تلمي بن تليسنو” ملك حلب في القرن 14ق.م. ‏

تمثال “حَدَد” على ثورهِ الأسطوري.. يُمناه: قرص الشمس، يُسراه: هلال القمر، حدد أو.. أداد: إله العاصفة والمطر. ‏

نقش اثنين من “الجِنّ” مُجنَّحين في قلعتها منذ القرن العاشر ق.م. ‏

تمثال كاهن “الإله سين”: ربّ الوقت والمواقيت عند الحلبيين القدماء.

لوحات الفيسفساء.. أشهرها بجوار كنيسة “مار ميخائيل” في مستطيل، طوله: 11 متراً وعرضه: 9 أمتار. ‏

الأرابيسك الحلبي: أموياًّ.. تجريدٌ للنور الذي في الحروف، تكثيفٌ لمتواليات الزهر والأكفُ والدوالي التي على هيئة المُثمَنات وهي تتداخل حتى في أحجار البيوت، الحجر الذي من كِلسٍ أشهب، والطين الذي من حُمرة الشفق: لونان.. في عُمران حلب وفي قباب أريافها. ‏

حكى “المقريزي” عن وزير حلب “الباوزي” أنه كان مُولعاً بالتصوير، يشتري الصور التي من صُنعِ المُصوّرين بأثمانٍ باهظة، ومنها.. المناظر التي تخدع الناظر إليها، وفيها.. سحرٌ وسِرٌّ ضاع في زحمة التواريخ. ‏

وذكر المقريزي أبرَعَ هؤلاء: ابن العزيز القصير أحمد بن يوسف المُصوِّر، محمد بن محمد المُصوِّر. ‏

والمُصوِّر.. لقب للعائلات التشكيليّة تتوارثه: كُنيةً ومِهنةً ودلالةً على مكانة الفن التشكيلي في حلب منذ آلاف السنوات. ‏

أمّا أقدمُ مُصوّري الأيقونات في حلب، فهو: يوسف المُصوِّر، المُتوفى عام 1660م، ومن أعماله: “مُنَمنَمَة حلبية” في المتحف الآسيويّ، مؤرخةً بعام وفاته، وأيقونتان محفوظتان في مجموعة “هنري فرعون” الخاصّة في بيروت. ‏

وقد أورث يوسف فنّه الأيقوني إلى ابنه نعمة، ولحفيده: حنانيّا، وأخيراً.. لحفيد ابنه: جرجس المُصوِّر. ‏

بينما تميَّز ابنهُ: نعمة.. بدقة التصوير، وبنقاوة المساحات اللونية، مُعالِجاً خلفيةَ أيقوناته بالزخارف العربية “الأرابيسك”.  

وكان لمساهمة هذه العائلة الحلبية الفنية دورٌ في الخروج من التأثير المُباشر للأيقونة البيزنطيّة؛ إلى محاولة إيجاد خصائص أيقونةٍ حلبية.. تتماهى مع بيئتها، وتُقِيم حوار حضاراتٍ بين الخصائص الغربيّة لفن الأيقونة، وبين الخصائص المشرقيّة: العربية المسيحيّة والإسلامية. ‏

بعد ثلاثة قرون على انقضاء هذه العائلة الفنية، سيقوم الفنان التشكيلي سعيد يكن بمحاولة مُعاصرة لإحياء فنِّ الأيقونة الحلبيّ من خلال معرضه “نحو أيقونة حلبية مُعاصِرة” بدلالات إنسانية مُستمدةٍ من سيرة وحياة السيد المسيح. ‏

ومع دخول المطبعة إلى حلب عام 1702، توالت تجارب طباعة اللوحات الأيقونية، لاسيما عن السيد المسيح في عشائه الأخيرة وأيقوناتٍ لمريم العذراء ومريم المجدليّة.

بعد ذاك.. صارت المطابع تطبع الرسوم الشعبية المُستوحاة من السِيَر والملاحم الشعبية كأبي زيد الهلالي؛ عنترة وعبلة؛ الزير سالم، وأيضاً.. لفَطُّوم المغربيّة التي اعتُبِرَت آنذاك نموذجاً للجمال والسحر الأنثويّ الغامض. ‏

أمّا الغرفة الحلبية بجدرانها الخشبية المُزدانة بالنقوش والرسوم والخط العربي، وقد انتهى نقشها العام 1603، ثمّ وُضِعَت في “دار وكيل” في حلب، ثمّ اشترتها العام 1912 ألمانية تُدعى السيدة كوخ، لمصلحة مُتحف برلين، حيث مازالت تُعرَض فيه حتى الآن، وتعتبر من أهم مقتنيات ذاك المتحف الشهير.

ومن الأعمال الحِرَفِيّة المُهمة تاريخياً ورمزياً “المنبر الحلبي”ّ الذي أمر بإنشائه السلطان نور الدين الزنكي، فانتهى سلمان المعالي وحميد بن ظافر الحلبي من صناعته سنة 564 هجرية 1168 ميلادية ونقله السلطان صلاح الدين الأيوبي من المسجد الأموي في حلب إلى القدس ليُنصَبَ في المسجد الأقصى، فصار يُعرَف بالمنبر المقدسيّ، وقد وصفه الرحَّالة “ابن جبير” حين حلَّ بالشهباء:

“فما رأيت في بلدٍ من البلاد منبراً على شكلِه وغرابةِ صُنعِه؛ وقد ارتفع كالتاج العظيم على المحراب.. وهو مُرصَع كلُّه بالعاج والأبنوس”. ‏

يُرجِح أبي ذرّ في كتابه “كنوز الذهب” وجودَ مِنبرين: المنبر الذي أمر الزنكي بإنشائه ثم احترق مع الجامع الأموي عندما هاجم حلب صاحبُ إمارة “سيس” عام 1280 ميلادية، فعمل النجّار نور الدين أختريني منبراً آخرَ يُشبه ذاك المنبر؛ فلمّا افتتح السلطان صلاح الدين بيت المقدس، أمر بنقل المنبر فنُصِبَ إلى جانب محراب الأقصى. ‏

بواكير التشكيل المعاصر في حلب ‏

يُشير الفنان والناقد التشكيلي طاهر البني في كتابه: “الفن التشكيلي في حلب” إلى مُساهمة الفنانين المُستشرقين في تعزيز مفهوم اللوحة التشكيلية الحديثة، حيث كان بعضُ الرحّالة الغربيين يُصوِّرون بالريشة والألوان المعالمَ الأثريةَ لحلب، ومنهم: الفرنسي “لويس فرانسوا كاساس” الذي زارها العام 1785م، والبارون “غليوم بوخه” الذي رسم بالألوان الزيتية ناعورةَ ماءِ على نهر قويق. ‏

أما أولُ التشكيليين الحلبييين في مطالع القرن العشرين فهو: نديم بخّاش ونوبار صبّاغ. ‏

ثم عاد غالب سالم من روما دارِساً للفن وحائزاً لدبلوم فن التصوير الزيتي، وتبِعَهُ: وهبي الحريري، فبدآ بافتتاح المراسم وبتدريس مادة الفنون للطلبة وللهواة، فتخرّج على يده الجيلُ التشكيلي الأول في حلب: فتحي محمد؛ حزقيال طوروس؛ طالب يازجي؛ فاتح المدرس.

وكان أول معرضٍ تشكيلي يُقام في حلب عام 1948، وقد ضمَّ لوحاتٍ لسبعةٍ من فنّانِيهَا، ثم تأسّست في العام 1950 أول جمعية تشكيلية في حلب باسم “الجمعية الفنية” تمخضَ عنها إنشاء “أكاديمية صاريان للفنون التشكيلية” فظهر منها الجيلُ التشكيليّ الثاني: سامي برهان؛ اسماعيل حسني؛ عدنان ميسَّر؛ لؤي كيالي؛ زاره كابلان؛ سلمان قطايه؛ نبيه قطايا. ‏

ثم بدأ ظهور الكتب، فأصدر غالب سالم عام 1945 كتابه “المُوجَز في تاريخ الفنون” وأصدر فاتح المدرس سلسلةً من ثلاثة أجزاء بعنوان: “مُوجز تاريخ الفنون التشكيلية”. ‏

وأُتِيحَ لفتحي محمد ولإسماعيل حسني ولطالب يازجي ولرولان خوري ولفاتح المدرس وللؤي كيالي أن يدرسوا الفنّ في أكاديمية روما، وهكذا ظهرت إلى جانب الموضوعات التقليدية “البيئة الحلبية الآثار المناظر الطبيعية الصور الشخصية” تأثيراتُ رومانسية عند الفريد بخّاش؛ وانطباعيّة عند: دورا ألتوانيان، ومنيرة مراد أبو ريشة، وفي منحوتات جاك وردة. ‏

وتأثيرات تكعيبية وسريالية في أعمال: زاره كابلان وعدنان ميسر وفاتح المدرسو ليلى خانجي. ‏

وكان أبرز هذا الجيل: الفنان فاتح المدرس مُستفيداً من مُختلَف اتجاهات الفن التشكيلي العالمي، ليُنتج لوحته الخاصّة بتعبيريةٍ عفويةٍ مُستندةٍ إلى أرضية فكرية وثقافية متنوعة وبغزارة انتاجية لافتة.. كما يشير الناقد طاهر البني. ‏

وتميّز النحات فتحي محمد بتماثيله قبلَ دراسته الأكاديمية في روما وبعدها: تمثال “أبي العلاء المعري” في دار الكتب الوطنية، وتمثال “سعد الله الجابري” في الساحة الكبرى المُسمَّاة باسمه في حلب، أما تمثاله: “المُفَكِّرَة” فمِن مُقتنيات أكاديمية روما، وتمثاله “عدنان المالكي” مازال موجوداً في دمشق، ومن معارِضِه اللافتة في نابولي” “الجمال العاري المُؤنث”. ‏

أما لؤي كيالي فحاز الميدالية الذهبية في مسابقة مدينة “رافتا” الإيطالية مُذ كان طالباً في سنته الثانية، ثمّ أقام معرضه الشخصي الأول في “صالة لافونتانيلا” في روما عام 1959، وتوالت معارضه ونجاحاته حتى أصيب بأزمةٍ نفسيّة إثر نكسة حزيران فأتلفَ لوحات معرضه الشهير: “في سبيل القضية” بعد انتقاداتٍ حادة؛ ولم تنجُ من النار سوى لوحتان من معرضه ذاك، كما لم ينجُ الفنان ذاته.. فمات إثر احتراق فِراشِهِ به. ‏

بينما تميّز سامي برهان بلوحاته الحروفية، وتتصدّر لوحته الجداريّة الضخمة المُستوحاة من الخط العربي واجهةَ مبنى الأمم المتحدة في فيينا. ‏

وتفرّد رولان خوري بإصدار بيانٍ عن نظريته في الفن التشكيلي تحت عنوان: بيان الواقعية الإيحائية، كبديلٍ عن الاتجاهات الغربية الحديثة.. كالتجريدية وغيرها. ‏

وتميّز وحيد استنبولي بتماثيله المُنتشرة في المدن السورية: “المتنبي – سيف الدولة –  قسطاكي حمصي – ابن الرومي – البحتري” بينما تميّز تمثاله “الخِصب” في مدخل مدينة حلب بامتزاج الجداريات في قاعدته المربعة مع الكتلة المنحوتة الضخمة والعالية.

ولوحيد مغاربة تجربة مزدوجة قبل وخلال إقامته في إيطاليا ثم عودته إلى حلب. ‏

مع بدايات سبعينيات القرن الماضي توافر لحلب مناخٌ تشكيلي واسع الطيف، ومجموعة فنانين مُتعددي الاتجاهات، برز منهم: سعد يكن بفضائه التعبيري وتقنيته العالية، مُتأثراً بالتعبيرية الألمانية في تحويرها للشكل الإنساني، خصوصاً: الوجوه، بُغية إظهار طاقتها التعبيرية والنفسية، كما يُشير إلى ذاك الناقد طاهر البني. ‏

برز أيضاً:  يوسف عقيل؛ سعيد الطه ؛عبد الرحمن مهنا؛ طاهر البني؛ شريف محرم؛ على الحسين، الأخوين بشير ونعمت بدوي؛ حازم عقيل؛ آكوب جامكوجيان؛ جورج بيلوني؛ ناصر نعسان آغا.. وآخرين ومن النحاتين: عبد الرحمن مؤقت؛ زهير دباغ؛ شكيب بشقان. ‏

 

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …