فرات نجيب: مساهمة ابن البيطار في تاريخ الطب العالمي

فرات نجيب – مجلة رؤية سورية / ع 52 أيار 2018م


في كتاب الدكتور نشأت حمارنة؛ عن الطبيب العربي ابن البيطار تصويب لكثير من المفاهيم الخاطئة، أو.. المُبالغ بها عن سيرة وانجاز هذا الطبيب الشهير؛ سواء في المراجع العربية، وأيضاً.. بما يتعلق بسيرته في أبحاث وكتب المستشرقين. ‏
ولهذا يؤكد د.نشأت حمارنة في مقدمته بأن «مؤرخ العِلم العربي الذي يريد أن يفضح سلوك المؤرخين الغربيين المغرضين؛ ينبغي عليه أن يكون موضوعياً، وألا ينزلق في مهاوي التفاخر الفارغ، أو يُطلق الكلام على عواهنه». ‏
مشيراً إلى ما يُطلقهُ بعض “الباحثين” في المؤتمرات العربية؛ من مثل.. أن “أوروبا بنت علم الأدوية على أساس تراث ابن بيطار” أو.. على أساس تذكرة داود الانطاكي. ‏
وهذا كلام انشائي لا أساس علمياً له، ولا يُفيد في التعريف بتاريخنا أو بتراثنا، أو في تكريم علمائنا بل يؤدي إلى عكس المرجو منه.
والحقيقة.. أن أوروبا بَنَتْ علم الأدوية المفردة على أساس التراث العربي، وليست مساهمة ابن البيطار أو داود الانطاكي الهامتين.. إلا جزءاً أو بعض جزء من هذا التراث. ‏
قارئ هذا الكتاب سيكتشف أنه ليس فقط تصويباً لمساهمة ابن البيطار فحسب، وإنما انتقاد شديد لبعض المُتكسبين من المشاركة في الندوات والمؤتمرات تحت تصنيف “باحثين”!، من غير أن نعرف عن أيّ شيء.. يبحثون!!. ‏
يقول د. حمارنة: ‏”بعض الذين كتبوا عن ابن البيطار يعطون القارئ مثالاً صارخاً على أنهم لا يعرفون عنه إلا معلومات سطحية لم يُدققوها، وهم يُكرّوونِ ما قيل قبلهم، من دون أن يكون له أهمية تُذكر في تاريخ التأليف”. ‏
ويتابع في متن الفصل الأول من كتابه: ‏”يوم كتب ابن البيطار مؤلفاته الهامة، كانت أوروبا قد وضعت أساساً راسخاً لعلم الأدوية المفردة، ولم تعد بحاجة إلى ما يكتبه ابن البيطار.. كما أن مدارس الترجمة التي قامت بنقل العلوم من العربية إلى اللاتينية كانت قد أدّت رسالتها، وأغلقت أبوابها، ومن ناحية ثالثة فنحن لا نعرف ـتماماًـ متى وصلت كتب ابن البيطار من الشرق ـ دمشق ـ إلى ما تبقى من الاندلس، فابن البيطار كتب مؤلفاته في النصف الأول من القرن الثالث عشر حيث لم يبق الكثير من الأندلس بيد العرب. ‏
أما فلول الصليبيين في الشام ومصر أيام ظهرت كتب ابن البيطار فلم يكونوا أصلاً معنيين بمثل هذه الأمور بسبب جهلهم العلمي وتخلفهم”. ‏
أما أقدم ذكرٍ لابن البيطار في أوروبا فيعود إلى أوائل القرن السادس عشر الميلادي، أي.. إلى ما بعد ثلاثة قرون من تأسيس علم الأدوية المُفردة الأوروبية. ‏
ولم تُظهر أوروبا اهتماماً بمحتوى كتاب “الجامع” لابن البيطار حتى نهاية القرن الثامن عشر، حيث قام المستشرق “غالان” بترجمة مُختصرة إلى اللاتينية للكتاب، وهذه الترجمة لم تطبع. ‏
ثم قام المستشرق د.سونتهايمر بنقل الكتاب كاملاً، لكن بترجمة لا تصمد أمام المقارنة بترجمة “لوكلير” اللاحقة لها. ‏
وبينما ظهرت الطبعة العربية لهذا الكتاب عام 1874م، كانت ترجمة ديتز له إلى اللاتينية قد ظهرت عام 1883، ولم تشتهر بسبب ظهور الترجمة الفرنسية التي أنجزها “لوكلير” ومن صداها ظهرت مقالة “سكنبرغر ـ 1890” ومقالة “رينيه يسيه 1899م” ثم تبعهما “بروكلمان وروسكا وسارتون”، ثم أصبح الطريق ممهداً أمام الآخرين. ‏
والأكثر اهتماماً كان المستشرق ماير هوف بين 1933 ـ 1940، لكنه تسرّع كثيراً في إعطاء أحكامه فيما يتعلق بتاريخ العلوم العربية، حينما أعلن أن ابن البيطار لم يكن أكثر من ناقلٍ عن الغافقي!.. ‏وهذا تبخيس لمساهمته يُشبه المبالغة الانشائية لبعض باحثينا العرب تماماً!.


ابن البيطار: حياته وإنجازه العلمي
وُلد ابن البيطار لعائلة أندلسية من “مالقة” اشتغلت بالفقه والقضاء، وفي مخطوط كتابه “الإبانة” ينسب ابن بيطار نفسه بـ “عبد الله بن أحمد بن محمد العشّاب المالقي المعروف بابن البيطار”. ‏
والشيء الوحيد المؤكد أنه وُلد في الربع الأخير من القرن السادس الهجري /الثاني عشر الميلادي في “مالقة” بالأندلس. ‏
وأنه.. سيراً على نهج الأندلسيين قد رحل إلى الشرق ـوكانوا يقصدونه للحج أو التجارة أو طلباً للعلم، وهكذا اجتاز شمال إفريقية ومنها إلى اليونان وآسيا الصغرى فإلى مصر حتى استقرّ بالشام. ‏
ويُرجح وجوده في مصر في عهد الملك الكامل “615هـ ـ 1218م” الذي “جعله في الديار المصرية رئيساً على سائر العشابين”. ‏
وقد كان ابن البيطار في دمشق يوم توفي فيها الملك الكامل عام 635 هجرية ـ 1238م، حيث تعرف فيها إلى ابن أبي أصيبعة بعد عام وقرأ عليه أحد كتبه، ومن شيوخه: ابو العباس النباتي وهو صاحب كتاب “الرحلة المشرقية” وقد ذكره ابن البيطار في كتبه عشرات المرات. ‏
والثاني: عبد الله بن صالح الكتامي، الطبيب والعشَّاب وأستاذ علم الأدوية المفردة بمراكش، وهو أندلسي عاش حياته في مراكش وفاس. ‏
والثالث: ابن حجاج الإشبيلي وقد أهملته كتب التراجم، أو خلطت بينه وبين آخر يحمل الاسم نفسه، عاش في القرن الخامس الهجري وألف كتاب “المقنع في الفلاحة”!.. ‏
توفي ابن البيطار في دمشق عام 646هجرية في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب ومن أهم مؤلفاته: الكتاب الجامع؛ وتفسير كتاب ديوسقوريدوس؛ والإبانة والإعلام؛ والمغني في الأدوية المفردة، وذكر ابن أبي أصيبعة كتاباً خامساً له “الأفعال الغريبة والخواص العجيبة” وهو مفقود حتى الآن. ‏
وقد أثر ابن البيطار في مؤلفاته وانجازات كل من: ابن السويدي ـ ابن رسول ـ ابن منظور ـ ابن السراج الغرناطي ـ حاجي بائس ـ الدميري ـ القاسم بن محمد الوزير الغساني ـ داود الانطاكي. ‏
ويذكر يوسف بن اسماعيل الكتبي في مقدمة كتابه “ما لا يسع الطبيب جهله”: وكنت وقفت على كثير من الكتب.. فلم أجد أجمع من كتاب ابن البيطار في الأغذية والأدوية المفردة، المسمّى بالجامع، ولا أنفع منه في هذا الفن. ‏
ثم ينتقده ويُقومه: ‏لكني وجدت فيه من التطويل المُضِلّ والتكرار المُملّ والتقصير المُخلّ، ثم أنه كثيراً ما يُفسر البري بالجبلي، والمائي بالبحري، ثم أنه التزم نقل كلام المشايخ بذاته.! ‏
وهو ما نحتاجه اليوم من منهج نقدي مع مختلف نشاطاتنا العلمية والثقافية، من غير وقوع في “المبالغة الانشائية والتهويل والتطبيل والتزمير”، أو في “التسخيف والإقلال من شأن الآخرين”! ‏

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …