حذام زهور عدي: “المجتمع المدني” والثورة

 حذام زهور عدي – مجلة رؤية سورية / ع 52 أيار 2018م

لم يكن مفاجئاً إعلان سقوط الغوطة، فلم يكن باستطاعة أي فصيل عسكري يخوض معارك شبه تقليدية أن يحقق انتصاراً عسكرياً على دولة عظمى وضعت أحدث ما لديها من أسلحة من أجل إنهاء الثورة السورية ،وسحق أي “تمرد” مسلح وإبقاء الشعب السوري تحت رحمة جلاديه، لتنفذ وعدها له بإبقائه على كرسي الحكم مقابل ضمان مصالحها المحلية والإقليمية والدولية، فكيف إذا كان لها من الإسناد الأرضي والإعلامي ما تُجيشه البروبغندا الإيرانية من ميليشيات طائفية عابرة للقارات، وتنظيمات مسلحة ومدربة، وعدد هائل من القنوات المرئية والمسموعة والمقروءة، إضافة لما تملكه السلطة الأسدية من أدوات القمع العسكرية والأمنية  التي خططت لها ومارستها عبر ما يقرب من نصف قرن، ولا شك أن ظروفاً ذاتية متعددة ” لو تجنبتها الثورة” كان ، بالرغم من كل شيء، يمكن أن تحقق حصاداً أفضل  مما وصلت إليه،ولو أنها ،ضمن الظروف المحيطة، من الصعب أن تحقق كل ما كانت تحلم به…..تلك الوقائع هي ما سببت جواً عاماً من الإحباط واليأس، استغلتها أجهزة الإعلام المعادية” وبينها وبين إعلام الثورة مسافة لاتقل عن مسافة مابين الثورة وأعدائها من فروق الأسلحة والجيوش” لتُشعل تلك الأجواء وتوقع بعض الكتاب والمحللين بشرك مبالغاتها في مسؤولية المقاتلين والسياسيين عن الفشل”المريع” الذي مُنيت الثورة به…

إن دراسة موضوعية بعقل بارد لكل ما مرت به الثورة ضرورية وواجبة وبخاصة للإجابة الصادقة على سؤال : هل انتهت الثورة أم مازالت تملك إمكانية الاستمرار  بشكلٍ آخر وأساليب مختلفة؟!!ومن سيكون حاملها الاجتماعي ببنيته الفوقية والتحتية بعد كل ما حدث من تخريب وشرذمة وتهجير وكوارث؟؟

لقد امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بالأحاديث عن الثوار المسلحين، معاركهم أخطائهم وضعف التشكيلات الممثلة سياسياً لهم، ارتباطهم بالأجندات الخارجية،الفساد المنتشر بين ظهرانيهم، تشرذمهم واختراقات السلطة الأسدية وحلفائها لكثير من فصائلهم المقاتلة، وما دار بينهم من تصفيات كارثية أودت بقيادات عسكرية كانت تلعب  أكثر الأدوارثورية ووطنية كأبي فرات وأمثاله، تصفيات جسدية ظهرت دوافع بعضها واختراقات الأخرى، وما زال معظمها يطويه الغموض، ومع أن ما قيل كانت له من الحقيقة ما يستحق الذكر، إلا أن الأضواء نفسها لم تسلط على دور مؤسسات وهيئات المجتمع المدني بالرغم من الدور الهام والهام جداً الذي كانت تمارسه في ظروف صعبة للغاية، بل قلما تحدثت عنه، وفضل بعضهم تناوله بإطار طلب ديموستورا إشراكها كوفود استشارية في المفاوضات الجارية تحت سقف الأمم المتحدة،

لقد كانت صفحات التواصل مشغولة إما بالرد على أدعاءات الموالين وتلفيقاتهم وإما بالنقد المبرر والواجب وأحياناً الجارح للائتلاف وهيئة المفاوضات وما شابههما من تشكيلات حملت مسؤولية إدارة شؤون الثورة السياسية ومسؤوليات المتطلبات الأخرى، وليس الاعتراض على هذه الانتقادات سهلاً فمعظمها مطابقة للوقائع إلا أن موضوع هذا المقال لايتسع للحديث التفصيلي عنها،

من غير المبالغة القول بأن الملتقى الثوري لرفض “سوتشي” الذي عقد السنة الفائتة في باريس كان من أهم الذين سلطوا الأضواء على هيئات المجتمع المدني شاملاًالأرض السورية كلها من خلال الاتصال المباشر، عبر الوسائل التقنية الحديثة ،بتنسيقيات المدن والبلدات وإفساح المجال لها للحديث الحر عن مواقفها ومطالبها وإسماع صوتها لجمهور الملتقى…. أما التقارير التي كانت مؤسسات المجتمع المدني تقدمها عن أعمالها سواء لديمستورا أو تنشرها عبر الوسائل التي تستطيع النشر من خلالها، فقد بقيت بيد نخبة معدودة يحاصرها الإعلام الأسدي وحلفاؤه و يلحق بهماالإعلام الدولي، ولشديد الأسف يتجاهل معظمها إعلام الثورة وأقلام مؤيديها،

والحقيقة أن الالتفات إلى أهمية مؤسسات المجتمع المدني سورياً، بدأ مع تولي بشار الأسد الحكم ، من خلال تشكيل لجان إحياء المجتمع المدني، التي كان لها الدور الأهم في ربيع سورية الذي قمعه النظام الأسدي بعد أن استشعر خطره على سلطته المطلقة الاستبداد،فتراجع العمل فيه وانكفأ بعد اعتقال معظم قياداته..

وإذا كانت أدبيات المجتمع المدني تعرَفه بأنه اللجان أو الجمعيات أو المؤسسات المستقلة عن سلطة الدولة الحاكمة  والتي تقوم على العمل التطوعي ،تديرها شخصيات مدنية منتخبة انتخاباً حراً، فإن ما وجد من تشكيلات مدنية  بعد الثورة في سورية شرقاً وشمالاً وجنوباً وبخاصة في بعض مناطق حوران وفي الغوطة الغربية والشرقية نماذج تستبطن ذلك التعريف وتعبر عن العراقة الحضارية للشعب السوري.لقد استطاعت السلطة الأسدية سحق التشكيلات المدنية التي ظهرت كتنسيقيات تدير التظاهرات السلمية وإعلامها، وتقدم الإغاثة  للجرحى والمحاصرين وعائلات الشهداء عامي 2011 و2012في حمص وحماة”المدينة” ودمشق” المدينة” لكن العمل المدني السوري استمر محتمياً في الشمال أو الأرياف،أما الذي قدمه النظام الأسدي لديموستورا باسم المجتمع المدني، وأصدر معه بياناً في اجتماع بروكسل الأخير، يُكرس سلطة الأسد، فلاعلاقة له بأي مجتمع مدني سوري لأنه ببساطة يفقد أهم شروطه” الاستقلال عن السلطة”..ولهذا كذَبت توقيعها عليه أهم الجمعيات المدنية التي زُور توقيعها، (كالشبكة السورية لحقوق الإنسان ومركز توثيق الانتهاكات اللذين أصدرا بياناً بهذا الخصوص)* إنَ أهم ظهور مبكر للعمل المدني ، كان في غوطة دمشق،  كمجموعات توثيق المعتقلين والمغيبين قسرياً ، مثل الدور المتميز الذي كانت تلعبه المناضلة الحقوقية رزان زيتونه ورفاقها الذين لايزال تغييبهم أحد الألغازالكبيرة  لفصائل الغوطة العسكرية،مع أن أداءه  ودوره كان من أرقى  الأدوار المشهودة للعمل المدني، كما أعمال المجموعات الطبية والإعلامية التي تولت فضح  جرائم النظام بالصوت والصورة،

لقد استطاعت مدن داريا ودوما على سبيل المثال تشكيل مجالس محلية بطريقة ديموقراطية حقيقية وكانت التجربة ناجحة بامتياز، إذ لم تكتفِ هذه المجالس بالإدارة المدنية وتأمين السكان بكل ماله علاقة بحاجياتهم ضمن ظروف الحصار الخانق وفي أثناء الهجوم الأخير “مئات الغارات اليومية وبأحدث أنواع الأسلحة “كانت تقوم بجهد كبير لترعى مصالحهم، وتمنع أي نوع من الفوضى، لقد استطاع شباب داريا تشكيل مجالس محلية في المدينة نفسها وفي الدساكر الملحقة بها منذ عام 2013 ولعل الضربة الكيماوية في تلك الأيام كانت تستهدف من جملة أهدافها نجاح تلك التجربة واستقرارها، ثم انتشرت تلك المجالس في أرجاء الغوطة كلها حتى أصبحت ما يفوق 43 مجلساً محلياً أدار مناطقها مدنياً وأجرى المفاوضات السياسية مع حزب الله والروس وجيش السلطة الأسدية،وليس سراً أن شباب المجلس المحلي في داريا قدموا مبادرات عدة منذ 2014 لإيجاد تسوية سلمية لمنطقتهم وتوسطوا الروس الذين ردوا عليهم بعد مشاورات مع السلطة الأسدية أن الأسد رفض المبادرة وأصر على الحسم العسكري وإفراغ داريا من سكانها، ثم عاد المجلس ووسط حزب الله من أجل تسوية ما، لكنن الرد جاء مطابقاً لما أبلغه الروس لهم، وفي 2016 كان قرار المجالس يجب أن تقف الحرب بأي شكل وثمن، والمهم منع التهجير القسري وضمان بقاء أهل الغوطة في أراضيهم ومنازلهم،  استمرت المجالس بالمبادرات وكان أشهرها مبادرة “من أجل إعادة الحياة للغوطة” التي عمل عليها أساساً مجلسا حرستا ودوما،لكن السلطة الأسدية تجاهلت تلك المبادرات جميعاً لتنفذ مخطط تفريغ الغوطة…وبالفعل نتيجة الحصار الخانق والعنف البربري، تناقص سكان الغوطة من مليونين ونصف إلى 600 ألف أواخر عام 2017 …هُجِر معظمهم أخيراً بعد القصف الكيماوي على دوما…

استطاعت الإدارات المدنية مع الهيئات التي انبثقت عنها القيام إلى جانب الدور السياسي ب:

  • حراسة المصالح المحلية والعالمية التي كانت متواجدة بمناطقها،
  • توثيق أحداث الغوطة بعدد الشهداء ومرات القصف ونوع الأسلحة …إلخ…
  • تزويد الإعلام الثوري والإقليمي والدولي بما يحدث لكن استجابة الإعلام العالمي كانت أقل بكثير من المادة التي كانت الهيئات المدنية تزودهم بها،
  • تأمين ما استطاعوا من ظروف للعمل الطبي ضمن منهجية استهدافه ….
  •  تجييش السكان ضد تواجد المتطرفين من أمثال النصرة وشبيهاتها وتنظيم المظاهرات التي نادت بخروجهم من الغوطة،
  • تحريك المدنيين للوقوف جسدياً بين فيلق الرحمن وجيش الإسلام لمنع استمرارهما بالتقاتل،
  • عملت على تحجيم تأثير الفصائل العسكرية  في حياة السكان، ولم يتواجد في تلك المجالس أكثرمن عنصر عسكري واحد في معظم الأحوال وكانت مهمته التنسيق بين الإدارة المدنية والفصائل المسيطرة…
  • اهتمت بالتنسيق مع جمعيات الإغاثة الدولية والأهلية وأصدرت أنواعا من السلل الغذائية، أما ما قيل عن مخازن المؤونات فبعضه مبالغ فيه لتشويه عمل المجالس من جهة وتجييش الرأي العام ضد الثورة من جهة أخرى إذ كانت تلك المخازن تجمع الإغاثة بها

 مع حساب إمكانية استطالة الحصار والقصف.لتتابع التوزيع..ولاتنفي المجالس وجود بعض الشبيحة بين ظهرانيها الذين يقومون بأعمال.السرقة والابتزاز ورفع الأسعار..

  • إدارة مؤسسات الدولة إذ لم تُجر أي تغيير فيها إلا بما يتفق وأهداف العدالة الإنسانية، كمحاكم الأحوال الشخصية وسجلات  المواليد والوفيات.وإصدارالهويات…..و حافظت على السجلات العقارية التي تآمرت السلطة والإيرانيين على إصدار القوانين لحرمان أهل الغوطة من عقاراتهم تمهيداً للتغيير الديموغرافي،  كما منعت الهيئات الشرعية للفصائل من التغول على القضاء المدني بعد ما لمست حالات متعددة منها غير مقبولة، وحافظت على استمرار الأعمال البلدية وغيرها…
  • – قدمت الجمعيات المدنية للمهنسين مشاريع مدروسة لإصلاح البنية التحتية  لبلدات الغوطة وترميم ما خُرب منها بسبب القصف..
  • قدمت تقارير متعددة ذات مصداقية عن الغوطة وأحوالها وحاجياتها لديمستورا وفريقه حين أدرجت هيئة المفاوضات الأولى المجتمع المدني بين استشارييها..
  • هذا غيض من فيض للتجربة الديموقراطية الناجحة التي عاشتها الغوطة صامدة ست سنوات مع حصار وقصف بربري،والأهم أن تلك المجالس كانت منتخبة انتخاباً حراً ومن أفاضل الشباب المتصفين بالنزاهة والغيرة الوطنية…
  • مثل تلك التجربة حدثت أيضاً في الشمال السوري ومناطقه المحررة، وأهمها في سراقب وكفرنبل وما يحيط بهما وفي بلدات حورانية متعددة، ومؤخراً في إدلب أيضاً…ويتشكل ما يماثلها اليوم سرا في المناطق المحتلة…

أما ما شكت منه تلك المجالس فكان بالدرجة الأولى عدم الإعتراف الدولي بها بالرغم من انتخابها ديموقراطيا، واستمرار الاعتراف بالسلطة الأسدية كسلطة شرعية بنظر القانون الدولي، مما أفقدها الكثير من قدراتها العملية،كما شكت من الإهمال الإعلامي وتهميش هيئات المعارضة السياسية لها، كالائتلاف وأجهزته،

إن أهم ما فعلته السلطة الأسدية بعد احتلال الغوطة هو تفتيت المجالس المحلية للقضاء على نموذج العمل الديموقراطي، وتنشيط التغيير الديموغرافي فيها، وقد ألقت القبض على معظم ممثلي تلك المجالس بالرغم من التعهد الروسي بحمايتهم…

عندما يجري الحديث اليوم عن إعادة التشكيلة القيادية التي تمكن الثورة من الاستمرار تتجه الأنظار إلى من بقي من تلك العناصر التي خبرت الحياة الديموقراطية  والمسؤولية الوطنية لخوض مرحلة تحرير سورية من محتليها وأذنابهم، إنها الدماء الجديدة النقية التي يحتاجها النضال الثوري التحرري من أجل سورية الحرة.

×××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××

المصادر: *أوراق تنظيمات المجتمع المدني المقدمة للفريق الاستشاري لديموستورا

*مداخلات قدمها السيد معتز مراد الناشط المدني من داريا، والسيد مجد الديك من دوما عن أعمال المجالس المحلية في الغوطة..

قُدمت المداخلتان في ندوة أقامتها جمعية سورية فرنسية في باريس مساء الأحد في 15/4/2018من أجل أطفال الغوطة، مع مقابلة جرت معهما في تلك الندوة.

*كتاب”شرق دمشق على حافة العالم” لمجد الديك الذي يحكي فيه تجربته بالعمل المدني، وقد تُرجم الكتاب للغة الفرنسية،

* التجربة الشخصية مع لجان إحياء المجتمع المدني “دمشق، حمص، حماة”

*بيان مركزتوثيق الانتهاكات في سورية-vdc-syria  الصادرفي 25/ ابريل/ نيسان..من بروكسل أيضاً…

17/4/2018

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …