رزق العبي: من دمشق إلى إدلب.. شهداء بلا شواهد وقتلى بلا جنائز

رزق العبي– مجلة رؤية سورية / ع 52 أيار 2018م

انقسم الناس، في سوريا، منذ بداية الثورة، بين مؤيد للنظام وثائر عليه، وفي بعض المناطق من البلاد أحدثَ هذا الانقسام، شرخاً أسرياً تارةً وتسببوا بحزنٍ سرّي تارةً أخرى. نظراً لوجود إخوة أو أقارب يقاتل كلّ منهم في جهة مختلفة عن الأخرى. ومنذ تحوّل الثورة إلى صراح مسلّح، قُتل مئات الآلاف من الشباب، وتسبب ذلك بدفن الكثير من الجثث في غير مكانها الجغرافي، ودون أن تُقام صلاة جنازة، أو طقوس عزاء..

الموت سرّاً عن دمشق:

اتصال مليئ بالألغاز، جاء عند التاسعة مساءً، تمكّن “أحمد” من فكّ شيفراته، وركض مسرعاً إلى مستودعٍ متاخم لمكان عمله في إحدى أسواق العاصمة “دمشق”، ليبكي وحيداً، ليس لأنه يفضّل ذلك، إنما لأن خبر استشهاد أخيه في مكان مناوئ لنظام بشار الأسد يجعل “أحمد” عرضة للخطر.

انشقّ “محمد” وهو الشقيق التوأم له، من ثكنته العسكرية في حمص، عام 2012، بعدما أمرهم الضابط بالنزول إلى الشارع لقمع المظاهرات ونَصْب الحواجز، وانتقل إلى “عين ترما” بريف العاصمة، ملتحقاً بصفوف الجيش السوري الحرّ، كاتماً السرّ عن أهله الذين يسكنون في إحدى أحياء دمشق.

يقول “أحمد”: “كنت الوحيد الذي عرف بانشقاق أخي، ولكنّنا بلّغنا (جيش النظام) بأنه مفقود، وكنتُ أُخفي عن أميّ وأبي ذلك، خشيةَ أن يعرف أحد من الجيران فينتقل الخبر إلى الأمن فيعتقلونا واحداً تلوَ الآخر”.

شعور صعب أن تخاف من دمعك، خشيةَ أن يسألكَ أحد عن السبب، ويفتضح أمرك، لأنك تسكنُ في أخطر رقعة يسيطر عليها النظام في سوريا. وأحمد ليس واحداً ممن بكى وحيداً ثمّ شاركه أهله البكاء سرّاً، دون عزاءٍ أو قبر لابنهم الشهيد. إنهم شهداء بلا شواد، ولا طقوس عزاء.

“أيهم” والذي اخترنا له اسماً مستعاراً، تبدو قصّته أكثر حزناً، ففي الوقتِ الذي يزوره شقيقه مرتدياً بدلة عسكرية، متفاخراً بقنبلة موضوعة على خصره، وجهاز لاسكلي، ومتباهياً باقتحام النظام لبلدات الغوطة الشرقية مؤخراً، كان قدّ جاءه نبأ شقيقه الآخر شهيداً قضى على إحدى جبهات الغوطة ضدّ قوات النظام.

أحد أقاربه المقيم في تركيا، تحدّث عن القصة الشائكة، التي باتت تخلق الفجوات وتوسّعها حتى ضمن البيت الواحد.

يقول “معتزّ”: اضطرت الكثير من العائلات من أهالي الغوطة الشرقية، للسكن في دمشق، منذ عام 2012، هرباً من القصف، والقذائف، ولكن هنالك الكثير من العائلات لم تذهب إلى الشام بكاملها، إنما بقي في الغوطة من هم في سنّ الخدمة، أو من المطلوبين للنظام، ولكن فيما بعد من كان غير مطلوب للخدمة وسكن في دمشق، أصبحَ مطلوباً للاحتياط، أو للعمل كـ”شبّيح”، وهذا ما حدث مع أحد أقاربي، ففي الوقت الذي كان شقيقه يقاتل في الغوطة الشرقية، دفاعاً عن أرضه وأهله، كان شقيقه في الشام يتوعّد الغوطة غازياً ومقتحماً، ولكنّ الموت سبق شقيقه في الغوطة، ووقع الأهل في التباس شديد، بين من يقول شهيداً وبين من لا يعترف به ويتبرّأ منه، وكل ذلك حصل سرّاً، لأن أي خبر يصل إلى النظام قد يتسبب باعتقال أفراد العائلة”.

الموت خجلاً في إدلب:

وعلى الضفّة الأخرى في إدلب الخارجة عن سيطرة النظام، يهمسُ أيمن إلى أخيه خالد، بنبأ وفاة، ثمّ لا يلبث أن يعمّ الخبر أرجاء البيت، قُتلَ شقيقهم بإحدى هجمات النظام في دير الزور، وهو العسكري المتطوّع الذي رفض الانشقاق عن قوات النظام، وظلّ يقاتل حتى لقي مصرعه.

ولو كان الأمر أقلّ خطورة في إدب، إلّا أنّ الجوامع لا تسمحَ بأن ينادى على العنصر الذي يُقتل مع النظام، وفي كثير من الأحيان لا يذهب أحد ليخبر الجامع أساساً، فالأمرُ مخجل بعد مئات الغارات الجوية، وأعداد الشهداء المدنيين الذي قضوا على يد قوات النظام، بحسب الأهالي.

لكنّ طقوساً من العزاء تقام على نطاقٍ ضيّق في ريف إدلب، على مبدأ العزاء للأب والأم والأشقاء، وفق ما قال “أبو سعيد”، الذي شارك عدّة مرات بتعازي في بلدته بريف إدلب الجنوبي.

يقول: يُقتل بشكل متكرر شبّان يقاتلون مع النظام، ونعلم بذلك، وأنا ذهبتُ عدّة مرات إلى منازل أهالي القتلى، لأعزي الأب والأم، من باب الواجب، وليس إكراماً للقتيل، وفي مختلف بلدات إدلب يقام عزاء ضمن البيوت، وعلى نطاق ضيّق، حين يُقتل أحد من أبناء إدلب مع النظام، ويكون العزاء شكلياً وسريعاً، ضمن الحيّ الواحد ولا تُقام صلاة ولا يأتى بجثّة منذ سنوات، ولكن قبل ذلك كانت تأتي الكثير من الجثث، ويذهب للدفن عدد قليل من الناس”.

شاهد أيضاً

أنظار النظام نحو الجنوب السوري.. وحميميم تهدد

رؤية سورية- عبد القادر الموسى – جيرون بدأ النظام، بدعم من روسيا، يلوّح بالتوجه إلى …