أحمد الهواس: إيران إسرائيل وترتيبات ما بعد الضربة!

أحمد الحواس- ترك برس

انشغل الرأي العام العالمي بإعلان ترامب انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي مع إيران , وانشغل الرأي العام العربي والسوري منه على وجه الخصوص بالتصعيد العسكري الإسرائيلي ضد قواعد إيرانية في سورية , موقفان مختلفان من حيث التقدير والنتائج , فعلى المستوى العالمي هناك حسابات الطاقة وأهمية المنطقة الساخنة وتحكمها بإمدادات النفط والغاز للعالم , وما الخسائر التي ستصيب اقتصادات الدول الصناعية بزيادة أسعار النفط , وكذلك مصير الاستثمارات التي تمّ الاتفاق عليها مع إيران بعد الاتفاق النووي ؟

في حين ذهبت أمنيات العرب وفي القلب منهم السوريون إلى أنّ التهديد ومن ثم التصعيد ضد إيران من قبل إسرائيل سيدمر القوة الإيرانية وحلفها الطائفي الذي فتك بالثورة السورية , وقوّى النظام الطائفي , وساعد على عمليات التهجير التي طالت ملايين السوريين فضلاً عن عمليات التغيير الديمغرافي المنظّم . أملٌ وصل ببعض السوريين إلى الدعاء للعدو الإسرائيلي بالنصر الساحق على العدو الإيراني !

بعيدًا عن التأويلات والتحليلات والأمنيات , يبقى السؤال هل ثمة حربٌ وشيكة بين إيران وإسرائيل ؟ وهل كانت الضربة الإسرائيلية مقدمة لحرب شاملة ؟

في سبعينيات القرن المنصرم وضع كسينجر نظرية “الضغط على الأطراف حتى يرتاح القلب” والتي تقوم باختصار على إغراق العالم العربي بمشكلات مع الدول المحاذية له , ومنها إيران , وبعد ثورة الخميني 1979 ظنّ العرب أنّ الخلاص من الشاه سيغير قواعد اللعبة فإذا بهم يترحمون على الشاه قياسًا بالجرائم التي ارتكبتها ومازالت ترتكبها إيران الثورة بجوارها وما بعد جوارها وكذلك العمل قبل ذلك على زعزعة الدول العربية بتصدير الثورة “تصدير التشيع” وصناعة تمايز مجتمعي يؤثر في خلخلة النسيج الاجتماعي وصولاً لحالة الاحتراب المجتمعي.

لم يكن غزو العراق 2003 بداية انهيار السدّ الذي حافظ ببقائه على البلاد العربية حكومات ومجتمعات  من الخطر الإيراني أربعة وعشرين عامًا بل كان بداية تفجّر نهر دماء السُنة الذي بدأ تدفقه بالعراق ولم ينته جريانه في الشام , ولا أحد يعرف أين سنتهي وكم هي كمية الدماء التي ستسيل بعد مقتل نحو مليون ونصف عراقي ومليون سوري وضياع بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت , ومازالت ثمة عواصم عربية بانتظار الطوفان الطائفي الذي لا يبقي ولا يذر ؟

هكذا وبغفلة من الجميع كان السيف الإيراني يقتصّ من “الكتلة الصلبة” العرب السُنة بحماية أمريكية في العراق بعد أن عززت أمريكا ذلك حين استدعت “نيغربونتي” في 2004 ليصنع فرق الموت , وتبدأ قوائم المطلوبين من علماء وأساتذة جامعيين وضبّاط محترفين وطيارين , وصولاً لمنطق التهجير بعد أحداث المرقدين في سامراء 2006 ليصبح التهجير أو الذبح عنوان بغداد المتشحة بالسواد ! أحداث قلبت المعادلة في العراق ودمّرت المقاومة العراقية التي تشتت جهدها بين ثلاثة أعداء أمريكا وإيران والقاعدة , حتى كادت أن تتلاشى بعد أن كانت قبيل ذلك بقليل تتحدث التقارير عن تلاشي الاحتلال الأمريكي وإفرازاته ! خدمة قدمتها إيران لأمريكا مقابل تحقيق جملة من المكاسب , ولا سيما مدّ نفوذها في تلك المنطقة التي حلمت ومازالت أن تكون فضاءً لها أو حديقة خلفية لامبراطوريتها منذ العهد الساساني , إنّها المنطقة الحضارية الأولى في العالم القديم أو ما يُعرف بالهلال الخصيب !

أحداث جسّام كان لابدّ من التغطية عليها بحدث يذهب بالرأي العام لمكان آخر ولا يترك فرصة للشكّ  بأنّ إيران في تعاون مع أمريكا في غزو العراق , هذا الغزو الذي يصبّ في مصلحة إسرائيل أولاً , فكانت حرب تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل , حرب تحريكية تمكّن صناعها من تحقيق عدة مكاسب , فقد استطاعت إيران عبر ذراعها في لبنان أن توهم العرب والمسلمين أنّها في حرب مع إسرائيل , وأنّها تقود حلف المقاومة والممانعة ! في حين حققت إسرائيل هدفها بجعل حزب الله حامياً للحدود بموجب قرار دولي , وقد خرجت من تدمير لبنان دون تبعات قانونية كما ينصّ على ذلك القانون الدولي , فقد تبرعت الدول الخليجية بإعادة إعمار لبنان بما فيه الضاحية الجنوبية ومقرات حزب الله ! وانشغل العرب ببطولات حزب الله ونسوا الدماء التي تجري في العراق على يد حلفائه !

لقد استخدمت أمريكا إيران في القضاء على الثورة السورية , ودعم النظام الطائفي لأنّ إسقاطه يعني تغييرًا جذرياً في البناء الرسمي والإقليمي , ويؤثّر سلبًا على وجود إسرائيل , ويغير في التركيب السياسي الجديد الذي صنعته أمريكا في العراق , فكان لابدّ من تدخل خارجي داعم للنظام الطائفي فتمّت التغطية على وجود إيران ومعها نحو مئة ألف مقاتل من نحو ستة وستين فصيلاً شيعياً يقومون بذبح الشعب السوري علنًا , فضلاً عن عمليات التهجير , ومن يبقى فعليه التشيع السياسي , كل ذلك كان  بحرب الإرهاب أو حرب داعش !

إن من يتابع عمليات التهجير التي حصلت في سورية , وتفريغ مناطق من سكانها سيتبادر إلى ذهنه سؤال : هل سيعود أهل تلك المناطق أم أن ثمة سكانًا آخرين سيتم زرعهم في هذه المناطق ؟ الحقيقة المرّة أنّ عمليات تجنيس هائلة تتمّ في سورية للشيعة القادمين من شتى بقاع الأرض , ولاسيما في مناطق دمشق وحمص وحدود لبنان , وهي تكرار للتجربة السابقة في العراق حيث تم تجنيس مئات الآلاف من الإيرانيين في العراق – تحت ظل الاحتلال الأمريكي – بذريعة أنهم عراقيون وقد تمّ سحب الجنسية منهم زمن نظام صدام حسين !

ومع اقتراب انتهاء دور إيران في سورية فلابدّ من حدث يبرر وجود هؤلاء , فكان التصعيد الإسرائيلي والغاية منه :

خروج إيران من سورية بعد أن تركت من هو أقوى منها على الأرض “المتشيعيون سياسياً , والمجنسون بدل الشعب السوري المهجّر” فئتان تملكان القوة والاقتصاد والتنظيم , وهذا دأب كل من يتداخل مع البلد المحتل على صعد تتخطى الحالة العسكرية , بل تمتد إلى مستويات مختلفة : ثقافية واجتماعية واقتصادية ودينية ومصلحية , يكفي تحقيق بعض منها ليصبح من يخلّفه المحتل محتلاً للبلد ..!

فقد خرج الأمريكان من العراق , ولكن من حكم العراق بعدهم كانوا أكثر إجرامًا وتطويعًا للناس , ولم ينهار حكمهم كما كان يعول بعض المتخيلين , وخرج النظام السوري من لبنان وأصبح حزب الله وحلفاؤه أقوى وبات لبنان رهينة بيد أتباع حلف المقاومة والممانعة !

وعلى صعيد آخر فقد طغى خبر التصعيد العسكري على خبر أهم انتظره الصهاينة طويلاً وهاهو يمرّ بكل سلالة وهو نقل السفارة الأمريكية إلى القدس!

مجموعة ملفات في سورية والعراق ولبنان واليمن كُلّفت بها إيران كلها توضح حقيقة واحدة : إنّ المنطقة تسير إلى تطبيق الرؤية الأمريكية بتسليمها للأقليات المرتبطة عضوياً بإيران بشرط أن تبقى حالة الصراع الإعلامي بين الحلفاء قائمة , حتى وإن وصلت لبعض المعارك التكتيكية فالدور الذي تقوم به إيران في خدمة أمريكا وإسرائيل يتطلب تسخينًا لبعض المشاهد حتى يتمّ إقناع الجمهور !

شاهد أيضاً

عبد الباسط سيدا: أميركا وأوروبا وبدايات أفول الحقبة الإيرانية في المنطقة

عبد الباسط سيدا- جيرون لعلنا نتذكّر المصطلح الذي استخدمه رامسفيلد: “أوروبا القديمة”، ردًا على الدول …